هل من سيطبق تلك القواعد حرفيًا سيمتلك السلطة؟ لم يكن إذًا ليُغلب أحد، فالكتاب متوافر وما أكثر الساعين للسلطة، أو لتمكن مؤلفه روبرت غرين من أن يصبح ذا شأن سياسي، بكل تلك الطريقة التي يتحدث بها عن عظمة وهيبة وفوائد السلطة؟

إذًا فهل هذا الكلام محض هراء؟ بالتأكيد سيكون من التجني قول مثل ذلك، فما أكثر مادحي الكتاب، وهو كمادة بحثية وتاريخية عظيم الفائدة بالفعل. لكن الحياة لا تمشي هكذا، لا تصدق أي شخص يعطيك روشتة ويقول لك – فقط بها – ستصل لأي ما كان، الأمر يحتاج منك أولًا رغبة وإرادة، ثم استعانة بكل تلك الارشادات في الكتب وغيرها، لكن وفق ظروفك الاجتماعية والتاريخية والجغرافية، حتى تمتلك نظريتك الخاصة التي ستتحدى بها العالم أكمل، وتصل بها لمرادك.

ولنبدأ في الجزء الثاني من قواعد الكتاب.

للاطلاع على الجزء الأول: القواعد الـ48 للسلطة (1-4)

 

13) اعتمد عند طلبك للمساعدة على حاجات الآخرين .. ليس الشفقة والحاجة


لا تطلب من أحد مساعدة بناء على خدمة قدمتها له من قبل، على الأغلب سيتهرب منك، الأفضل أن تقنعه بطريقة أية فائدة ستعود عليه لو فعل لك تلك الخدمة.

“حبل العرفان والتراحم هو حبل ضعيف ينقطع مع أول صدمة، مقارنة بحبل المصالح المفتول”.

تقول القصة أنه كانت هناك في الدولة الإغريقية مدينتان على وشك الحرب (كورسيرا وكورنيث)، وأنهما كانتا متكافئتين في القوة تقريبًا، لذلك سعت كل مدينة بالفوز على الأخرى عن طريق ضمان تحالف أثينا معها، وأرسلت كل مدينة مندوبًا لها ليقنع أثينا.

تكلم سفير كورنيث عن التحالفات القديمة، وكون أثينا يجب أن تقدر ما كان بينهم وتحترمه، أما سفير كورسيرا فقد بدأ حديثه بكون كورسيرا لم تتحالف مع أثينا من قبل، بل تحالفت مع أعدائها، وأنه لم يأتِ سوى لخوفه على أمن مدينته، وأن كل ما يستطيع قوله هو أن بلده تمتلك أقوى قوة بحرية بعد قوة أثينا وأنهم بتحالفهما ستتكون قوة هائلة ترهب أي أعداء محيطين (يقصد إسبرطة)، فكان التصويت من كبار أثينا بالأغلبية لصالح كورسيرا.

 

14) تودد كصديق لتراقب كجاسوس


عليك معرفة أسرار منافسيك وأعدائك، تصرف معهم كمحقق وحاول معرفة نواياهم ونقاط ضعفهم، وفي المقابل تأكد من أنك لن تقع في ذلك الفخ وأنك بإمكانك استغلال رغبة أعدائك في معرفة أسرارك وقلب الآية عليهم.

“الحاكم يرى بجواسيسه، والأبقار ترى بأنوفها، ورجال الدين يرون بالنصوص المقدسة، وبقية الناس ترى بأعينها”.

أثناء الحرب العالمية الثانية وأثناء قصف الطائرات الألمانية لبريطانيا، كانت الملاحظة هي عدم دقة التصويب، وأنهم بينما يوجهون القصف لجسر تاور إذ بالمتفجرات تسقط في قرى غير مأهولة بالسكان، ليكتشف الألمان أن الجواسيس الذين كانوا يعتمدون عليهم في تحديد أهدافهم قد قُبض عليهم من قِبل البريطانيين وتم استبدالهم بموالين يخادعون الألمان.

 

15) اسحق أعداءك دون رحمة


لا تتعاطف مع أعدائك، ولا تعاملهم بقلب لين، إن فعلت ذلك سيعودوا وينتقموا ويفتكوا بك.

حين كان القائد الأسباني بومون ماريا (1800-1868) على فراش الموت سأله أحد رجاله “هل تعفو عن أعدائك الآن يا سيدي؟” فأجابه “ليس علي ذلك .. فقد قتلتهم جميعًا”.

النصر الشامل هو عماد الحرب الحديثة، وهو ما تحدث عنه الفيلسوف كارل فون في تحليله لحروب نابليون، بكون الحل الأفضل هو الإبادة السريعة والمباشرة لقوات العدو، وبعد أي نصر كبير لا تتحدث عن هدنة أو استراحة، فكم ما ستستولي عليه هو ما سيؤهلك حين الجلوس على طاولة المفاوضات للحصول على أكبر مكاسب.

وأكبر دليل يستشهد به المؤلف على صحة هذه القاعدة، هو خطأ ما فعلته القوى العظمى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا بتوقيع معاهدة فرساي، التي اعتبرها الألمان أكبر إهانة لدولتهم فكانت النتيجة ما فعلوه خلال الحرب العالمية الثانية.

 

16) أتقن فن الغياب ليزيد وقارك ومكانتك


السلعة التي يزيد وجودها يقل سعرها، عليك تعلم متى تغيب حتى ترتفع قيمتك بندرة حضورك.

“الغياب يطفئ المشاعر الصغيرة ويؤجج المشاعر الكبيرة، تمامًا كما تطفئ الريح الشمعة وتؤجج النار”، وحينما سؤل الحكيم عن سبب غيابه قال: لأن سؤالك لي عن سبب عدم قدومي أحب إلي من أن تسألني لماذا أتيت مرة أخرى.

ويمكن فهم تلك القاعدة من خلال أمور الحب والعلاقات العاطفية، ففي بداية العلاقة وحيث لا توجد معرفة كبيرة، يكون عمل الخيال، فيجعل للحبيب سحر يميزه عن كل الرجال، لكن مع الاقتراب يزول الخيال ويظهر الواقع، فكانت أشهر محظيات البلاط الفرنسي نينو دي لنكلو تنصح المحبين بالابتعاد فترة، وكانت تقول “الحب لا يموت من الجوع لكن من التخمة”.

 

17) أرهب الآخرين بالمفاجآت وكسر التوقعات


مفاجأتك لو لم تفدك بتغطية أهدافك ونواياك، فهي ستعطي عنك انطباعًا بالسيطرة، وتبث في الناس الخوف والرهبة منك.

“الرياح لا يمكن توقعها وتحدث تغيرات مفاجأة في الضغط والاتجاه والسرعة، ولا توجد دفاعات توقفها، لذلك تثير فينا الفزع”.

عام 1947 في المبارة الشهيرة بين محمد علي كلاي وجورج فورمان، كان الجميع يتوقع ما سيحدث وما سينتهي بفوز فورمان، حيث سيعتمد كلاي على أسلوبه الذي لم يغيره طيلة 10 سنوات، بالقفز والمناورة والتراقص حول الحلبة حتى ينهك فورمان، بينما فورمان قوي ومعتاد على الفوز بالضربة القاضية، ومهما فعل كلاي فسيأتي تحت يد فورمان في النهاية، وسينتهي منه كلاي بضربة قاضية.

إلا أن كلاي غير خطته تمامًا، واعتمد على أسلوب الضرب المباشر والضربة القاضية، وهو ما أذهل المشاهدين حول العالم، وانتهت المبارة بفوز كلاي على فورمان.

 

18) لا تصنع حصنًا يفصلك عن الآخرين: فالعزلة خطر يهددك ولا يحميك


العالم مكان خطر مليء بالأعداء حقًا، لكن تحصنك واعتزالك البشر سيضاعف مخاطرك وسيبرزك كفريسة، فالجموع هي الدرع الذي عليك أن تحتمي به.

“الحصن يقف في أعلى التل رمزًا لكل ما يبغضه الناس في السلطة، ويجعل رعاياك في الأسفل يبيعونك لأول عدو، فالحصون تقطع التواصل والمعلومات”.

وهو ما أكده مكيافيللي في كتابه الأمير خلال حديثة عن كون الحصون والتحصن بها من أكبر الأخطاء الاستراتيجية، فهي تقيد قدراتك وتجعلك هدفًا سهلًا، وتحد من مرونتك، وبمجرد بنائك لحصن يعرف الجميع موقعك، وتتحول لسجن لك حال حاصرك عدوك.

 

19) اعرف الشخص الذي تتعامل معه جيدًا ولا تهن الشخص الخطأ


لا تظن أن الجميع سيردون على “شرك” بنفس الطريقة المسالمة، وأن الجميع أقل منك ذكاءً، هناك من إذا خدعتهم سيقضون حياتهم ساعين للانتقام منك، فتأكد قبل أن تضع يدك في جحر الثعابين.

“كن واثقًا أنه لا يوجد من هو أقل قيمة وأهمية من أن تحتاج له يومًا ما، والذي لن يعطيك ما تريد منه إن كنت قد ارتكبت خطأ في حقه يومًا، فالناس قد تنسى الكثير لكن كبرياءهم لن يجعلهم ينسون من عاملهم باحتقار”

في الصين وخلال القرن الخامس قبل الميلاد، حُكم على الأمير شونج إره بالنفي والعيش حياة الفقراء في إحدى المدن البعيدة لفترة، وخلال مرور شونج في إحدى الامارات عامله أميرها بفظاظة وسخرية وإهانة رغم نصيحة مساعدة بأن من تحدثه قد يعود أميرًا بعد سنين، وبالفعل هذا ما حدث، عاد شونج إلى وطنه بعد سنوات محنته، لكنه لم ينسَ ابدًا حاكم المدينة التي مر عليها، فذهب له بجيش كبير، واستولى على مدينته، ونفاه بعيدًا.

 

20) لا تلزم نفسك بالولاء لأحد


الأغبياء فقط هم من يسارعون بالانحياز لأحد الأطراف، اجعل ولاءك لنفسك ولا تلزمها بمناصرة أحد، فحفاظك على استقلالك يجعلك تتصيد الآخرين، وتأليبك للصراع بينهم يجعلهم جميعًا يطلبون دعمك.

“حين تتقاتل الوحوش يفوز الصياد بالغنيمة”

أو بتعبير الملكة إليزابيث (1533 – 1603): “أفضل أن أكون متسولة عزباء من أن أكون ملكة متزوجة”، فما هي قصة الملكة؟ كانت إليزابيث تعرف أن الزواج يقضي على حكم المرأة، فأي زوج من أي بلد سيفرض عليها تحالفات وحروب، كما أنه سيصير الحاكم الفعلي، لذلك عاشت حياتها كلها تعطي الوعود والآمال للخطاب حتى يفعلوا لها ما تتمنى، وحين تحصل علي ما تريد منهم تتركهم، وخلال تلك اللعبة استطاعت أن تسيطر على البلاد وعلى كل رجل حاول إخضاعها.

 

21) استدرج فرائسك بالتظاهر بأنك اقل منهم دهاء


لا أحد يحب أن يظهر غبيًا أو أقل ذكاءً، أشعِر من تستدرجه أنه أكثر ذكاءً منك، واذا ما اقتنع بذلك فلن يشك أو يتوقع ما تدبره له.

عام 1865 ذهب المستشار البروسي أوتو فون للنمسا، لكي يوقع معاهدة كان ظاهرًا فيها أنها تصب في مصلحة بروسيا، وكان المفاوض النمساوي مقامرًا شرسًا ويقول عن نفسه أنه يستطيع أن يعرف شخصية أي فرد من خلال طريقة لعبه، في الليلة السابقة لمناقشة وتوقيع الاتفاقية طلب أوتو فون اللعب مع المفاوض النمساوي، خسر أوتو فون الكثير من الأموال وأظهر خلال لعبه كمًا من الغباء والاستهتار لم يظهره من قبل.

لذلك حين جاء وقت التوقيع ظن المفاوض النمساوي أن الأفضلية له، فكيف سيكون لرجل بهذه البلاهة أن يدبر ويخادع، لذلك وقّع دون تدقيق، وخرج أوتو فون منتصرًا ومتعجبًا من كيف لأي شخص في الدنيا أن يوقع اتفاقية كتلك.

 

22) تعلّم متى تستسلم ثم حوّل خسارتك إلى فوز


حين تكون الأضعف لا تقاوم أو تقاتل دفاعًا عن كرامتك، لا تجعل عدوك يستمتع بسحقك، اجعل الإذعان أحد طرقك للحصول على السلطة، اجعله وقتًا مقتطعًا كي تتعافى فيه.

“الضعيف هو من لا يتنازل ابدًا حين يكون من مصلحته التنازل”، أو كما يقول المثل الإثيوبي “حين يمر السيد العظيم ينحني الفلاح الحكيم انحناءة عميقة وفي سخرية وصمت يطلق ريحًا من مؤخرته”.

في الصين القديمة تلقى الملك جوجيان هزيمة قاسية فقرر أن يهرب، لكن ناصحه أخبره بالإذعان وعدم الهروب، وبالفعل عمل جوجيان كخادم للملك الجديد طوال 3 سنوات حتى أمن له أولاه إحدى المدن، خلال تلك السنوات الثلاث عرف جوجيان الكثير وخطط للانتقام، ليتمكن بعد ذلك وخلال وقت ضعف المملكة من أن يعود ويهزم من هزمه يومًا ما.

 

23) ركّز قواك وجهودك


صيد واحد ثمين أفضل كثيرًا من جني الفتات، لا تشتت نفسك ومجهودك فيضيع كل ما تصنع.

“لا يمكن لسهم أن يصيب هدفين معًا، إن شُوش تفكيرك لن تصيب قلب العدو، على عقلك أن يصبح والسهم شيئًا واحدًا”.

في عصر النهضة عانى الكثير من الكتاب من تملق هذا الأمير وهذا الملك، وفي ذلك تفوق بيترو آرتينو بعدما استطاع التقرب من الإمبراطور تشارل الخامس وجعل قلمه له فقط، وهو ما فعله مايكل أنجلو مع البابا يوليوس الثاني، وجاليليو مع أسرة المديتشي.

 

24) كن شخصًا مميزًا في مجتمعات الصفوة


هم رجال الحاشية، هم المجتمع المحيط برجال الحكم، هم المسؤولون عن أغلب القرارات التي تصدر في البلاد.

“الرجل الذي يتقن حياة القصور يكون قادرًا على التحكم في كلامه وتعبيرات وجهه ونظرات عينيه، يبدو عميقًا وغامضًا، ينافق الأشرار من ذوي النفوذ ويبتسم في وجه عدوه، ويكتم غضبه، ويكتم مشاعره، ويتصرف علي غير ما يحب”

ويحكي عن ذلك في الفرق بين مدرسة أرسطو ومدرسة الفيلسوف كالينسيس أثناء فترة الإسكندرالأكبر، فأرسطو كان مؤمنًا بالمهارات اللازمة للتعامل مع الصفوة، بينما كالينسيس كان يرى في التلقائية والعبارات الصريحة غير المزخرفة، وكانت النتيجة هي قتل الإسكندر له في إحدى نقاشاته معه.


القواعد الـ48 للسلطة (3-4)
القواعد الـ48 للسلطة (4-4)

علامات

سلطة, كتب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد