(ثاني أكبر مؤسسة مصرفية في العالم بإجمالي أصول تزيد على 2.5 تريليون دولار  106.000 عميل بنكي متورط من 203 دولة. وغسيل أموال بمبلغ يزيد على 100 مليار دولار وهو رقم يقترب بحماس من نصف رصيد البنك الدولي!)

هذه الأرقام توضح تمامًا حجم فضيحة التسريبات التي حدثت أول أمس في الثامن من الشهر لعملاق الخدمات المصرفية في العالم HSBC، الكاشفة عن واحدة من أضخم عمليات غسيل الأموال قاطبة، أو كما أسمتها الجارديان (التسريبات البنكية الأضخم في التاريخ)، والتي تضم أسماء عدد من مشاهير العالم وساسته، وكالعادة كان للعرب والمصريين مكانة خاصة جدًا!

ما الذي حدث بالضبط؟

في وقت واحد تقريبًا قام الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ) – المنظمة التي تضم أبرع المحققين الصحفيين في العالم – بالتعاون مع صحيفة الجارديان البريطانية (The Guardian) واللوموند الفرنسية (Le Monde) وبرنامج الصحافة التليفزيوني الأهم (BBC Panorama) وبرنامج التحقيقات الأمريكي الشهير (60 Minutes) وأكثر من 45 وسيلة ومنظمة إعلامية بالكشف عن واحدة من أكبر حزم المعلومات البنكية السرية المسربة في التاريخ الحديث، حيث نشروا بالتزامن معلومات سرية مستمدة من 60 ألف ملف إلكتروني توضح بيانات حسابات 106 آلاف عميل بنكي لدي مصرف HSBC السويسري أحد أعضاء عملاق الخدمات المصرفية الذي يحمل نفس الاسم، العامل المشترك في هذه الحسابات أنها حسابات سرية تستخدم للتهرب من الضرائب وغسيل الأموال بعيدًا عن قوانين الرقابة المصرفية المتبعة في أغلب أنحاء العالم.

المبلغ الذي كُشف عنه تعدى المائة مليار دولار، وهو رقم يرن أجراسًا قليلة جدًا من فرط ضخامته، فهو يساوي قيمة أكبر شركة في العالم (Apple)، ضعف رأس مال بنك الاستثمار الآسيوي الذي تشترك فيه 21 دولة آسيوية، أكثر من ثلث الناتج المحلي المصري بالكامل، والعملاء تنوعوا ما بين رجال أعمال فاسدين، سياسيين، نجوم رياضة، وصولًا لزعماء عصابات إمبراطورية المخدرات العالمية وأشخاص متورطين في أنشطة الجريمة المنظمة كالمافيا وبعض أباطرة تجارة السلاح!

Hervé_Falciani_2012_cropped

بطل هذه التسريبات هو هيرفي فالشياني (Hervé Falciani)، مهندس الأنظمة الحاسوبية الشهير نصف الإيطالي نصف الفرنسي، والذي تعرفه أوساط المعلوماتية العالمية منذ العام 2008 عندما سرق حينها بيانات بنكية عالية السرية بحكم عمله في HSBC كخبير تقني على خمسة أقراص صلبة ثم هرب، حيث يتعاون من حينها مع عدد من الحكومات الأوروبية مسربًا إليها معلومات تتعلق بأكثر من مائة وثلاثين ألفًا من العملاء المتهربين من الضرائب وغاسلي الأموال العالميين، وهو صاحب تسريب Legarde الشهير في 2010 نسبة إلي وزيرة المالية الفرنسية حينها كريستين ليجاردي (Christine Lagarde).

العالم كله متورطً!

UN_Members_Flags

ثلاث ومائتا جنسية مختلفة لستة ومائة ألف عميل شكلت عصب التسريبات الأهم لهذا العام، على القمة تأتي سويسرا بـ11.235 عميل بقيمة حسابات بنكية إجمالية تقدر بـ31.2 مليار دولار لتتربع أيضًا على عرش القيمة المالية المهربة، بعدها فرنسا بـ9.187 عميل، ثم بريطانيا بـ8.844 عميل، فالبرازيل بـ8.667 عميل، إيطاليا بـ7.499 عميل، ثم إسرائيل في المركز السادس بـ6.545 تليها الولايات المتحدة بـ4.183 عميل، ثم الأرجنتين بـ3.625، تليها تركيا بـ3.105، ثم بلجيكا منهية المركز العاشر بـ3.002 عميل.

على صعيد القيمة المالية اختلف الأمر، سويسرا التي احتفظت بنفس المركز الأول تلتها في الترتيب بريطانيا بقيمة مبالغ مهربة إجمالية 21.7 مليار دولار، تلتها فنزويلا بـ14.8 مليار، ثم الولايات المتحدة بـ13.4 مليار، ففرنسا بـ12.5، إسرائيل بعشرة مليارات، وإيطاليا بـ7.5 مليار، فجزر الباهاما التي تشاركت مع البرازيل نفس المبلغ “7 مليار” في المركز الثامن والتاسع على التوالي، ثم أتت بلجيكا عاشرة بـ6.3 مليار دولار.

على صعيد الأشخاص المتورطين كان الأمر أكثر إثارة، حيث شملت التسريبات أسماء لمشاهير رياضة وفن وسياسة، فضلًا عن مجموعة لا بأس بها من تجار الأسلحة العالميين المتورطين في الحروب الأهلية في أفريقيا لدول مثل بوروندي وأنجولا وصفقات في ليبيا، ثم طالت مجموعة من أهم الزعماء العرب ورجال المال والأعمال هنا.

مشاهير عالميون

لنبدأ مع السيد ألفارو نوبوا (Alvaro Noboa) السياسي الشهير، مرشح الرئاسة السابق خمس مرات، ورجل الأعمال الأغنى في الإكوادور، حيث بدأ تعامله مع البنك في 2006، وبلغ أقصى حد لأمواله في الحساب بحسب ملفه المسرب 92.1 مليون دولار ما بين عامي 2006 و2007.

Horacio_Cartes_con_banda

السيد هوراسيو مانويل جارا (Horacio Manuel Jara) نال نصيبًا من الفضيحة أيضًا، الرئيس المنتخب الحالي لباراجواي ورجل الأعمال الشهير، حيث امتلك حسابين بين عامي 1989 و1991 أحدهما تحت اسم ابنته الكبرى والآخر تحت رقم كودي، وقد تواصل معه أحد صحفيو الـ(ICIJ) ولكنه رفض التعليق تمامًا على التسريب.

كارلوس هانك (Carlos Hank) الملياردير الشهير الذي يُعتقد أنه تاجر المخدرات الأكبر في المكسيك والمتورط في عمليات غسيل أموال لم تثبت عليه رسميًا، امتلك حسابين أحدهما تفرعت منه عشرة حسابات حوت مبلغًا إجماليًا يقدر ب 158 مليون دولار، أما الحساب الآخر فحوى 20.1 مليون دولار في 2006/ 2007.

Fernando_Alonso_2010_Malaysia

هناك مشاهير آخرون في كل المجالات تقريبًا، المصرفي الشهير إيميلو بوتين (Emilio Botin) المتوفى في سبتمبر 2014 وصاحب أعلي علامة مصرفية سعرًا في أوروبا (Santander) والذي كان له خمسة حسابات بإجمالي 82 مليون دولار، عارضة الأزياء العالمية إيلي ماك (Elle Macpherson) والتي امتلكت سبعة حسابات أربعة منها ظلت فاعلة حتى العام 2008 بإجمالي 12.2 مليون دولار، بطل العالم وسائق سباقات الفورميلا وان ذائع الصيت فرناندو ألونسو (Fernando Alonso) والذي امتلك حسابًا تفرعت منه أربعة حسابات أخرى، إجمالي ما كان فيها 42.3 مليون دولار في 2006/ 2007، و(كاريكن) الثاني (Karekin ||) رأس كنيسة الأرمن الأرثوذوكس وحسابه البالغ 1.1 مليونًا من الدولارات في 2007، وفالنتينو جارافاني (Valentino Garavani ) مصمم الأزياء العالمي والذي امتلك على الأقل تسعة حسابات حوت مبالغ تقدر بـ108.4 مليون دولار!

العرب

بالطبع لم يغب العرب عن القائمة، فكان الظهور الأول كأكبر قاعدة عملاء عرب مسجلة في البنك السويسري لـ(لبنان) في المركز الحادي عشر بـ2998 عميل بنكي، ثم المملكة العربية السعودية في المركز التاسع عشر بـ1504 عميل، فالإمارات في المركز الثاني والعشرين عالميًا بـ1126 عميل، تلتها المملكة المغربية بـ1068 عميل، وكان الظهور المصري في المرتبة الثامنة والعشرين بـ700 عميل، ثم سوريا في المركز التاسع والعشرين بـ690 عميل، ثم الأردن في المرتبة الثلاثين بـ679 عميل.

على صعيد إجمالي المبالغ المهربة اختلف الأمر كثيرًا وتقدمت مراكز العرب، فاحتلت المملكة العربية السعودية المرتبة الحادية عشرة بمبلغ 5.8 مليار دولار، ثم لبنان بـ4.8 مليار دولار، مصر في المرتبة العشرين بمبلغ إجمالي 3.5 مليار دولار وهو رقم تساوت فيه مع الإمارات أيضًا!

King_Abdullah_portrait

الذي أثار الضجة في التسريبات أن عددًا من الملوك العرب تورطوا في تهريب الأموال لسويسرا، منهم الملك عبد الله الثاني ملك الأردن الذي امتلك حسابًا في 2006 كبداية لتعامله مع البنك تحت أحد أسماء مسؤولي قصره الملكي، الحساب احتوى على ثلاثة حسابات فرعية وصل إجمالي ما تحويه لـ41.8 مليون دولار في 2006.

ملك المغرب محمد السادس والذي تولى حكم المغرب في عام 1999 بدأ في التعامل مع البنك السويسري في 2006 أيضًا، امتلك حسابًا مصرفيًا تحت الرقم الكودي “45500MK” واتصل بخمسة حسابات فرعية أخرى، الخمسة بلغ إجمالي ما فيهم 9.1 مليون دولار في 2006/ 2007.

300080629_feb614f112_z

السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان والذي أتى لحكم عمان بانقلابه الشهير على والده في 1970 بدأ تعامله مع HSBC في العام 1974 ليتصل اسمه بأربعة حسابات بنكية، منها اثنان باسمه مباشرة، الأربعة تفرعت عنهم عشرة حسابات حوت في نهاية 2007 إجمالي 44.6 مليون دولار.

أشهر السعوديين في القائمة كان الأمير (بندر بن سلطان بن عبد العزيز) رئيس المخابرات العامة السعودية السابق وأحد أعضاء العائلة المالكة، حيث أصبح عميلًا للبنك في يونيو 1999، ارتبط اسمه بأربعة حسابات بنكية حوت في فترة 2006/ 2007 إجمالي 15.6 مليون دولار.

من الإمارات كان الشيخ (محمد بن بطي آل حامد) ممثل رئيس الدولة السابق بالمنطقة الغربية ببداية تعامل في 2001 وإجمالي مبالغ في حساباته تقدر بـ26.1 مليون دولار، أما الشيخ (سلمان بن حمد آل عيسى) ولي عهد البحرين ونائب القائد الأعلى ونائب رئيس مجلس الوزراء يملك حسابين تحت اسم شركتين مساهمتين، يتفرع عن هذين الحسابين عشرة حسابات بنكية متصلة تحوي مبلغًا إجماليًا في نهاية 2007 وصل لـ21 مليون دولار تقريبًا.

المصريون

World Economic Forum on the Middle East 2009

موقع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين لم يضع الملفات كاملة بعد، وإنما اكتفى بعينة تضم أشهر الأسماء من كل الدول، ومن مصر اكتفى بأربعة أسماء من ضمن 700 اسم ذكروا في الملفات ولم يتسنَ لنا بعد معرفتهم بالكامل.

على رأس الأربعة يأتي رشيد محمد رشيد، وزير التجارة والصناعة السابق وأحد أركان نظام مبارك في العقد الألفيني الأول والذي لم يغب اسمه عن التسريبات، أصبح عميلًا للبنك في 2003 وأنشأ حسابًا تحت مسمى شركة “ليكسنجتون المحدودة للاستثمارات” (Lexington Investments Limited) والذي احتوى على عشرة حسابات فرعية حوت مبلغًا إجماليًا يقدر بـ31 مليون دولار بنهاية 2006!

محمد لطفي منصور وزير النقل السابق أيضًا كان حاضرًا منذ 2004 بحساب حوى سبعة ملايين دولار تقريبًا، أما رجلا الأعمال (حسين سالم) الملياردير صاحب مشاريع الغاز المصرية الإسرائيلية المشتركة و(ياسين منصور) شقيق محمد منصور وردت أسماؤهم لكن بدون ذكر ما احتوته حساباتهم من أموال مهربة!

تحقيقات

Usdepartmentofjustice

من الجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولي التي يتم فيها الزج باسم الفرع السويسري للمجموعة المصرفية بريطانية الأصل HSBC في عمليات تتضمن غسيل أموال وإنشاء حسابات بنكية خفية بعيدة عن الرقابة المصرفية وبلا ضرائب، فالبنك كان خاضعًا – ومازال – لتحقيق رسمي في فرنسا بتهمة (الاحتيال الضريبي) بسبب ما سربه هيرفي حينها في 2009، وفي 2012 خضعت المجموعة لتحقيق على أعلى مستوى من الكونجرس الأمريكي ليكتشف أن عصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية استخدمت بعض بنوك HSBC لتقوم بغسيل مليارات الدولارات، واضطرت المجموعة المصرفية حينها للتسوية مع الحكومة الأمريكية ممثلة في وزارة العدل، ودفعت غرامة قياسية لم يسبق لها مثيل في عالم الأعمال قدرت بـ1.9 مليار دولار.

المجموعة التي تدير عملياتها المصرفية في 70 دولة ولها وحدة بنكية خاصة في جنيف عاصمة سويسرا التي ليست بدولة في الاتحاد الأوروبي ولا تتقيد بقوانينه، والتي تخضع بالفعل لتحقيقات رسمية دولية في بلجيكا وفرنسا والأرجنتين والولايات المتحدة بتهم الاحتيال الضريبي وغسيل الأموال، تتعامل بقوانين مخالفة للقوانين الصارمة للعمل المصرفي، حيث تسمح لبعض عملائها بسحب مبالغ ضخمة بعملاتهم المحلية قليلة الاستخدام في سويسرا ثم يضاربون بها ليتجنبوا الضرائب الأوروبية، الأهم أنها تقوم بإنشاء حسابات خفية (Black accounts) وتتواطأ مع مالكي هذه الحسابات في عدم ذكرها عند تقديمهم لتقارير ضرائبهم السنوية!

فانيسا موك، المتحدثة الرسمية باسم الاتحاد الأوروبي لشؤون الضرائب صرحت بأن هذه التسريبات أكدت على صحة ما يقال بأن سرية البنك ساهمت في تجنيب عملائه دفع أي ضرائب، بينما كان رد البنك على التسريبات بأن البنك تغير عما كان عليه في 2007 وأنه يطلب الآن تقارير أكثر صرامة وانضباطًا وموافقة للقوانين من عملائه، وهو ما تتشكك فيه الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط دبلوماسيًا باستمرار على الحكومة السويسرية لإطلاق حزم قوانين مصرفية أكثر صرامة ومكافحة غسيل الأموال بشكل أكبر.

أما هيرفي فالسياني فأوروبا نفسها منقسمة عليه، تسميه الصحافة الفرنسية “الرجل الذي يسبب الخوف للأغنياء”، وتطارده الحكومة السويسرية وتحاول إقناع فرنسا بتسليمه لمحاكمته أمام القضاء السويسري بتهم التجسس الصناعي وانتهاك قوانين السرية المصرفية، بينما يقول هو نفسه أن اتهامه ومحاولة محاكمته أمام القضاء السويسري هو جزء من أجندة سويسرية لحماية البنوك لتستمر في مسارها التي هي عليه.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد