لم تكد تمر ساعات قليلة على تفجيري كنيسة مارجرجس في طنطا، والكنيسة المرقسية في الإسكندرية، حتى خرج الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» في خطاب إلى الشعب معلنًا حالة الطوارئ في البلاد مدة ثلاثة أشهر، بهدف «حماية أمن البلاد، ومنع أي مساس بقدرتها أو مقدراتها بحسب ما جاء في نص الخطاب».

ورغم ما ستجلبه حالة الطوارئ على البلاد من إجراءات يصفها البعض بـ«الكارثية»، لا سيما أنها ستعطل محاولات حكومة السيسي الدؤوبة لجذب استثمارات تطمح في أن تنتشل الوضع الاقتصادي في البلاد من عثرته، فإن النظام المصري يُحتمل أنه ينظر إلى ذلك القانون من زاوية مختلفة، إذ سيتيح له التغلب على العديد من التحديات التي تواجهه، وفيما يلي شرح لـ5 فوائد قد يتحصل عليها نظام السيسي جراء العمل بقانون الطوارئ.

1- تجاوز عقبة «تيران وصنافير»

لم تكد تمضي ساعات قليلة على تفجيري كنيستي طنطا والإسكندرية، وما تبعهما من إعلان الطوارئ، حتى أعلن رئيس مجلس النواب المصري «علي عبد العال» ،
إحالة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية، المعروفة إعلاميًّا باتفاقية «تيران وصنافير»، إلى «لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية» بالبرلمان لدراستها.

وتنص تلك الاتفاقية التي وقعت في أبريل 2016، على إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، لتصبح جزيرتا تيران وصنافير الاستراتيجيتان تحت السيادة السعودية، وقد قوبلت تلك الاتفاقية باحتجاجات شعبية واسعة، كانت هي الأكبر من نوعها التي يواجهها النظام المصري، الذي يحكم البلاد بقبضة أمنية راسخة، ويمنع كافة أشكال الاحتجاج والتظاهر.

وفي 16 يناير (كانون الثاني) الماضي، أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمًا نهائيًّا يقضي ببطلان تلك الاتفاقية، وقالت إن سيادة مصر على الجزيرتين «مقطوع بها»، وقد ترافق ذلك الحكم مع توتر في العلاقات المصرية السعودية، الأمر الذي اعتبره البعض تراجعًا من النظام عن الاتفاقية، واعتبره آخرون دليلًا على رفض قطاعات كبيرة داخل الدولة المصرية التنازل عن الجزيرتين.

إلا أنه، وتزامنًا مع عودة الدفء إلى العلاقات بين القاهرة والرياض، عادت محكمة الأمور المستعجلة لتبطل حكم الإدارية العليا، وتقضي بسريان الاتفاقية، وجاء قرار رئيس البرلمان المصري الأخير ليثير المزيد من التكهنات حول نوايا النظام، واستغلاله قانون الطوارئ عقب حادث الكنيستين لـ«تمرير» الاتفاقية تشريعيًّا، والالتفاف على حكم الإدارية العليا، متذرعًا بالسلطات المطلقة في قانون الطوارئ، والتي تمنع كل أشكال الاحتجاج، وتطلق العنان لقوات الأمن تجاه كل المعارضين.

2- قرارات اقتصادية صعبة قد تكون في الطريق

في خطابه الذي ألقاه للشعب المصري عقب حادث الكنيستين، وقبل أن يعلن فرض حالة الطوارئ في البلاد، أشاد السيسي بـ«صمود» الشعب المصري تجاه الإجراءات الاقتصادية، مشيرًا فيما يبدو إلى الإجراءات التقشفية التي تتخذها حكوماته المتعاقبة، ومحدودية ردود الأفعال الشعبية عليها.

 

ونشير هنا أن يومًا لا يكاد يمر دون قرار اقتصادي -أو خبر يتحدث عن قرار محتمل قريبًا- يزيد من الأعباء المعيشية على جميع الفئات في البلاد، فقد تم خفض الدعم على المنتجات البترولية، والكهرباء مرارًا، مع تصريح بنية إلغائه تمامًا في غضون خمس سنوات، فضلًا عن الرغبات في تقليص الإشراف الحكومي على القطاع الصحي، وتلميحات إلى إمكانية إلغاء مجانية التعليم، كما صرحت وزيرة التضامن الاجتماعي أن الحكومة «لم تعد قادرة على تحمل أموال المعاشات».

وقد جاء إعلان حالة الطوارئ بعد أسابيع قليلة من مظاهرات شهدتها عدة محافظات مصرية، احتجاجًا على قرار وزير التموين الذي يخص السياسة الحكومية لصرف الخبز المدعم، وهو ما أثار المخاوف من أن يكون الهدف الفعلي من هذا القانون هو ضمان تمرير إجراءات «تقشفية» أخرى خلال الشهور القليلة القادمة، خاصةً مع أنباء تحدثت عن إمكانية أن تقوم الحكومة برفع جزء آخر من دعم الطاقة في المستقبل القريب.

3- مزيد من «الترويض» للإعلام

رغم الدور الكبير الذي لعبه الإعلام في إطاحة الرئيس المصري المعزول «محمد مرسي» من سدة الحكم، وتمهيد الطريق للسيسي إلى قصر الرئاسة، ثم تثبيت أركان حكمه لاحقًا، إلا أن السيسي لا يترك مناسبة إلا ويبدي امتعاضه من الإعلام، وتوجيه الدعوات للإعلاميين أن يكونوا أكثر وطنية، وأقل جنوحًا نحو الإثارة.

وسبق أن اعتبر السيسي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر «محظوظًا»؛ لأنه «كان بيتكلم والإعلام معاه» على حد تعبيره، كما اعتبر في تصريحات لاحقة أن الإعلاميين يضرون مصر كثيرًا بغير قصد.

وفي الخطاب الأخير الذي أعلن فيه حالة الطوارئ، وجه «عتابًا» إلى الإعلاميين على تغطيتهم للأحداث قائلًا: «خلوا بالكم من مصر وشعب مصر، الخطاب الإعلامي يتعامل بمصداقية ومسؤولية ووعي حتى لا يؤلم الناس، تكرار الواقعة يجرح المصريين»، منتقدًا إياهم «لا داعي للتكرار طول اليوم والتعليقات، خلوا بالكم على بلدكم».

وينص قانون الطوارئ الذي أعلنه السيسي على أنه يصبح من صلاحيات الرئيس الأمر بمراقبة الرسائل أيًّا كان نوعها، ومراقبة الصحف والنشرات، والمطبوعات والمحررات والرسوم، وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها، وضبطها ومصادرتها، وإغلاق أماكن طباعتها.

ولم تكد تمر ساعات قليلة على إعلان الطوارئ، وقبل حتى دخوله حيز التنفيذ بتصديق البرلمان عليه، حتى أعلنت جريدة البوابة مصادرة عددها، الذي طالبت فيه بإقالة وزير الداخلية احتجاجًا على ما وصفته بالـ«تقصير الأمني»، وهي المرة الأولى التي تحدث في تاريخ الجريدة المعروفة بقربها من أجهزة الدولة المصرية.

4- إعطاء الانطباع بإنجاز «شيء ما»

بالنسبة لنظام السيسي الذي جعل من «مكافحة الإرهاب» عنوانه الوحيد، وأطاح في سبيل ذلك كل الحريات السياسية في نظر العديد من المراقبين، ولجأ إلى إجراءات اقتصادية صعبة أخمد تداعياتها المحتملة بهذا الخطاب، فإن عمليات إرهابية حقيقية كتفجير الكنيستين قد ينظر إليها من البعض باعتبارها ضربة كبيرة تنسف كل «إنجازاته» التي يدعيها في هذا الإطار.

ثمة تساؤل قد طفا على السطح، فور إعلان السلطات المصرية لحالة الطوارئ، وهو أنه طالما أن السلطات في البلاد تتمتع -فعليًّا- بصلاحيات شبه مطلقة، فتعتقل من تشاء وقتما تشاء، وتُخفي المعتقلين لديها قسريًّا لشهور بغير أي سند قانوني، بل وتلجأ إلى التصفية الجسدية أحيانًا، وطالما أنه ليس هناك من صوت يُسمح به في وسائل الإعلام إلا ما كان منها مؤيد للسلطة، فما الحاجة إذن إلى فرض الطوارئ؟

يتساءل البعض أنه لو كان ثمة هامش مُعتبر للحريات السياسية في البلاد، لصار مفهومًا أن السلطة تسعى إلى تضييقه، من خلال أداة قانونية تتيح لها سلطات إضافية، لكن ما الحاجة إلى ذلك القانون وقوات الأمن تمارس -فعليًّا- سلطات شبه مطلقة أكبر بكثير من تلك التي تمنحها إياها نصوص قانون الطوارئ نفسه في نظر العديد من المراقبين؟

يمكن اعتبار قانون الطوارئ إذن ذا فائدة نفسية وسيكولوجية في المقام الأول، فهو يعطي الإحساس بأن «شيئًا ما» قد تغير، سيمنع ما حدث من أن يتكرر مستقبلًا، وأن السلطة أخيرًا قد امتلكت ما يمكّنها من أداء عملها بكفاءة ومسؤولية، هذا «الشيء ما»، وإن كان لا يحمل أي إضافة على مستوى التدابير الفعلية على أرض الواقع، إلا أنه يتيح للسلطة، ومؤيديها، ومن يعلق آماله عليها، شعورًا ذاتيًّا وحجة خطابية معقولة، توفر قدرًا من الأمان النفسي، بأن كل شيء سيصبح -أخيرًا- على ما يُرام.

5- هل حان الوقت لـ«تصفية الحسابات» مع شيخ الأزهر؟

لم يَعد خافيًا على أحد أن ثمة خلافًا بين الرئيس المصري، وشيخ الأزهر أحمد الطيب، وقد نشر «ساسة بوست» في فبراير (شباط) الماضي تقريرًا مفصلًا عن تفاصيل ذلك الخلاف، والذي يبدو أنه قد صار أكبر من أن يتم احتواؤه في الكواليس، فخرجت بعض تفاصيله إلى العلن.

وفي بنود ذلك الخلاف، أن الطيب -وهو الذي أبدى رفضًا ضمنيًّا لسلوك السيسي بفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في أغسطس (آب) 2013، وتوجه وقتها إلى مسقط رأسه في الصعيد معتزلًا العاصمة- لم يُبد تجاوبًا مقبولًا لدعوة السيسي المبهمة بـ«تجديد الخطاب الديني»، ورفض إصدار فتوى بتكفير «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، كما أن هيئة كبار العلماء التي يرأسها الطيب قد رفضت دعوة السيسي إلى قانون يوثق الطلاق بدلًا من العمل بالطلاق الشفوي، وهو ما اعتُبر «تحديًا» من الأزهر للرئيس، وقد أبدى السيسي أكثر من مرة امتعاضه من تلك التصرفات، وهو ما تجلى في عبارته الشهيرة «تعبتني يا فضيلة الإمام».

https://www.youtube.com/watch?v=gHaXGXEdj8o

 

ولأن منصب شيخ الأزهر محصن دستوريًّا ضد العزل، فقد بدا أن السيسي يواجه معضلة فيما يتعلق بشيخ الأزهر، بما له من قيمة رمزية ودينية كبرى، فلا هو ينصاع لتوجيهاته، ولا السيسي قادر على عزله.

ويبدو أن تفجير الكنيستين ربما أتاح فرصة ذهبية للنظام لتصفية حساباته مع الأزهر وشيخه، فقد انطلقت فورًا حملات إعلامية تتهم الأزهر بجزء من المسؤولية عن تلك الهجمات، وبأن كتب التراث التي يتم تدريسها في ساحاته مليئة بالأفكار التكفيرية.

كما يُمكن اعتبار قرار تشكيل «المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب»، والذي أعلن السيسي أن من ضمن مهامه «تجديد الخطاب الديني ومواجهة الفكر المتطرف»، نوعًا من الالتفاف على الأزهر وتجاوزه في تلك القضية التي لم يؤدها بالشكل الذي يرضي الرئيس، وربما كانت الأيام حُبلى بالمزيد من المفاجآت في العلاقة بين «الشيخ»، و«الرئيس».

عرض التعليقات
تحميل المزيد