تسن القوانين غالبًا لخدمة الشعوب والمواطنين، إلا أنه من الصعب التنبؤ دائمًا بالآثار التي تترتب عليها، وفي بعض الأحيان سُنت قوانين كان الهدف منها مصالح الشعب، لكن ترتب عليها آثار مفجعة، وأتت نتائج القوانين عكسية تمامًا.

أمريكا.. من رحم القانون تولد العصابات الإجرامية

حظرت الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع عام 1920 المشروبات الكحولية، أي نسبة كحول ولو 0.5% ممنوعة قانونًا، ومع أول دقيقة من تطبيق القانون، كان مدمنو الكحول في ورطة، وكان هناك من استعد جيدًا لهذه اللحظة، وخزن كميات كبيرة من الكحول، تمهيدًا لبيعها في الأوكار والحانات المخالفة للقانون.

Embed from Getty Images

آل كابوني رجل العصابات الأكثر شهرة في تلك الفترة

القانون الذي سنته الحكومة الأمريكية واستمر لمدة 13 عامًا، كان السبب الرئيسي لانتشار «Speakeasy» وهي حانات وأوكار للشرب غير المشروع، وقدر المؤرخون أنه بحلول عام 1925 كان هناك ما يصل إلى 100 ألف بار غير قانوني في مدينة نيويورك وحدها، الكثير منها كان صغيرًا جدًا ومتواضعًا، والبعض الآخر كان كبيرًا ويلبي احتياجات طبقة الأثرياء، وظهرت العصابات وسيطًا طبيعيًا لتهريب المشروبات الكحولية، وإدارة الكازينوهات والملاهي الليلية التي عملت بعيدًا عن أعين الحكومة.

آل كابوني كان أكثر رجال العصابات شهرةً في تلك الفترة، فقد سيطر على جزء كبير من عالم التهريب في شيكاغو في منتصف عشرينيات القرن العشرين، وقيل إنه كان يكسب حوالي 100 مليون دولار من التجارة في الكحول المهرب وإدارة الكازينوهات، ولم تتمكن الحكومة الأمريكية من ضبطه في عملياته الإجرامية، لكن في نهاية المطاف، قبض عليه عام 1929 وحُكم عليه بالسجن 11 عامًا بسبب التهرب الضريبي، ومع سقوطه كان الحظر علي الكحول يتراجع، وأدركت الحكومة أن القانون لم يكن صائبًا، وبدأت في إلغائه تدريجيًا عام 1933، حتى عاد الكحول مشروعًا بالكامل في البلاد.

قُتلت العصافير فجاءت المجاعة الكبرى

في عام 1958 أمر الرئيس الصيني ماو تسي تونج، المواطنين بقتل الآفات التي تأكل الحبوب، وكانت أبرز هذه الآفات المقصودة العصافير، وقد قتل الملايين من العصافير أثناء حملة عصافير العشب، حيث كان المواطنون يتهافتون علي قتلهم تنفيذًا لأوامر القائد.

لكن ما فات علي ماو وحكومته أن العصافير تأكل الحبوب بجانب أكلها للحشرات، والآفات الزراعية الأخرى، لذا مع قتل كل هذه العصافير، وبحلول عام 1960، أتت النتيجة الكارثية، فقد انتشر الجراد وتكاثر بحرية، وسرعان ما ظهرت أسراب الجراد في جميع أنحاء الصين، وقضت علي كل النباتات التي مرت عليها، وكانت هذه بداية المجاعة الكبرى في الصين، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الملايين من الصينيين.

هذا القانون ترك الملكة تغرق أمام الحراس

في مملكة سيام -وهي حاليًا مملكة تايلاند-؛ كان هناك قانون قديم يمنع أي شخص من لمس العائلة الملكية، ومن يخترق هذا القانون فالعقوبة الموت، وضُع القانون لحماية الأسرة الملكية، لكنه أيضًا كان سببًا في موت الملكة وجنينها وابنتها.

سوناندا كومارياراتانا وابنتها الأميرة كارنابورن بيجاراتانا. مصدر الصورة:thevintagenews

كانت لدى الملكة سوناندا كومارياراتانا، أول زوجات الملك تشولالونجكورن، ابنة واحدة وتتوقع طفلاً آخر، وفي عام 1880 خرجت الملكة وكانت تبلغ من العمر 19 عامًا في رحلة إلى منزلها الصيفي الملكي، خارج مدينة بانكوك، وكانت ترافقها الأميرة كارنابورن بيجاراتانا والتي لم تكمل العامين بعد، وكان الوصول إلى القصر يتطلب عبور نهر تشاو فرايا، أكبر أنهار تايلاند، وركبت الملكة وابنتها في قارب منفصل يُجر بواسطة قارب أكبر يحمل الحراس والحاشية الملكية.

انقلب القارب الذي يحمل الملكة وابنتها الأميرة الصغيرة بسبب التيارات القوية، وغرقا في الماء؛ أمام أعين الحراس، والذين لم يتدخلوا لإنقاذهم، واكتفوا بالمشاهدة خوفًا من الاعتداء علي قانون لمس الملكة، حزن الملك تشولالونجكورن علي زوجته، وابنته، وطفلهما المنتظر، وأمر بسجن كل الحراس المصاحبين الذين تركوا أسرته تغرق.

قتلت أبناءها واتخذت الرجال عشاقًا.. قصة صعود إمبراطورة الصين «وو تشاو»

كل السود صاروا مدانين بفعل قانون أمريكي

سنت أكثر من 25 ولاية أمريكية قانونًا يحظر على صاحب العمل سؤال الشخص المتقدم لوظيفة عن السجل الجنائي الخاص به، وكان من المفترض أن يساهم القانون المدانين السابقين في العثور علي عمل، لكن للأسف حدث ما هو أسوأ من ذلك.

لجأ أرباب العمل إلى طريقة أسهل من السؤال، وهو التخمين، ونظرًا لأن الرجال السود أكثر عرضة للإدانات الجنائية، فإن أصحاب العمل، تجاهلوا أغلب طلبات التوظيف التي حملت اسم أسود للمتقدم للوظيفة، في حين أن البيض الذين لديهم سجل جنائي بالفعل هم الذين استفادوا من هذا القانون، ورغم أن القانون سُن للحد من البطالة بين الرجال السود، والذين واجهوا معدلات بطالة في السنوات الأخيرة ضعف المعدل الوطني في أمريكا تقريبًا، إلا أن الواقع جعل البطالة بين السود تزداد حتى هؤلاء الذين يحملون سجلًا جنائيًا نظيفًا.

فيتنام.. الفئران تسيطر على المدينة

في عام 1897، وصل الفرنسي بول دومير إلى مدينة هانوي، في فيتنام، ليتولى منصبه الجديد حاكمًا عامًا لمستعمرات فرنسا في جنوب شرق آسيا، بدأ دومير في العمل وقرر بناء بنية تحتية حديثة تليق بالمستعمرات الفرنسية، وشيد نظام صرف صحي بأنابيب واسعة للجزء الفرنسي في المدينة، بينما كان هناك نظام أصغر للأحياء المكتظة بالسكان الفيتناميين.

أخيرًا وجدت الفئران ملاذًا آمنًا للغاية في أنابيب صرف واسعة، تخرج منها علي بيوت الأثرياء، بالطبع في ظروف مثل هذه تكاثرت الآلاف من الفئران، وضاقت عليهم أنابيب الصرف الواسعة، لذا خرجوا إلى السطح عام 1902، وسيطرت الفئران علي المدينة، وظهر الطاعون الدبلي الفتاك، وابتكرت الحكومة الاستعمارية حلًا للأزمة بتجنيد صيادي فئران فيتناميين ينزلون إلى المجاري ويقتلون الفئران وتدفع الرواتب حسب كل فأر قضى عليه.

رغم جهود الصيادين في قتل الكثير من الفئران، إلا أن هذا لم يكن كافيًا، لذا لجأت الحكومة الاستعمارية إلى سن قانون مشاركة المدنيين مع مكافأة مالية علي كل فأر يقتل، والذيل هو الدليل، تجلب ذيل فأر وتأخذ مكافأتك، ورغم أن آلاف الفئران قتلوا لكن الفئران لم تنته، وأدركت الحكومة مؤخرًا أن الناس كانوا يقطعون ذيل الفئران، ويتركونهم للتكاثر، بل إن بعض المواطنين جلبوا فئران من خارج المدينة، وهناك من صنع مزارع للفئران ليبيعوا ذيولها للحكومة، وألغى المسؤولون البرنامج فورًا، أما الطاعون فأمات 263 شخصًا.

استخدمه المغول «سلاحًا بيولوجيًّا».. تعرَّف إلى مرض الطاعون الذي قتل نصف سكان أوروبا 

الحمل في المراهقة.. التثقيف ليس هو الحل

أنفقت الحكومة الأمريكية 2.1 مليار دولار منذ عام 1996؛ لمنع الحمل في سن المراهقة، عبر التثقيف الجنسي للامتناع عن ممارسة الجنس في سن المراهقة، والانتظار حتى الزواج، ورغم أن الحملة التثقيفية كانت ذات نوايا طيبة إلا أن النتائج جاءت مخيبة للآمال.

فقد كشفت دراسة أمريكية حديثة أن تمويل حملة التثقيف الجنسي للامتناع عن ممارسة الجنس لم يكن له أي تأثير على معدل الولادات لدى المراهقين بشكل عام، وأظهر تأثيرًا عكسيًا في الولايات المحافظة؛ وزاد فيها معدل الإنجاب لدى المراهقات، ورغم تلك النتائج إلا أن الحكومة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب لم تتوقف عن تمويل التثقيف الجنسي؛ واكتفت فقط بتخفيضه.

مكافحة التدخين.. المعركة الخاسرة دائمًا

شجعت الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، الدول الأعضاء على جعل شركات السجائر تعتمد علبة سجائر عادية، في محاولة للحد من التدخين، وفقًا لاتفاقية مكافحة التبغ، وكانت فكرة أن المستهلك حين يجد جميع أنواع السجائر والمفضلة لديه ذات غلاف واحدة، سيقلع عن التدخين، لكن كانت هذه نظرية خاطئة تمامًا.

استجابت أستراليا لدعوات الأمم المتحدة، وسنت قوانين التغليف الموحد في أواخر عام 2012، وكانت النتيجة أن المواطنين لعدم استطاعتهم التمييز بين ماركات السجائر، لجأوا إلى طلب أرخص عبوة متاحة، وانتهى الحال أن العديد من المدخنين دفعوا أقل ودخنوا أكثر.

بالإضافة إلى ذلك نمت الأسواق السوداء، ووصلت معاملتها إلي 15 مليار دولار، مما أجبر الحكومة على استثمار أكثر من 70 مليون دولار في السوق السوداء محاولةً لتعويض عوائد الضرائب المفقودة، وردع العصابات الإجرامية التي تقف وراء المشكلة، أقرت أيضًا فرنسا وبريطانيا قوانين مشابهة وكانت النتيجة ارتفاع أعداد المدخنين.

شيرلوك هولمز كان يدخن «كليوباترا»؟ موجز تاريخ السجائر المصرية

المصادر

تحميل المزيد