في القرن السابع عشر كان غاز ثاني أكسيد النيتروز (N2O) يستخدم مخدرًا في العمليات الجراحية القصيرة؛ مثل عمليات الأسنان، وفي القرن الثامن عشر، تحديدًا عام 1772 اكتشف الكيميائي الإنجليزي همفري ديفي، آثارًا سيكولوجية جديدة للغاز، عندما لاحظ أن المرضى الذين يتم حقنهم بالغاز بهدف التخدير يبتسمون لفترة طويلة، ثم أثبت ديفي أن عند زيادة الكمية إلى حد أكبر من الحد المعين للتخدير؛ يصاب المريض بنوبات ضحك، لذلك أطلق عليه اسم «غاز الضحك».

دائمًا عندما نسمع عن اسم غاز يبدأ بكلمة «ثاني» ثم بعدها تأتي كلمة «أكسيد»، نتذكر الغاز الشهير ثاني أكسيد الكربون (CO2)، الذي يرتبط اسمه بالمشاكل دائمًا، خاصة أزمة التغير المناخي، الذي يعد الكربون هو المتهم الأول فيها.

مصدر الصورة – park way P.D

لكن ثاني أكسيد الكربون ليس الشرير الوحيد الذي يهدد المناخ في العالم؛ بل غاز الضحك أو ثاني أكسيد النيتروز شريكه في الجريمة؛ بل في الواقع، يفوق تأثير غاز الضحك في أزمة المناخ 300 مرة تأثير ثاني أكسيد الكربون، والمعلومة الصادمة الأخرى، هي أن السبب الرئيسي في ارتفاع مستوى غاز الضحك في الهواء، ما يتسبب في ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة؛ هي الزراعة، أو بمعنى أدق، طرق الإنسان لتحسين عوائد الزراعة.

غاز الضحك.. «المجرم الخفي» في أزمة تغير المُناخ

من المعروف أن الأشجار والمساحات الخضراء بشكل عام تقلل من الاحتباس الحراري، وذلك لأنها تمتص غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتطلق الأكسجين بديلًا عنه؛ لكنها تساهم في الوقت نفسه بنسبة تتراوح بين 16-27% من أزمة الاحتباس الحراري، والتي يسببها غاز ثاني أكسيد النيتروز أو غاز الضحك.

وبسبب اهتمام الجميع بغاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث غالبًا من الأنشطة الصناعية؛ لم يبال أحد أن يفكر بما تفعله طرق الزراعة الحالية في الأزمة، حتى أن واحدة من الدراسات العلمية بينت أن نسبة غاز الضحك ارتفعت في الهواء بنسبة 30% خلال العقود الأربعة المنصرمة، والسبب في ذلك المبيدات الحشرية ومخصبات الأرض الزراعية التي تحتوي أغلبها على غاز النيتروجين المصنع.

من الأمور المسلم بها أن الطبيعة دائمًا تمتلك كل الحلول، لكن حلول الطبيعة ليست كافية لتلبية احتياجات الإنسان؛ لذلك يسعى الإنسان دائمًا لمحاكاة العمليات الطبيعية للحصول على نواتج أكثر، لكن كما نعرف: «العبث مع الطبيعة لا يأتي بالخير».

Embed from Getty Images

الفقرة السابقة قد تكون غامضة نوعًا ما، لكن دعنا نشرح لك الأمر بالتفصيل، قبل بداية القرن العشرين، كانت الزراعة لا تعرف المخصبات الكيميائية، وكانت النباتات والمحاصيل الزراعية تحصل على غاز النيتروجين من الهواء، وبمساعدة العمليات الحيوية التي تقوم بها البكتيريا المفيدة في التربة الزراعية، فيتحول النيتروجين إلى الأمونيا أو النشادر، وهي الصورة المفيدة من النيتروجين التي يحتاجها النبات.

لكن في مطلع القرن العشرين توصل عالم الكيمياء الفيزيائية الألماني فريتز هابر إلى طريقة عملية يمكن من خلالها الحصول على الأمونيا أو النشادر صناعيًا من خلال دمج غازي النيتروجين والهيدروجين في مركب كيميائي واحد. وبسبب نجاح الطريقة التي ابتكرها هابر؛ حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1918.

في عام 1938، أتى عالم آخر وأضاف بعض التعديلات على طريقة فريتز هابر، هذا العالم كان يدعى كارل بوش، وتمكن من خلال إضافة عامل حفاز مع استخدام الضغط العالي، إنتاج كمية كبيرة جدًا من الأمونيا المصنعة، وتغيرت الطريقة إلى ما تعرف به حاليًا باسم «عملية هابر بوش-Haber Bosch Process»، وهي الطريقة الأكثر شيوعًا لإنتاج الأمونيا الصناعية؛ وحصل أيضًا بسببها كارل بوش على جائزة نوبل في عام 1938.

انس الضحك.. الغاز سوف يقتلك!

صحيح أن «عملية هابر بوش» ساهمت في مضاعفة المحاصيل الزراعية بكميات كبيرة وساعدت في توفير غذاء لملايين البشر؛ لكن هذا الغذاء كان ثمنه غاليًا؛ إذ تسبب في ارتفاع درجة حرارة الكوكب عن المعتاد ما أدى إلى إحداث أضرار بيئية جسيمة، مثل تدمير الأراضي الزراعية وتصحرها بسبب تبخر المخزون المائي المُتاح للنباتات.

لكن المشكلة ليست في غاز الضحك، بل في الإنسان نفسه؛ إذ إن القائمين على الأراضي الزراعية يستخدمون المخصبات الزراعية لإنتاج محاصيل زراعية أكثر، وبما أن غاز ثاني أكسيد النيتروز يحتاج تقريبًا إلى 114 عامًا كي يتفكك؛ فمع كل مرة تضاف المخصبات إلى التربة تتبقى كمية زائدة من الغاز.

بالطبع المخصبات الزراعية لا تكون في الصورة النقية لغاز الضحك؛ بل في الأمونيا، لكن الأمونيا تتحل مع الوقت ويتبقى منها غاز الضحك الذي يؤدي إلى أضرار جسيمة في البيئة، أولها رفع درجة الحرارة عندما يتسرب إلى الهواء. وقد أشارت إحدى الدراسات أن غاز الضحك يقضي على الجذور الأصلية للنبات، ويضيف تعديلات وراثية ينتج عنها أنوع جديدة من النبات تختلف في خصائصها عن النباتات الأم؛ وأن بعض الخصائص الجديدة تكون مضرة بالبيئة والإنسان.

بسبب دورات الري المستمرة للنبات، تتسرب كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد النيتروز إلى القنوات المائية، التي يكون بعضها متصل بأنهار أو شبكات مياه كبيرة، وهذا يعني أن المياه أصبحت ملوثة بما فيها من كائنات بحرية قد تنتهي في وجبة غذائية للإنسان؛ لكنها سوف تكون سامة.

Embed from Getty Images

وتسرب الغاز إلى الأنهار يؤدي إلى حدوث ظاهرة التكاثر المضاعف للطحالب والنباتات المائية، والتي تعرقل تدفق المياه وتحجب الشمس عن الكائنات المائية. وهذه الظاهرة قد تؤدي إلى كارثة في بعض الحالات. مثلًا في عام 2014، حدثت تلك الظاهرة في إحدى البحيرات العذبة في ولاية أوهايو الأمريكية، وأدت إلى انقطاع المياه لمدة طويلة عن نصف مليون مواطن.

ووقعت حادثة مماثلة في بحيرة تايهو في الصين عام 2007 ومنعت حوالي 2.3 مليون شخص من الحصول على مياه لمدة أسابيع. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الطحالب المائية يصدر عنها كميات ضخمة من غاز ثاني أكسيد النيتروز أو غاز الضحك، بجانب أنها تجعل مياه الشرب سامة ومميتة؛ مثلما حدث في البرازيل عام 1996، بعدما تفاقمت الطحالب في إحدى البحيرات العذبة التي تعتمد عليها إحدى المدن البرازيلية في الشرب؛ وانتهى الأمر بوفاة 76 شخصًا بعد تعرضهم للفشل الكبدي.

عقّدها الإنسان وقد تحلها البكتريا

الحل الأول لهذه الأزمة هو الحد من استخدام المُخصبات الزراعية التي تحتوي على أمونيا مصنعة، لكن هذا الحل لن يكون فعالًا لأنه لن يوفر المحاصيل الزراعية الكافية لمتطلبات الإنسان في الوقت الحالي.

وعليه؛ طُرحت العديد من الحلول في السنوات الماضية، مثل استخدام مُثبطات كيميائية يمكنها وقف عمل ثاني أكسيد النيتروز، أو استخدام حبوب معدلة جينيًا تعمل على تثبيت الأمونيا في صورتها المفيدة دون تحولها إلى غاز الضحك، لكن هذه الحلول لم تثبت فاعلية كبيرة، لأنها لم تناسب جميع أنواع النباتات، ولم يكن نشاطها كبيرًا بشكل كاف للتعامل مع الكمية الضخمة من الغاز المتراكم في التربة.

علوم

منذ سنة واحدة
ليست شريرة دائمًا.. كيف ساعدت البكتيريا والفيروسات البشر؟

كما ذكرنا في السطور السابقة، هناك أنواع من البكتيريا المفيدة التي تعيش في التربة بشكل طبيعي، والتي بدورها تقوم بتحويل غاز ثاني أكسيد النيتروز أو غاز الضحك إلى صورة الأمونيا المفيدة للنبات، وهذه البكتريا توجد بشكل كبير في نباتات البقوليات مثل العدس والفول.

والعديد من الجهود العلمية حاليًا تعمل على إنتاج كمية كبيرة من البكتيريا المفيدة، أو تدعيم التربة بمركبات أو مُغذيات بكتيرية تحفز إنتاج البكتيريا بشكل مضاعف حتى تتمكن هذه البكتيريا الجديدة من التعامل مع أي كمية زائدة من غاز الضحك، وتحويلها إلى أمونيا يستفيد منها النبات دون حدوث أي ضرر بيئي، فهل تفعلها البكتيريا وتنقذ الكوكب من خطر محدق، صنعه سكّانه بمحض إرادتهم؟

المصادر

تحميل المزيد