عقوبات اقتصادية أمريكية قادمة متمثلة في قانون قيصر تستهدف أركان النظام السوري، وداعميه الإيرانيين، والروس، وأي شخص، أو جهة، أو دولة ستتعامل مع النظام، حيث تعتبر هذه العقوبات هي الأقوى التي يتلقاها الأسد، فهل تجبره على التنازل والرضوخ للقرارات الدولية؟ 

كان مجلس النواب الأمريكي الذي يسيطر عليه الحزب الديمقراطي قد صوت يوم الأربعاء الماضي 11 ديسمبر (كانون الأول) 2019 على ميزانية الدفاع لعام 2020 والتي أثارت اللغط في أوساط السياسيين الأمريكيين، وحصل القرار على موافقة 377  ورفضه 48 فقط، وتم تمرير القرار لينتقل بعد ذلك إلى مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون، ومن المتوقع أن يتم تمريره أيضًا ليصبح على طاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نهاية الأسبوع القادم للموافقة عليه والتنفيذ.

عام

منذ 3 سنوات
كيف أصبحت سجون النظام السوري مسرحًا لجرائم لا تقل فظاعة عن الإبادة الجماعية

الميزانية الخاصة بالدفاع والتي تم إقرارها في مجلس النواب الأمريكي تتضمن العديد من البنود، من بينها زيادة لرواتب العاملين في الجيش الأمريكي، والإجازات، وأمن الحدود والفضاء، بالإضافة إلى قانون تم حشوه في الموازنة تخوفًا من رفضه إذا كان بشكل منفصل وهو قانون قيصر الذي أصبح الآن تحت قبة مجلس الشيوخ.

ترامب الذي غرد فرحا بإقرار قانون الميزانية قال «كل أولوياتنا أصبحت في نهايتها من زيادة رواتب قواتنا، وإعادة بناء قواتنا العسكرية، والإجازة الأبوية المدفوعة الأجر، وأمن الحدود، وقوة الفضاء»، وأكد أن القرار تاريخي وسوف يوقع عليه فورًا، إذ إنه لا يحتمل التأخير من وجهة نظره. 

حشو قانون قيصر ضمن ميزانية الدفاع الأمريكية

مشروع قانون قيصر الذي ذهب وعاد أكثر من مرة بين مجلسي النواب والشيوخ الأمريكي، والذي جرت المصادقة عليه أول مرة في مجلس النواب في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بأغلبية ساحقة، إلا أنه منذ ذلك الوقت ولغاية يوم الأربعاء الماضي لم يتم إقراره بسبب قيام البيت الأبيض أثناء حكم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بعرقلته، حسبما نشرت صحيفة «واشنطن بوست»، إذ أشارت إلى أن أوباما عمل على عرقلة صدور القرار في سبيل إيجاد حل مع روسيا، خاصة بعد الاتفاق على هدنة هشة بين المعارضة والنظام.

كانت واشنطن تأمل وقتها أن تكون بداية الحل، إذ رأت الإدارة الأمريكية آنذاك أن الوقت غير مناسب لإصدار مثل هذا القرار. وبعد وصول ترامب الى كرسي الحكم عمل على تفعيل القانون، حيث قامت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي بتمرير قانون قيصر في بداية عام 2019، ليعود مرة أخرى إلى دائرة طويلة من النقاشات بين المجلسين.

وبسبب التخوف من عرقلة القانون، واختصارًا للوقت، وحيث إنه لم يحصل على الدعم الكامل من أجل التصويت عليه بشكل منفصل، خاصة مع اعتراضات بعض أعضاء الكونجرس، فقد قررت إدارة ترامب إضافته إلى قانون الميزانية الخاصة بالدفاع، والذي يحظى بموافقة غالبية أعضاء الحزبين، وهي فكرة كانت كفيلة بتمرير القانون، ووصوله بسلام الى مجلس الشيوخ الذي من المتوقع أن يوافق على الميزانية، ويكون يوم الأربعاء القادم على طاولة الرئيس ترامب للموافقة عليه.

إلهان عمر تعلن دومًا دعمها للثورة ضد الأسد.. لماذا رفضت القانون؟

جاء رفض إلهان عمر ذات الأصول الصومالية والعضوة المسلمة في مجلس النواب الأمريكي للقرار صادمًا للسوريين، ومخيبًا لآمال قطاع منهم علقوا عليه، خاصة مع تصريحات سابقة لها دعمت الثورة السورية، ونددت بنظام الأسد، واتهمته بقتل السوريين، وتنفيذ المجازر بحقهم، ولكن ما هو السبب الذي دفعها لرفض القانون؟

كما أسلفنا فإن قانون قيصر هو جزء من قانون الميزانية الذي يحوي العديد من القوانين والتشريعات، وبما أن إلهان عودتنا بشكل دائم على معارضة سياسية الرئيس ترامب هي وعدد من الموصوفين بالليبراليين، من بينهم العضوة ذات الأصول الفلسطينية رشيدة طالب، والتي رفضت القانون أيضًا، فهذه المرة ليست استثناءً؛ فقد صوتت إلهان بـ«لا»، إذ صرحت قبل الجلسة أنها ستصوت ضد القانون لعدة أسباب أهمها أن الميزانية كبيرة جدًا تصل إلى 738 مليار دولار أمريكي، كما أن القانون لا يحتوي على إلزام الولايات المتحدة الأمريكية بعدم المشاركة في الحرب التي تقودها السعودية في اليمن ودعمها، وأيضًا أن القانون لا يحتوي منع إدارة ترامب من شن حرب وصفتها بالكارثية على إيران.

وأشارت عمر أن مشروع الميزانية تضمن عددًا من البنود الإيجابية، مثل مشاركة قاعدة بيانات فحص من وصفتهم بالإرهابيين مع البلدان الأجنبية، بما في ذلك منتهكي حقوق الإنسان، كما تضمن تقديم الدعم للعاملين في مجال حقوق الإنسان، بالإضافة لعدم السماح بوجود قواعد عسكرية دائمة في الصومال، وفي نهاية تصريحاتها أكدت أنها لن تضع ضباط ومدنيي بلادها في خطر من خلال كتابة شيكات فارغة لحروب لا نهائية.

ولم تصرح إلهان عمر بخصوص مواقفها تجاه قانون قيصر بشكل خاص، ولكنها عارضت السياسات المبنية على العقوبات وقالت إنها مُصممة في كثير من الأحيان لإلحاق أقصى قدر من الألم بالمدنيين، وليس بتمكينهم، كما أن العقوبات نادرًا ما تحقق الأهداف المرجوة منها، ومن يتأذى هم عموم الناس دون التأثير في سلوك البلد المستهدف، وترى إلهان أنه في حالة حقوق الإنسان، تشير البحوث إلى أن المزيد من الانتهاكات تحدث مع فرض عقوبات اقتصادية، وأكدت أنه كان بوسع أمريكا أن تتفاوض على منطقة عازلة في شمال سوريا حتى يتمكن الأشخاص خارج سيطرة نظام الأسد من خلق حياة سلمية، دون الحاجة لإعطاء الضوء الأخضر لتركيا بالدخول إلى شمال سوريا.

وحسب مصدر خاص تحدث إليه «ساسة بوست»، وهو من النشطاء السوريين في مجال حقوق الإنسان ويعيش في الولايات المتحدة الأمريكية ورفض ذكر اسمه، فقد أكد أن إلهان عمر ورشيدة طالب صوتا أكثر من مرة لصالح قانون سيزر في مجلس النواب، وأنهما من الداعمين للثورة السورية بشكل كامل، وشدد أن النائبتين في المجلس قد صوتتا ضد قانون الميزانية الذي يضم أكثر من 3 آلاف صفحة، وفيها العديد من التشريعات والقوانين التي باعتقادهن أنها غير مناسبة، أما قانون سيزر فقد أكد على أنهما موافقتان عليه.

قانون قيصر الذي سيخنق الأسد

سُمي قانون قيصر (سيزر) بهذا الاسم نسبة إلى مصور عسكري سوري انشق عن نظام الأسد عام 2014، وسرّب 55 ألف صورة لـ11 ألف سجين قتلوا تحت التعذيب، إذ استخدام هذا الاسم ليخفي هويته الحقيقية، وكانت صوره قد أثارت رد فعل غاضبة أوروبية وأمريكية، أظهرت جثثًا لأشخاص ملقين على الأرض ماتوا تحت التعذيب في سجون الأسد، وتم عرض هذه الصور في مجلس النواب الأمريكي، وحضر قيصر شخصيًا إلى المجلس أكثر من مرة، وتحدث عن أوضاع السوريين، وطالبهم بالتحرك لوقف المجازر بحق الشعب، وفي زيارته الرابعة قال: «أكثر ما يؤلم في هذه الزيارة هو أننا في كل مرة نأتي، يكون الوضع أكثر مأساوية مما مضى».

يشمل قانون قيصر على عدد من المواد المتعلقة بفرض عقوبات صارمة على نظام الأسد، بدأً بالرئيس، مرورًا بالنواب والوزراء، وصولًا إلى كل دولة أو جهة أو شخصية تدعم النظام اقتصاديًا أو عسكريًا بأي شكل من الأشكال، وتتجه هذه العقوبات إلى البنك المركزي السوري والأجانب المنخرطين في تعاملات بعينها، وأيضًا المتعاملين مع النظام ببيع الأسلحة، وفرض عقوبات على نقل سلع أو تقنيات إلى سوريا من المرجح أن تستخدم في ارتكاب انتهاكات ضد حقوق الإنسان، وتحديث قائمة بالأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات. 

كما يتضمن القانون تقديم الدعم للكيانات التي تنشط في جمع الأدلة للاستعانة بها في التحقيقات حول جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في سوريا منذ مارس (آذار) 2011.

 يقول السيد فضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لـ«ساسة بوست» أن «القانون ينص على إنشاء لجان لمتابعة تنفيذه لمراقبة من يقوم بانتهاك هذا القانون، وأثر هذا القانون على النظام السوري كبير جدًا ودون مبالغة هو أكبر إنجاز في سبيل محاسبة النظام وحلفاءه على الجرائم المرتكبة، لأنه قانون واسع ولا يلغى، إلا بعد التزام النظام السوري بوقف الانتهاكات لحقوق الإنسان»، وأضاف عبد الغني أن «القانون يفرض عقوبات على دول لا يعنيها معاناة السوريين، مثل: العراق، ولبنان، وإيران».

وشدد عبد الغني أن على الروس أن يفهموا أن النظام السوري لن يتم إعادة تأهيله؛ لأنه نظام لا يعول عليه، ولا بد عن الموافقة على عملية انتقال سياسي حقيقي، ونوه مدير الشبكة السورية «أن القانون كما يردع الدول فإنه يردع الأفراد والشركات كي لا يتم وضعهم على قائمة العقوبات الأمريكية»، وأشار عبد الغني إلى أن «القانون هو تشريعي بمعنى أنه سيبقى ساري المفعول وملزم لجميع الإدارات اللاحقة للولايات الأمريكية المتعاقبة، حتى ينتهي النظام عن ارتكاب الانتهاكات».

ومن ضمن البنود في القانون الذي سيخنق الأسد وربما يعجل بانهيار الليرة السورية، هناك بند يتعلق بإمكانية تعليق الرئيس الأمريكي هذا القانون، ولكن بعد إتمام عدة شروط من بينها ألا يتم استخدام الأجواء من قبل النظام وروسيا لاستهداف المدنيين، وأيضًا فك الحصار عن المناطق المحاصرة، وإطلاق جميع السجناء السياسيين، وتدمير الأسلحة الكيماوية، وغيرها من الشروط التي إن قام النظام السوري بتطبيق نصفها فقد يعني ذلك سقوطه بالفعل، فهل يخضع الأسد أم يقول «كرسي الحكم هو الأهم ومن بعدي الطوفان»؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد