يعد «ميدان لاظوغلي» في وسط العاصمة المصرية القاهرة واحدًا من أشهر ميادين «القاهرة الخديوية» على الإطلاق، وعلى الرغمِ من أن شهرته قد استمدها في السنوات الأخيرة لاحتوائه على عددٍ من المباني والقصور التي أصبحت فيما بعد تضم أهم مؤسسات الدولة، ومنها المبنى السابق لجهاز الأمن الوطني «أمن الدولة سابقًا»، والذي نال شهرته من بث الرعب في قلوب المصريين لسنواتٍ طويلة حتى أنهم أطلقوا عليه «سلخانة لاظوغلي»، إلا أن صيت الميدان الذائع يعود إلى قرونٍ خلت، عندما قرر الخديوي إسماعيل صنع تماثيل تُخلد ذكر بعض رجال الدولة الأوفياء، وكان من بينهم «محمد لاظوغلي باشا».

عهد الخديوي إلى المثَّال الفرنسي الشهير جاك مار عام 1872 بمهمة صنع تمثال لهذا الرجل الذي شغل أهم وأرفع المناصب في عهد محمد علي باشا، ومن هنا تأتي قصة التمثال الذي زيّن هذا الميدان لأكثر من 100 عام. إذ بحلول هذا العام كان لاظوغلي قد وافته المنية منذ سنوات، وقضى المثّال الفرنسي فترة طويلة يبحث فيها عن صورة مرسومة لهذا الرجل حتى يتخيل ملامحه ويجسدها في منحوته، إلا أنه لم يعثر له على أثر.

ويقال إن السبب يعود إلى أن «لاظوغلي باشا كان رجلًا لا يحب تمجيد اسمه أو ذكر أعماله وإنجازاته». وهو الأمر الذي أوقع المثّال في مأزق كبير، وعندما استبدت به الحيرة لجأ إلى أحد الأصدقاء الذي عاصروا لاظوغلي، وطلب منه أن يدله على رجلٍ يشبهه تمامًا، وبدأت رحلة بحث طويلة، حتى عثر ذات يوم على سقاء، يحمل قربة بها ماء، ويقال إن به من ملامح لاظوغلي الكثير، وحينها صنعوا للسقاء ملابس فخمة كتلك التي ارتداها لاظوغلي باشا في حياته، ووقف الرجل الفقير أمام المثّال وقفة الأمراء لأول وآخر مرة في حياته، وصنع المثّال هذا التمثال مُتخذًا من السقا بديلًا عن لاظوغلي باشا.

فما قصة هذا الباشا الذي أثار الرعب في قلوب المصريين، وقلما نجد خبرًا عنه في كتبِ التاريخ؟

لاظوغلي أم محمد علي.. من صاحب «مذبحة» القلعة؟

يصف عبد الرحمن الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» مذبحة القلعة أو المماليك قائلًا: إن محمد علي باشا اختار يوم الجمعة 6 صفر 1226هـ يومًا مناسبًا لإلباس ابنه طوسون باشا خلعة السفر، بعد أن قلده صاري العسكر ليقود حملة الحجاز، وهنا قرر الباشا أن يحتفل بخلعة ابنه في موكبٍ ضخم يضم المماليك، الذين وصفهم الجبرتي بالأمراء «المصرية» وأتباعهم، وعهد إلى ألاي الجاويش أن يطوف بالأسواق على صورة الهيئة المصرية القديمة في المناداة على المواكب العظيمة، راكبًا حمارًا عاليًا وفوق رأسه طبق، وأمامه مقدم بعكاز، يوزعون أوراق التنبيه على العسكر والأمراء المصرية ويطلبون منهم الحضور في باكر النهار إلى القلعة.

مذبحة القلعة

وبالفعل تزين الجميع وتجملوا، ولما أصبح النهارِ توجهوا في مواكبهم نحو القلعة، وقابلهم الباشا محمد علي، وجلسوا وتسامروا واحتسوا القهوة معًا، ومن ثم أمر بغلق «باب العزب»، وهو باب ضخم غائر في الجبل، وباب القلعة من الناحية الغربية، ولم تمر إلا دقيقة ودوى طلق الرصاص من نوافذ الثكنات الذي تمركز فيه عسكر الباشا الأرناؤود، وانهال الرصاص دفعة واحد على المماليك الذين جاءوا للاحتفال دون بنادق ورصاص. فلم يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم، ولا الرجوع القهقرى، ولا النزول عن جيادهم؛ نظرًا لضيق المكان الذي حصروا فيه. وكان ما إن يقع واحد من المماليك ساقطًا على الأرض حتى يسارع العسكر في قطع رأسه، ويذهبون بها إلى الباشا ليأخذوا عليها «البقشيش».

أما أسفل المدينة، فعندما أغلقت أبواب القلعة، ظن الناس ظنونًا ودب الخوف في أعماقهم، فهرب الجنود والمتفرجون الملتفون حول أبواب القلعة، وأغلق العامة حوانيتهم، وعندما تحقق العسكر مما حدث للأمراء، يقول الجبرتي: «انبثوا كالجراد المنتشر إلى بيوت الأمراء المصريين ومن جاورهم، طالبين النهب والغنيمة، وهتكوا الحرائر والحريم»

قُتل في هذه الحادثة أكثر من ألف إنسان، أمراء وأجناد وكشاف ومماليك، ثم صاروا يحملون رممهم على الأخشاب، ثم يرفعونها ويلقونها في حفرٍ من الأرض فوق بعضهم البعض، وسلخوا عدة رؤوس من رؤوس العظماء، وألقوا جماجمهم المسلوخة على الرمم في تلك الحفر. *الجبرتي

وعلى الرغم من تفاصيل مذبحة القلعة إلا أن الكتب التي نقلت التاريخ عن الجبرتي، تاريخ عصر محمد علي باشا، قد أهملوا جزءًا منه، وهو الجزء الخاص بمن دبر وخطط لتلك المذبحة؛ إذ صوروا المذبحة بأكملها من تخطيط الباشا، ومن ثم استماتوا في الدفاع عنه.

وعن ذلك يقول الجبرتي إن محمد علي باشا قد خطط غدر «الأمراء المصرية» مع الكتخدا بك، والكتخدا كان منصب وكيل الباشا أو نائبه، الذي اعتلاه في ذلك الوقت محمد بك لاظوغلي، وهو ما يرويه عبد الرحمن الرافعي، في كتابه «عصر محمد علي» تفصيليًا، فيقول عن دور الكتخدا بك في المذبحة: «بلغ ارتفاع الجثث في بعض الأمكنة إلى أمتار، واستمر القتل إلى أن أفنى كل من دخل القلعة من المماليك، أما من لم يدركه الرصاص أو تخلى عن الموكب، ساقه الأرناؤود حيًا إلى الكتخدا بك، وأجهزوا عليه ضربًا بالسيوف»، مضيفًا أن محمد علي باشا قد أحكم تدبير تلك المؤامرة مع أربعة من خاصة رجاله وحفظة سره هم: الكتخدا بك محمد لاظوغلي، وحسن باشا قائد الجنود الأرناؤود، وصالح قوش أحد ضباط الجند، وإبراهيم أغا حارس الباب.

وتولى الكتخدا بك أمر المماليك الذين تخلفوا عن موعد القلعة؛ إذ كان الباشا يعلم شدة كراهيته لجنس المماليك، ففوض لهم الأمر فيهم، وأمر الكتخدا باعتقال كل من يلقونه من المماليك وقطع رؤوسهم، وكان المماليك يمثلون بين يدي الكتخدا، فيسألهم عن أنفسهم ونسبهم، فإن أجابوه، كذبهم، وأمر بحبسهم حتى يتبين أمرهم، فإما ينجون من الموت وتدركهم الألطاف وهذا نادر، أو يقتلون.

عبد الرحمن الجبرتي.. شيخ أرّق محمد علي حيًا وميتًا

ميدان لاظوغلي».. مثلث الرعب

كان اسم الكتخدا بك الحقيقي «محمد لاظ»، أما «أوغلي»، فهي كلمة تركية تعني ابن، أي أن اسمه «محمد بن لاظ»، وهو صاحب فكرة مذبحة القلعة كما تمت الإشارة من قبل، وفي عهد الخديوي إسماعيل أراد أن يجعل من القاهرة ومبانيها قطعة من أوروبا، وشرع في بناء القصور وتنظيم الميادين، وكان «ميدان لاظوغلي»  قد أطلق عليه في ذلك الوقت ميدان الدواوين، كما ذكر علي باشا مبارك في كتابه «الخطط التوفيقية».

إذ كان مُلتقى الدواوين (الوزارات) والمصالح الحكومية، وحوله التفت سراي الداخلية والحقانية (العدل) والمالية، وحينها قرر الخديوي أن يصنع تماثيل لكبار رجال محمد علي باشا، يزين بها ميادين القاهرة، وكان من بينهم محمد لاظ أوغلي، ومن ثم صُنع التمثال الكائن الآن في واحد من أهم ميادين القاهرة عام 1872، وسمي الميدان باسمه في ذلك الحين.

بلدنا فيها الكرم، حتى لـلاظوغلي *نجيب سرور

في كتاب مؤمن المحمدي «مصر من تالت، حواديت من المحروسة»، يشرح المحمدي وجهة نظر نجيب سرور في قصيدته، قائلًا: إن سرور كان يشعر بالضيق من أن شوارع وميادين القاهرة تحتوي على تماثيل لأشخاصٍ لم يساهموا في تاريخها الوطني، ويستشهد بـ«ميدان لاظوغلي»، وكأن القاهرة تكرم من أساءوا إليها، تُكرم الطغاة وقساة القلوب. يشير المحمدي في كتابه إلى أن جيله بأكمله يكره كلمة «لاظوغلي»؛ لأن معناها كان يرتبط دائمًا فيما بينهم بمبنى «أمن الدولة»، قائلًا بلغته العامية: «ده المكان اللي كانوا بيودونا فيه لما يقبضوا علينا بسبب شغل السياسة»، مُضيفًا تعرضهم للتعذيبِ هناك تحت مرأى ومسمع تمثال لاظوغلي باشا، حتى أصبح مجرد ذكر اسمه «كلمة سيئة السمعة»، ترتبطُ بالتعذيب بحسبه، فأطلقوا على هذا المربع من أرض القاهرة اسم «سلخانة لاظوغلي».

Embed from Getty Images

الشرطة المصرية

في الحقيقة، كان ميدان لاظوغلي، منذ إنشائه وخاصةً في السنوات الأخيرة يرتبط بمثلثٍ من الرعب، حيث يقع هناك مبنى «وزارة الداخلية»، ومبنى «أمن الدولة»، ومبنى «وزارة العدل»، وبينهم تفرقت المظالم.

ففي عهد الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، أشار تقرير حقوق الإنسان، إلى أن التعذيب في ذلك العصر كان ممنهجًا، وأن مباحث أمن الدولة قد عمدت إلى إخفاء الأفراد قسريًا في مراكزها لفتراتٍ طويلة، وتعصيب عيون المشتبه بهم حتى يصعب على الضحايا التعرف إلى من يعذبونهم، وبالتالي يصعب محاكمة الجناة من الضباط المسؤولين عن التعذيب، وكان مبنى «لاظوغلي» لأمن الدولة شاهدًا على الكثير من تلك الحوادث، وهو الأمر الذي لم يتغير حتى ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

يقول جون ر.برادلي في كتابه «أرض الفراعنة على شفا الثورة»: إن أثناء زيارته ميدان لاظوغلي في منتصف عام 2007، سيطر على مخيلته مشهد فيديو كان قد شاهده لمقرات التعذيب داخل أمن الدولة، يظهر فيه رجل شرطة ضخم البنية في بذلته البيضاء وهو يضرب مجموعة من المدنيين المعتقلين، يصفهم قائلًا: «وقف الضحيتان الأولان يواجهان الجدار يرتعدان محاولان حماية رأسيهما بأيديهما، ويتضرعان من أجل الرحمة»، مضيفًا أن الشرطي أخذ في جذبهما من رقبتهما، قارعًا جبتهما بالجدار، وفي الخلف هناك سجناء أكثر ينتظرون دورهم في التعذيب والضرب داخل صف طويل، وفي النهاية يلتفت إلى الكاميرا بابتسامة عريضة على وجهه، قائلًا: «هذه هي طريقة تعاملنا مع أعداء الدولة».

خلال السنوات الثماني الماضية، دشن نشطاء التواصل الإجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» وسم #مقبرة_لاظوغلي، وقاموا برواية ما حدث لهم داخل مبنى «أمن الدولة»، ذلك المبنى الذي يطل على تمثال الباشا محمد لاظ، واصفين إياه بأنه واحد من أسوأ مقرات التعذيب والاحتجاز، إذ يقول عنه الناشط عمرو القزاز: «جحيم أمن الدولة لتعذيب المختفين قسريًا، الداخل فيه مفقود، والخارج إما توفاه الله أو غير قادر على النطق من هول ما رأى».

ميدان لاظوغلي

وفيه تروي نور خليل شقيقة الشاب إسلام خليل المتهم في قضية مقاطعة الانتخابات الرئاسية، بنشر أخبار كاذبة من شأنها التأثير على الأمن القومي للبلاد؛ عن احتجاز أخيها داخل ما أسمته «مقبرة لاظوغلي»، مُشيرة إلى أنه قد روى لها خلال الزيارة عن شابة تدعى إسراء الطويل قد مكثت في تلك المقبرة قبل مجيئه، يقول عنها: «كانت شابة صغيرة غير قادرة على الحراك، ولم تتوقف طوال الأيام التي قضتها هناك عن البكاء، وعندما تستمع إلى صوت أقدام الحراس القادمين، كانت تتوقف عن البكاء من أجل المناداة عليهم، وكل ما تطلبه كان الاتصال بأحدٍ من ذويها لتطمئنهم عليها».

أما الشاب إسلام خليل والذي اختفى قسريًا في مايو (أيار) 2016، وظهر في النيابة بعد أكثر من 121 يومًا من الوجود في «مقبرة لاظوغلى»، فيروي تفاصيل التعذيب قائلًا: إنه قد تعرض للصعق بالكهرباء كثيرًا، وكان يتم تعليقه من يديه الموثوقتين وقدميه، كما أجبروه على الوقوف لأربعةِ أيام متصلة دون طعامٍ أو شراب حتى تعرض للإغماء، ويضيف: «منعوني من دخول الحمام، وهددوني بالاعتداء الجنسي وإيذاء أسرتي».

هذه هي الذكريات المحفورة داخل وجدان أجيال كاملة عن «ميدان لاظوغلي»، وهذا التمثال قاسي الملامح بنظرته الحادة وصرامته، والذي كان شاهدًا رغم جموده على آلاف الحوادث من القتل والتعذيب لثلاثة قرون، حتى أصبح اسم «لاظوغلي» وحده كفيلًا ببث الرعب في نفوس أي شخص.

مسالخ التعذيب.. إليك أكثر 5 أجهزة مخابرات رعبًا في التاريخ الحديث

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد