«الحب في زمن الأبارتهايد»، لم يكن اختيار نشطاء فلسطينيين لهذا الاسم، لحملة إنسانية؛ عبثًا، إذ لخصوا به معاناة مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين حرمتهم السلطات الإسرائيلية من «لمّ الشمل» مع أزواجهم وعائلاتهم لاختلاف مكان السكن داخل الأراضي الفلسطينية.

فقد اختيرت «الأبارتهايد» للإشارة إلى نظام الفصل العنصري الذي حكمت من خلاله الأقلية ذات الأصول الأوروبية، في جنوب أفريقيا عام 1948، واستلهم اسم راوية الأديب العالمي جابرييل جارسيا ماركيز، «الحب في زمن الكوليرا»، لتكمل حكاية المعاناة، إذ إنّ القانون الإسرائيلي الذي تجدد 14 مرة، آخرها قبل أسبوع، يحمل صفة «أمر مؤقت»، ويفرض رفض كل الالتماسات المقدمة إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإلغائه.

وفي الوقت الذي تُشجع فيه إسرائيل أي يهودي مُهاجر إليها، مانحةً إياه كافة حقوق المواطنة، تنقلب الآية في التعامل مع الفلسطينيين، الذين تتعسّف حتى فيما يخص تنقلهم في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، كمنع زوجة من قطاع غزة المُحاصرة، أن تسكن مع زوجها في الضفة الغربية.

«ساسة بوست» يستقصي بعضًا من القصص الإنسانية لأسر فلسطينية، شتت القانون شملهم. وقد اضطُرِرنا إلى استبدال أسماء افتراضية بأغلب الأسماء الحقيقية، لأسباب أمنية.

في القدس.. نورا لا تخرج من باب بيتها

«بقيت 23 يومًا بعيدة عن أبنائي، تمكنت في الجمعة الأولى لشهر رمضان من الدخول بطريقة غير قانونية مع المصلين من الضفة الغربية، وها أنا حبيسة المنزل لا أستطيع الخروج حتى لا أُرحل إلى الضفة الغربية»، كلمات تحاول فيها السيدة نورا (53 عامًا) إجمال معاناتها المستمرة منذ ثماني سنوات، عندما اتخذت السلطات الإسرائيلية قرارًا بالتضييق عليها بوصفها مواطنة من الضفة الغربية، لا يحق لها الحصول على حق لم الشمل للإقامة مع زوجها وأبنائها الأربعة في القدس الشرقية.

نورا التي كانت تحصل على إقامة مؤقتة وتصريح يخول لها البقاء في القدس، ترى أن إسرائيل تُجند قواتها وقوانينها لتدمير حياتها الخاصة وأسرتها. تُوضح لنا أنه إذا مُنحت إقامة مُؤقتة، فإنها في المُقابل يُسحب منها تصريح التنقل بين القدس المحتلة ورام الله، لتكلفها مجرد زيارة لأمها المريضة – قبل أن تتوفى – البقاء في رام الله عدة شهور لأنه لم يُسمح لها بالعودة إلى القدس.

مع بداية شهر رمضان، كانت نورا في رام الله، إذ فرضت السلطات الإسرائيلية بقاءها في مسقط رأسها بعد أن سحبت منها التصريح الذي يخول لها التواجد مع أبنائها، لكنها عادت تهريبًا وهي منذ عودتها حبيسة المنزل، لا تستطيع الخروج لأن خروجها يعني اكتشاف أمرها وطردها إلى الضفة الغربية. لديها أربعة أبناء، أكبرهم فتاة في الـ15 من العمر وأصغرهم صبي في العاشرة من العمر.

تقول نورا: «قضيت الأيام الأولي من شهر رمضان أفطر وحدي، كان زوجي يأتي بالخضار كي أطهو الطعام وأنا في بيت أهلي ثم يأخذ ما طهوت إلى أبنائي في القدس…». تبكي ثم تقول: «اعتادوا أن أطهو لهم كل يوم، كان والدهم يقطع أكثر من 14 كليومترًا كي يحمل لهم طعامًا صنعته لهم».

 

في إحدى المرات حاول ضابط المخابرات الإسرائيلي ابتزاز نورا، فقال لها بلهجة فلسطينية: «ولادك فش عندهم مشكلة، بيقدروا يجيو عندك برام الله»، حينها ردت نورا عليه بـ«حرقة»، قائلةً: «أنا بدي إياهم يضلوا في القدس بدوني، راح يبقوا بالقدس وخالهم ما راح يحملهم لعندي». وتواصل حديثها وقد عادت للبكاء مرة أُخرى: «تركتهم بالبيت حتى لا يترك البيت فارغًا ثم يستولي عليه المستوطنون، فهم يفعلون ذلك من أجل سلب بيتنا، فهدف التضييق علينا هو التهجير ومن ثم تسليم بيتنا للمستوطنين».

يذكر أن إسرائيل جردت أكثر من 14 ألف فلسطيني من القدس الشرقية من إقامتهم الدائمة منذ احتلال المدينة عام 1967، فسياسة التجريد من الإقامة لأهالي القدس، هي سياسة عليا بالنسبة لإسرائيل، التي تضعها فوق كل الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية والقوانين الدولية، وذلك بهدف تحقيق التفوق الديموجرافي لصالح الإسرائيليين.

ومنذ عام 1988، تمنح السلطات الإسرائيلية سكّان القدس الشرقية تصاريح إقامة دائمة، وبهذا فإنها تُعاملهم بوصفهم مهاجرين، إذ بإمكانها تجريدهم من حقهم الأساسيّ بالسكن في بيوتهم، فصلاحية هذه الإقامة الدائمة تنتهي بشكل تلقائي عندما يقوم حاملها الفلسطيني فقط بمغادرة القدس والاستقرار في مكان آخر دون العودة لتجديد الإقامة كل ثلاث سنوات، كما يتم تجريد الفلسطيني من مكان إقامته في حالة حصوله على جنسية أو إقامة في دولة أخرى.

ستسجن إذا خرجت من بيتها في عكا

لم تكن مسيرة أربعة عشر عامًا من الزواج عاشتها خالدة دبوس (43 عامًا) إلا حياة منغصة بملاحقة السلطات الإسرائيلية لها، لأنها من سكان الضفة الغربية (مدينة جنين)، وترغب في التواجد مع زوجها بمدينة عكا في الأراضي المحتلة عام 1948.

قانون لم الشمل

مدينة عكا

الآن تعيش خالدة حبيسة المنزل، لا تستطيع الخروج للعلاج أو قضاء معاملة صغيرة بل تحرم من زيارة أهلها، وأقل وجع أنها لا تستطيع الخروج مع أبنائها في نزهة صغيرة لبحر عكا الجميل، لأن خروجًا من البيت يعني تعرضها للسجن فهي حتى الآن لم تمنح «الهوية الإسرائيلية» ولا «لم شمل»، يخول لها أن يكون وضعها قانونيًّا من وجهة نظر الاحتلال، تم توقيفها ثلاث مرات وخرجت بكفالة مالية. تقول: «أصبح لدي أربعة أبناء، وما زلت في هذه المعاناة، لم أحصل على هوية ولا لم شمل ولا غيره»، وتوضح أنها قدمت العديد من الأوراق واستوفت كل الشروط لكنها لم تحصل على شيء وهي كغيرها تنتظر كل عام تمديد قانون منع لم الشمل بشكل دوري من قبل إسرائيل.

من غزة إلى الخليل.. «يا فرحة ما تمت»

في العام 2013، عقد قران الفتاة الغزية رائدة (26 عامًا) على أحد أقاربها في مدينة الخليل بالضفة الغربية، الأمل بإمكانية الوصول للضفة الغربية لإتمام الزواج دفع هذه الفتاة للمجازفة بهذا الارتباط، خرجت رائدة من المحكمة الشرعية بغزة وهي تحمل عقد الزواج وورقة التوكيل التي أرسلت إليها، مع بطاقة شخصية تغيرت فيها حالتها إلى متزوجة.

مرت ثلاث سنوات على هذه الخطبة، كان الوقت مليئًا بالمحاولات لخروج رائدة إلى خطيبها في مدينة الخليل، حاولت الحصول على تقرير طبي يدعي حاجتها للعلاج في مستشفيات القدس أو الضفة الغربية. حاولت أن تخرج مع أمها المريضة بوصفها مرافقة أيضًا لم يسمح لها لصغر سنها، دفعت الكثير من المال لأصحاب الوعود «الكاذبة» كما تصفها من أجل الخروج، فكرت بالوصول إلى هناك عبر مصر ثم الأردن إلى الضفة الغربية لكن الأمر في النهاية يعني إيقاف قوات الاحتلال لها على معبر الكرامة.

اليوم ساءت الحالة النفسية لرائدة كثيرًا، أصبحت غير قادرة على مواجهة استفسارات الناس: «متى ستخرجين لزوجك؟»، تقول لـ«ساسة بوست»: «أصبحت انطوائية ولا أحب المشاركة في المناسبات الاجتماعية أيضًا خطيبي يتعرض لنفس الموقف ويضغط عليه لتركي لأنه لا أمل في وصولي إليه».

في القانون الإسرائيلي، لا يُسمح لزوجة من قطاع غزة بالحصول على تصريح يخول لها العبور إلى الضفة الغربية، فالفلسطينيون من سكان القطاع هم «مقيمون غير قانونيين» في الضفة الغربية، وذلك على عكس ما يُرحب به الاحتلال وهو السماح لسكان الضفة الغربية الذين يريدون العيش مع أزواجهم في قطاع غزة بالإقامة بشكل كامل في قطاع غزة، وهو ما يعني أنهم سيصبحون من سكان القطاع فلم يتمكنوا من الوصول إلى الضفة الغربية إلا في الحالات الاستثنائية مثل الموت والمرض أو زفاف أحد الأقرباء من الدرجة الأولى، وفي حالة السماح لهم بالعودة للضفة فسيفرق بينهم وبين زوجاتهم من غزة للأبد.

التفريق بين الأطفال وأمهم

إلى غزة أيضًا، وتحديدًا في مخيم المغازي بالمنطقة الوسطى، هناك تخوض الفلسطينية نبيلة الهواني – 33 عامًا – إضرابًا عن الطعام منذ أكثر من أسبوع، تصوم وقتًا أكثر من الصائمين في مخيمها أو مستشفياته، فقد رأت هذه الأم أن تلك وسيلتها الوحيدة التي قد تلفت بها انتباه المؤسسات الحقوقية والشخصيات السياسية لإلحاقها بزوجها وأطفالها الذين سافروا إلى الضفة الغربية قبل خمسة شهور بينما رفض الاحتلال إدخالها معهم.

أنهك الإضراب نبيلة كثيرًا، فهي ترقد في المستشفى تعاني من الجفاف وحالتها النفسية سيئة للغاية، لأنها لم تتمكن من التواجد مع أطفالها علي (خمس سنوات) ويزن (ثلاث سنوات) ووداد (عشرة أشهر) مع زوجها عبد الباسط مكانيًا، فقبل خمسة شهور قررت العائلة الذهاب لزيارة الجدة المريضة، وعندما وصلت العائلة إلى معبر «بيت حانون» فرقت قوات الاحتلال العائلة بالسماح للزوج (كونه من سكان قلقيلية) وأبنائه بالدخول إلى الضفة الغربية وأعيدت نبيلة إلى غزة، فقد منح الزوج الذي يعيش في غزة منذ عام 2008 تصريح عودة مع أبنائه فقط، لتصبح نبيلة في غزة وأبناؤها وزوجها في الضفة الغربية.

نبيلة ليست الوحيدة التي حرمها الاحتلال من الوصول إلى منطقة خاضعة للسلطة الفلسطينية وليس لإدارة الاحتلال، إذ تفرض إسرائيل نفوذها على مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وتواصل سياستها في تمزيق العائلات بطرد آلاف العائلات التي تعود أصولها لقطاع غزة ويعيشون منذ سنوات طويلة في الضفة الغربية إلى قطاع غزة. خاصة أولئك الذين انتقلوا من قطاع غزة إلى الضفة الغربية بعد أيلول 2005، وهو موعد تطبيق خطة فكّ الارتباط.

إسرائيل تمدد قانون لم الشمل 14 مرة

في العام 2003، قرر رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون بعد اجتياحه الضفة الغربية تجميد إجراءات لمّ شمل العائلات الفلسطينية، التي يكون أحد الزوجين فيها حاملًا للإقامة المقدسيّة أو الجنسية الإسرائيلية بينما يكون الآخر من الضفة الغربية أو قطاع غزة. وأضافت إسرائيل في عام 2007 دولًا «عدوة» كما وصفتها مثل لبنان وسوريا والعراق وإيران.

ومنذ ذاك العام وإسرائيل تمدد «قانون المواطنة والدخول لإسرائيل» الهادف إلى منع لم شمل العائلات الفلسطينية، حتى وصلت عدد مرات تمديد سريان القانون لأربع عشرة مرة، آخرها قبل أسبوع، وهو ما يعني أن عشرات آلاف العائلات الفلسطينية التي يقيم أحد طرفيها في المناطق سابقة الذكر ليس باستطاعته إدخال زوجه إلى المدينة التي يسكن بها ولا حتى تحصيل حق الإقامة له.

ورغم أن تبرير الاحتلال يأتي بأنه أسباب أمنية إلا أن الحقيقة هي تخوف إسرائيل من إحداث تغيير ديموغرافي داخل إسرائيل. كما تستخدم إسرائيل القانون وسيلة عقاب جماعية ضد مواطني المناطق الفلسطينية.

يقول الباحث الميداني في  مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة «بتسيلم» محمد صباح: «نتوجه للمحاكم الإسرائيلية لرفع قضايا تتعلق بلم الشمل، طلبنا من المحكمة الإسرائيلية أن تأمر جيش الاحتلال بالسماح للعائلات بلم الشمل، لكن لم يحدث أي تغيير، يرفضون السماح بلم الشمل، لا يوجد أي تحرك لحل قضايا العائلات المنفصلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وداخل إسرائيل بسبب التعنت الإسرائيلي»، وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «يجب لم شمل هذه العائلات فهي تعيش مشاكل اجتماعية ونفسية جمة، منذ عام 2000 يمنعون سكان قطاع غزة من الوصول لشريكهم في الضفة الغربية، ويأتي ذلك ضمن سياسة الفصل والمنع والعقاب».

عرض التعليقات
تحميل المزيد