انظر إلى ساعتك، إلى العقارب والأرقام التي تسحب الزمن معها في دوائر هي كُل معنى حياتك. الرقم الذي تراه ليس «حقيقيًا» تمامًا.

البشر مغرمون بحساب مرور الوقت منذ إدراكهم لحقيقة تعاقُب الأيام، والأشهر، والسنين. لم يكُن «الصباح» و«المساء» كافيين لإرضاء شَغَف المراقبة والحساب، منذ المحاولات الأولى التي سجَّلها تاريخ قدماء المصريين، وجميع الحضارات من بعدهم، حتى عقارب ساعتك وأرقام الوقت على هاتفك.

اليوم: 24 ساعة، 1440 دقيقة، و86400 ثانية؛ أو على الأقل هذا ما نحب أن نستيقظ كل يومٍ لنعيشه.

نحن نعلم أن قيمة المال تتغيَّر، وكذلك التكنولوجيا، وألفاظ اللغة، لكن يجب أن يتغيَّر أيضًا إدراكنا للزمن، هكذا يقول «ديمتريوس ماتساكيس»، كبير علماء «مرصد البحرية الأمريكية» (U.S. Naval Observatory).

دور «مرصد البحرية الأمريكية» في حياتك اليومية أكبر مما تعتقد؛ فبها مجموعة من الساعات الذرية (أدق أنواع أجهزة حساب الزمن في تاريخ البشر)، هي ما يستخدمه الجيش والحكومة الأمريكية في تحديد التوقيت الرسمي، ومعها أيضًا هاتفك الذكي، وخدمات GPS (نظام تحديد المواقع العالمي)، تأخذ كلها حساب الساعات والدقائق من المرصد.

كيف يتفق البشر على الوقت؟

كنا في وقت مضى ننظر إلى الشمس والقمر لنحسب مرور الوقت، لكننا الآن نعتمد على حساب دقيق لذبذبات ذرات السيزيوم لنصل إلى معنى كلمة «ثانية»: 9,192,631,770 ذبذبة.

أفضل ما وصل إليه عِلم البشر في حساب الوقت هو «الساعة الذرية»؛ فهي دقيقة لدرجة أنَّها تؤخر ثانية واحدة فقط كل 138 مليون سنة.


ومع حاجة البشر إلى نظام عالمي لحساب الوقت في كوكبٍ يُصبح متصلاً بشكل متسارع بسبب الاتصالات، وحركة الطائرات والقطارات، ووسائل الإعلام؛ ظهر في البداية نظام «غرينتش»، الذي أصبح في عام 1967 «التوقيت العالمي المُنسَّق» (UTC).

تتباطأ سرعة دوران الأرض حول نفسها بمرور الزمن؛ في الظروف المثالية، يتكوَّن اليوم من 86400 ثانية بالضبط، لكن هذا لا يحدث في الحقيقة.

اليوم الآن أطول بـ 1,7 ملّي ثانية (1,7 من ألف جزء من الثانية) مما كان عليه منذ 100 عامٍ مضت نتيجة تباطؤ سرعة دوران الأرض بدرجات متفاوتة؛ لكننا لا نشعر بهذا الفرق بفضل «الثواني الكبيسة».

هل شاهدت هذا الرقم من قبل؟


غالبًا لم تفعل؛ فهذا هو ما تبدو عليه إضافة «الثانية الكبيسة» في أيامٍ غير منتظمة يُحددها العلماء في «الخدمة الدولية المعنية بدوران الأرض والأنظمة المرجعية».

منذ عام 1972، أدخل العلماء في نظام «التوقيت العالمي المُوحَّد» ما يُعرف بـ«الثانية الكبيسة» التي تُضاف بعد الثانية رقم 23:59:59 في اليوم الـ30 من شهر يونيو أو شهر ديسمبر لتحقيق التزامن بين التوقيت الذي تعكسه الساعات، والتوقيت الذي يعكسه دوران الأرض.

في 30 يونيو 2012، لم تكُن الثانية الأخيرة في اليوم هي 23:59:59 كما هو معتاد، بل 23:59:60، كما سترى هنا في إحدى الساعات الذرية:


أُدخل هذا النظام، كما ذكرنا، في عام 1972، واستخدم حتى الآن 25 مرة، أُضيفت فيها «ثانية كبيسة» إلى عدد ثوانِي اليوم، كان آخرها في عام 2012، ومن المُقرر أن يتكرَّر الأمر للمرة رقم 26 في 30 يونيو من عام 2015.

يبدو الأمر مُربكًا؛ وهو كذلك بالفعل.

ينقسم العالم إلى فريقين بشأن الثواني الكبيسة: الأول (بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية) يرفضه ويراه نظامًا غير واقعي ومستحيل التطبيق بشكل سليم على فترات طويلة من الزمن، والثاني يراه أفضل نظام يمكن الاعتماد عليه لتأمين التزامن بين توقيت الساعات الذرية وبين توقيت دوران الأرض (تقوده بريطانيا والصين وكندا).

لا يقتصر الإرباك عليك أو على هاتفك؛ فالعديد من أنظمة الملاحة، وتحديد الوقت على الإنترنت، وأنظمة GPS، وشركات الكمبيوتر، وأنظمة شركات الطيران، وغيرها من التكنولوجيا التي يعتمد عليها البشر في حياتهم اليومية تمُر بأزمة عند إضافة «ثانية كبيسة» إلى التوقيت العالمي.

إدراك البشر للوقت، والمعاني المستقرة لديهم للألفاظ المُعبرة عنه ستتغيَّر أيضًا، وهذا ما يخشى منه مَنْ ينظرون إلى الأمر على المدى الطويل.

قبل حلول عام 2100، سيصل مجموع الفرق بين «التوقيت العالمي المُنسَّق» وبين التوقيت «الحقيقي» إلى دقيقة كاملة؛ وبعد 600 عام، سيكون على البشر أن يفهموا أن معنى كلمة «ظهيرة» – على سبيل المثال – قبل القرن الحادي والعشرين هو ما يُعادل الواحدة ظهرًا لديهم، وليس الثانية عشرة ظهرًا.

ما سيقرّره العلماء في شهر نوفمبر 2015 حين يجتمعون لتحديد مصير «الثواني الكبيسة» هو معنى كلمة «يوم» كما سيفهمها البشر طوال مستقبلهم على الأرض: مجموع الوقت الذي تستغرقه ذرات السيزيوم 133 لإتمام 86400 ثانية، أم أننا سنستمر في تعديل معناها بحسب سرعة دوران الأرض كما نفعل الآن؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد