كانت مدينة بومبي الرومانية من أكبر الموانئ وإحدى أثرى المدن الرومانية، فاحتوت على عدد كبير من القصور والمعابد والمسارح، ولكن لم تشتهر المدينة بهذا، بل عرفت بسبب بركان فيزوف المدمر.

استطاع كارل بريولوف، صاحب لوحة «يوم بومبي الأخير»، أن يرسم مشهد هلاك مدينة بومبي وكأنه يراه رؤيا العين، ونقلت هوليوود الحدث نفسه في أكثر من فيلم.

يوم بومبي الأخير.. «الغضب القادم من السماء»

في واحدة من أعظم إنتاجات الفن الروسي، وبلا شك أعظم ما قدمه «قيصر الرسم»، تجسدت أمام أعيننا لوحة «يوم بومبي الأخير» لتحكي قصة مرعبة من قصص غضب الطبيعة على البشر.

كانت مدينة بومبي الرومانية من أكبر الموانئ وأكثرها ازدحامًا، موقعها على خليج نابولي جعل المدينة من أثرى المدن الرومانية، ومع الثراء يأتي الترف. المدينة احتوت على عدد كبير من القصور والمعابد والمسارح، ولكن لم تشتهر المدينة بهذه المباني، اشتهرت بومبي أنها عاصمة «الخمور والشهوات».

مجتمع

منذ سنتين
أغرب الكشوف الأثرية: ما هي قصة ضحايا «بركان فيزوف» الذين خُلدت أجسادهم حتى الآن؟

في نظر البعض، كان بركان فيزوف «الغضب القادم من السماء»، الأمر الإلهي بزوال مدينة الذنوب والموبقات، وبين عشية وضحاها، أنهت الحمم الحياة في المدينة بأكملها.

في 1827، زار بريولوف أنقاض المدينة الرومانية، ووجد المدينة على حالتها، بعد أن جمدتها الحمم. كل شيء في مكانه، البشر والحيوانات، البيوت والشوارع، وكأن الحياة يمكن أن تنتهي في لحظة واحدة.

تأثر كارل بما رآه في المدينة المنكوبة، وأمضى ثلاث سنوات من 1830 وحتى 1833 يرسم مزجًا بين الكلاسيكية والرومانسية لينتج أهم أعماله.

اعتمد بريولوف في رسمه على المشاهد التي طبعت في ذاكرته، الأمر الذي أضاف بعدًا إنسانيًا يمكن رؤيته بوضوح في الوجوه. المشهد حالة من الفوضى والهلع، السماء حمراء بلون حمم البركان والغيوم السوداء تغطي الأفق، البرق يعلن النهاية، ولا أحد مستعد.

في اللوحة نجد الأمهات تحمل أطفالها، تحاول حمايتهم من الموت المحتم، نجد رجل الدين في الركن الأيسر من اللوحة وهو يرى غضب السماء للمرة الأولى، نرى شابًا يحاول مساعدة أمه على النهوض وهذا الشاب في الواقع ينجو من ثوران فيزوف ويوثق الحدث.

كذلك، يرسم بريولوف نفسه في اللوحة فنراه يحمل ألوانه على رأسه في الجزء الأيسر من اللوحة، ليضيف بعدًا شخصيًّا، فزيارته مدينة بومبي تركت بداخله ذلك الأثر الذي بقي معه للأبد.

على الرغم من أن اللوحة تتبع المدرسة الكلاسيكية في استخدام المثلثات، إلا أن الألوان الجريئة التي اختارها بريولوف وعدم وجود بطل أو شخصية محورية للوحته بل كونها قائمة على الحدث ذاته جعلها تدخل أيضًا في نطاق المدرسة الرومانسية.

عرضت اللوحة للمرة الأولى في ميلان، والتف الجميع حول تلك التحفة الفنية التي جسدت الواقعة بخطوط تنبض بالحياة وألوان تجسد المعاناة. نجحت اللوحة في إيطاليا نجاحًا مبهرًا، بعد ذلك تم عرضها في صالون باريس وحصل كارل على وسام أكاديمية الفنون الجميلة الفرنسية.

وبعد جولاتها في أوروبا، استدعى الإمبراطور الروسي نيكولا الأول بريولوف ليعرض لوحته في أكاديمية الإمبراطور للفنون الجميلة، لتكون مثالًا لكل الفنانين الواعدين، ويكتسب كارل بريولوف لقب «القيصر».

كارل بريولوف مدينة بومبي

كارل بريولوف.. أبو الرسم

ولد كارل بريولوف أو «كارل العظيم»، كما أسماه أصدقاؤه، عام 1799 بمدينة سان بطرسبرج لأبوين فرنسيين ولعائلة من الفنانين، جده الأكبر وجده وأبوه وحتى أخويه اللذين يكبرانه بالعمر كانوا فنانين.

كان والد كارل والذي عمل مثّالًا، وكان عضوًا في أكاديمية الفنون الجميلة بسان بطرسبرج، هو أول معلم له حتى التحق بالأكاديمية هو الآخر، ليدرس من عام 1809 وحتى 1821.

اعتمدت الأكاديمية على مبادئ المدرسة الكلاسيكية في موادها التعليمية، وتظهر سمات الكلاسيكية في لوحات بريولوف الأولى مثل لوحة «عبقرية الفن»، كما تظهر موهبته التي جعلته يتفوق على أقرانه.

لكن في لوحة «نركسوس»، التي تحكي الأسطورة اليونانية عن الصياد الوسيم الذي وقع في غرام نفسه، نجده أظهر لمحات مما ستكون فيما بعد عناصر من أساسيات المدرسة الرومانسية، رغم أنها تصنف لوحة من لوحات الكلاسيكية.

بعد أن تخرج، حصل كارل على منحة لزيارة ألمانيا وإيطاليا، وكانت مقدمة من «مجتمع تشجيع الفن»، الذي سمح للفنانين بالسفر لمدة ثلاث سنوات لكل من ألمانيا وإيطاليا لاستكمال دراستهم.

سافر كارل لمدة 15 سنة، بين التعلم والترحال، أنتج فيها العديد من اللوحات، وزيارته لإيطاليا كانت السبب في إنتاجه للوحة «يوم بومبي الأخير».

فنون

منذ سنتين
«فرانسيس بيكون»: لوحات صارخة وإنسانية مُعذبة.. هكذا صوَّر رعب الحرب

يمكن أن نلاحظ الانتقال من الكلاسيكية إلى الرومانسية في لوحات كارل في هذه الفترة، إذ اتجه لرسم البورتريه، الذي لم يكن مفضلًا بالنسبة للمدرسة الكلاسيكية وأكاديمية الفنون، إلا أن الرومانسية شجعت هذا الفن.

خطوة بخطوة أنتج كارل لوحات رومانسية أثبتت للجميع مهارته، ومن أشهر هذه اللوحات لوحتي «صباح إيطالي» و«ظهيرة إيطالية»، واكتسبت الأخيرة شهرة واسعة لما مثلته من تجسيد لعناصر الطبيعة والاحتفاء بالعنصر البشري وكذلك الإضاءة الخافتة.

لكن لوحات بريولوف، على الرغم من جمالها، لم تكسبه الشهرة العالمية، قبل أن يتغير الوضع بعدما كلفه «مجتمع تشجيع الفن» برسم لوحة تاريخية.

سافر بريولوف، الذي كان استقر بروما، إلى أنقاض مدينة بومبي، وهناك انبهر بما رأته عيناه، فلم يكن يتخيل أن الحياة ممكن أن تختفي بهذه السهولة، فقرر أن يكون انفجار بركان فيزوف موضوع لوحته القادمة.

حصل الفنان الروسي على الدعم المادي من أحد النبلاء، ويسمى أناتولي ديميدوف، الذي كان مولعًا بالفن واللوحات.

بدأ كارل العمل على لوحة عملاقة بمقاس 24 مترًا مربعًا، وكان الجمهور يزور ورشة العمل ليتابع التطورات والمستجدات في الرسمة الكبيرة إلى أن انتهى منها بعد ثلاث سنوات من العمل وأخرج أشهر لوحة جسدت آخر يوم لبومبي.

الفنان الروسي الشهير، الأمير جريجوري جاجارين، الذي كان صديقًا لكارل قال عن اللوحة: «يمكن القول إن نجاح اللوحة كان غير مسبوق في حياة الفنانين، فقد كان يتعامل كارل معاملة المنتصرين والعباقرة، فتفرش له الأرض بالسجاد الأحمر في المدن التي زارتها اللوحة، الكل كان يفهمه ويقدره».

وبالفعل تلقت اللوحة ردود أفعال أكبر مما توقع كارل، فقارنه السكان المحليون بالعظماء أمثال رامبرانت وفان دايك، وأنتج إدوارد بولوير لايتون، الروائي الإنجليزي، روايته الشهيرة «يوم بومبي الأخير» بعد أن ألهمته اللوحة.

ووصفها السير والتر سكوت – الذي يعتبره الكثيرون مؤسس الرواية التاريخية – بأنها «ليست مجرد صورة بل هي ملحمة حقيقية».

فنون

منذ 6 شهور
فان جوخ «الحزين».. عندما تتحول تعاستك إلى «بوب كالتشر»

أنتج بريولوف أكثر من 120 بورتريه باستخدام أساليب مختلفة، فرسم الطبقة الأرستقراطية الروسية القاطنة بإيطاليا، كذلك رسم العديد من الفنانين والمغنيين ورجال الدولة الإيطالية.

بعد عودته إلى روسيا عُين كارل بريولوف بروفيسيرًا في أكاديمية الفنون الجميلة، وتبين أنه لم يكن فقط رسامًا بارعًا بل كان مدرسًا بارعًا أيضًا.

يحكي ليو تولستوي عن قصة لبريولوف مع أحد الطلاب فيقول إنه قام بتعديل بسيط على لوحته فسأله الطالب: «لقد قمت بتعديل بسيط فقط»، فرد بريولوف: «لكن الآن أصبحت اللوحة مختلفة تمامًا.. فالفن يبدأ بالأمور البسيطة».

وعلى الرغم من محاولته إبقاء إنتاجاته الفنية مستمرة بجانب تدرسيه بالأكاديمية، إلا أنه لم يستطع تنفيذ عمل بحجم لوحة بومبي، فلم تتخط اللوحات التي حاول رسمها مثل الحروب النابليونية مرحلة الرسم، إلا أنه استمر برسم البورتريه بكميات كبيرة ومهارة عالية.

دمار مدينة بومبي.. هوليوود تحكي القصة

لوحة يوم بومبي الأخير لم تكن المعالجة المرئية الوحيدة لثوران بركان فيزوف عام 79 ميلاديًا، فتصدرت قصة مدينة بومبي الشاشة الفضية في عديد من الأفلام وأولها كان «The Last Days of Pompeii» الصادر عام 1913 ويعتبر أول معالجة سينمائية لدمار مدينة بومبي وثوران فيزوف.

وصدر عام 1959 فيلم «The Last Days of Pompeii»، من تأليف إدوارد بولوير لايتون الذي سبق وذكرنا السبب في إلهامه، وأخيرًا وأقربهم الذي صدر عام 2014 «Pompeii» من بطولة كيت هارينجتون وإميلي براونينج وإخراج بول أندرسون.

تريلر فيلم «Pompeii».

ويطرح السؤال المعتاد نفسه: إلى أي مدى كانت هذه الأفلام دقيقة؟ خاصة وأنها من إنتاج هوليود المعروف عنها المبالغة والتضخيم.

إذا أخذنا «Pompeii» على سبيل المثال، نجد أن الفيلم تناول قصة فتى صغير هاجم الرومان قريته وقتلوا سكانها، لكنه استطاع الاختباء منهم والتظاهر بالموت، عدا أنه يقع في يد تاجر عبيد.

تمر السنين ونشاهد الفتى الصغير تحول لمقاتل شرس، يشتريه تاجر آخر ويأخذه معه لبومبي ليشارك في مبارزات المجالدين. ويقع الشاب في حب فتاة تفوقه في الدرجة الاجتماعية، ويتعثر في الرجل الذي قتل أمه، ويدور الصراع الذي يقاطعه ثوران البركان.

بعيدًا عن قصة مايلو بطل الفيلم، ففيما يخص أحداث الثوران نفسها، نجد أن صناع الفيلم حاولوا الالتزام بالواقعية وبترتيب الأحداث مثلما حدثت في الحقيقة.

كانت الزلازل أول واقعة، وتلاها الفوران، ثم تيار الكثافة البركاني. ولأنها هوليوود فبالطبع كان لا بد من تضخيم بعض الأحداث، فمثلا التسونامي التي حدثت بفعل البركان لم تكن بالضخامة التي ظهرت في الفيلم، ولم تلقيِ بالسفن على اليابسة. عدا ذلك، حاول الفيلم تجسيد نهاية بومبي كما حدثت، نهاية درامية حزينة.

دولي

منذ سنة واحدة
سيناريوهات نهاية العالم كما يتوقعها الجيش الأمريكي!

النقد الذي تعرض له الفيلم لم يكن بسبب الدقة التاريخية، فعالمة البراكين بناسا روزالي لوبيز دعمت المخرج بول أندرسون وأكدت أن «الفيلم نجح في تصوير تسلسل الأحداث كما ينبغي، فبدأ بالزلازل التي سبقت الانفجار ثم أتبعها بالثوران والتدفق البركاني والذي دفن المدينة تحته».

لكن تعرض الفيلم للنقد بسبب قصة مايلو وتشابهها مع قصة فيلم «Gladiator»، بطولة راسل كرو وإخراج ريدلي سكوت، الذي يحكي قصة العبد الذي يتحول لمقاتل ويسعى للانتقام من الرجل الذي قتل عائلته ويقع في غرام امرأة أعلى منه اجتماعيًا.

في النهاية سواء كنت تفضل اللوحات أو الروايات أو الأفلام، فإنك ستجد ما يحكي لك قصة المدينة المنكوبة والبركان الذي ثار فألهم الكثيرين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد