في العام 2009؛ عُرض على شاشات السينما الفيلم الوثائقي «This Is It»؛ والذي كان يوثق مسيرة مطرب «البوب» الأمريكي مايكل جاكسون، وأظهره في صورة الفنان المتواضع المُحب لفريق عمله، والذي يسعى دائمًا لاكتشاف المواهب الجديدة، والتقرب من جماهيره. هذا الفيلم منح مايكل جاكسون فرصة لأن يسترد الثقة التي شابها الشك بعد اتهامات التحرش الجنسي التي تعرض لها قبل وفاته بعدة أعوام والتي حصل على البراءة في نهايتها.

صحيح أن هذا الفيلم تتبع حياة الفنان العملية، وعلى المسارح والاستوديوهات الموسيقية، لكنه ترك خلفه جزءًا هامًا من حياته وهو «NeverLand»؛ وهو الاسم الذي منحه لمنزله الضخم الذي عاش فيه، والذي يقدر سعره بما يزيد عن 100 مليون دولار أمريكي في وقتنا الحالي؛ هذا المنزل الذي كان يعيش فيه مايكل وحيدًا دون أسرة أو رفيقة أو زوجة، وعادة ما كان يستقبل فيه أسر الأطفال الذين يوجه خطواتهم في الغناء والرقص.

تلك النقطة التي غفلها فيلم «This Is It»؛ اختارها المخرج دان ريد لتكون موضوع فيلمه الوثائقي الذي انتجه هذا العالم 2019 بعنوان «Leaving Neverland» أو الخروج من منزل مايكل جاكسون والذي أنتجته شبكة قنوات «HBO»، وقد تضمن هذا الفيلم قصة ويد ربونسون مصمم الرقصات، وجيمس سافشوك الذي رقص جنبًا إلى جنب مع مايكل جاكسون لسنوات طويلة على خشبة أكثر من مسرح عالمي.

تلك القصة التي تُظهر وجهًا جديد ربما لا يريد محبوه تصديقه، وربما لا يكون صحيحًا؛ فلا يوجد دليل على حكاية الرجلين سوى شهادتهما وأسرتهما، وذكرياتهم مع رجل ميت لا يجد فرصة الرد على قصصهم، والجدير بالذكر أن ويد وجيمس هما نفس الطفلين اللذين استعان بهما مايكل في الدفاع عن نفسه؛ حينما أكدا وقتها أن مايكل جاكسون لم يتعرض لهما بأي إيذاء جسدي؛ الأمر الذي وضع الفيلم تحت مطرقة النقد والجدل، ورفض الكثير من محبي مايكل جاكسون تصديق شهادتهما بناءً على تغيير أقوالهما وأنهما لم يعودا محلًا للثقة بعد أعوام من الكذب، ولكن أيضًا هذا لم يمنع ردود الأفعال الصارمة تجاه موسيقى مايكل جاكسون ومنع إذاعتها في نيوزيلاندا وكندا.

مايكل جاكسون.. حكاية الأسود الثائر الذي ظلّ «عالقًا في طفولته»

 

«الحلوى والإباحية.. هذا ما كان يملكه جاكسون للأطفال»

المُلصق مُعلق فوق فراشه، وشرائط الكاسيت متراصة فوق منضدة غرفة الجلوس بجوار التلفاز الذي لا تغيب صورة مايكل جاكسون عنه؛ هكذا عاش ويد روبنسون طفولته في مدينة الأحلام التي كان أميرها مايكل جاكسون – كما وصفها بنفسه- ، ولم يتخيل للحظة أن هذا الرجل الراقص في التلفاز والذي يهفو العالم لتلويحه من يده؛ قد يلتفت لهذا الطفل المغمور من العائلة البسيطة التي تعيش في أستراليا، ولكن حب ويد للرقص وإتقانه له؛ كانا الباب الذي وقف مايكل جاكسون وراءه، في انتظار أن يفتحه؛ ليأخذ ويد إلى مدينة الأحلام الحقيقية «NeverLand»؛ حيث عاش مايكل جاكسون؛ هذا المكان الذي وصفته عائلة ويد في الفيلم التسجيلي: «وكأننا متنا واستيقظنا في الجنة».

على عكس ويد؛ لم يكن جيمس سافشوك مجنونًا بمايكل جاكسون على وجه الأخص؛ بل كان عاشقًا للرقص بشكل عام، ومحبًا لمايكل ومدركًا لأهميته وشعبيته، ولذلك حينما اختارته وكالة الإعلانات لتجسيد إعلان أحد المشروبات الغازية شعر جيمس بالفخر – كما صرح في الفيلم التسجيلي- ونظر لنفسه نظرة تميز، والتي عززها مايكل فيما بعد؛ حينما بدأ بالتردد على منزل أسرته المتواضعة؛ مخبرًا إياهم -كما صرحت الأم- أنه شخص وحيد، ولم يكن لديه الكثير من الأصدقاء، ولذلك كان يأتي لمنزل أسرة جيمس؛ يأكل معه المخبوزات، ويقضون ساعات طويلة أمام شاشة التلفاز منشغلين بألعاب «الفيديو».

الدعوة الأولى لمنزله «NeverLand» لم تكن غريبة على أسرة جيمس بعد الليالي الطويلة التي قضاها في منزلهم؛ بل كانت مجرد رد طبيعي لزيارته، بينما كانت كذلك لأسرة ويد، فهو قد قابلهم قبل الدعوة بأربعة ساعات فقط حينما فاز ويد بجائزة منحته فرصة الوقوف أمام مايكل جاكسون والذي كان يحاكي كل رقصاته وملابسه في أكثر من عرض صغير في مسارح متواضعة، وفي الحالتين لم ترفض أي أسرة؛ ففي النهاية؛ من كان يقدر على رفض دعوة لمنزل مايكل جاكسون في ذاك الوقت بالتسعينيات؛ حينما كان أيقونة عالمية؛ قد يغشى على أحدهم حينما يلوح له هذا النجم اللامع شخصيًا من فوق المسرح.

مايكل جاكسون مع جيمس – مصدر الصورة موقع «MJ Facts»

تطور العلاقة بين مايكل وعائلة جيمس؛ أخذ مسارًا طبيعيًا حينما بنى مايكل الثقة بين الطرفين مع الوقت والفعاليات المشتركة بينهم، ولذلك حين دعاهم في إحدى الأجازات الصيفية لجولة موسيقية يشارك فيها جيمس الرقص مع مايكل على المسارح العالمية؛ لم تجد والدة جيمس سببًا للرفض، ولكن حينما أقبل مايكل على خطوته الأولى لبناء علاقة جنسية مع جيمس، وطلب بوضوح أن يقيم معه في غرفته؛ رفضت الأم.

ولكن مع مرور الوقت وبناء الثقة بينهما؛ تركت الأم طفلها يقضي مدة الرحلة في غرفة مايكل؛ تحت مبرر أنهم يقضون الليل في التدريب والرقص وأحيانًا اللعب حتى يناموا من التعب؛ الأمر الذي بدا مقنعًا للأم -كما صرحت في أحداث الفيلم الوثائقي-؛ معللة أن مايكل لم يكن سوى طفل صغير في تصرفاته وشخصيته، وأنها كانت تعتبره ابنًا لها، وفي باريس – يقول جيمس- بدأت العلاقة الجنسية بينه وبين مايكل حينما علمه الاستمناء للمرة الأولى؛ وتطور الأمر من تلك النقطة حتى وصل بعد عدة سنوات لمراسم زواج صغيرة تجمعهما فقط؛ اشترى له قبلها خاتمًا للزواج وأخبره أن هذا هو سرهم الصغير، هذا السر الذي إذا وصل للعالم قد يفرقهما للأبد.

وجيمس كان يحب مايكل؛ ولم يرد للحظة أن يُحرم من صحبته، مؤكدًا في الفيلم التسجيلي أن تلك الفترة كانت مثل الحلم بالنسبة له؛ خاصة حينما كانا يسيران أمام الكاميرات يمسك كل من هما يد الآخر، ويمارسان تلك اللعبة التي علمها إياها مايكل؛ حينما يقوم أحدهم بمداعبة باطن يد الآخر دون أن يراه العامة؛ تلك العلامة التي تعني أن هذا الشخص يفكر في الآخر جنسيًا ويشتاق له؛ الأمر الذي جعل جيمس يشعر بالتميز والإثارة؛ مفكرًا ان هذا النجم اختاره هو من بين كل الأطفال الآخرين في العالم؛ الأمر الذي بدا من حديث جيمس في الفيلم؛ أنه كان علاقة عاطفية طويلة الأمد في حياة مايكل.

مايكل جاكسون في لقائه الأول مع ويد روبنسون – مصدر الصورة لقطة من الفيلم التسجيلي «Leaving NeverLand»

الفارق بين جيمس وويد، أن والدة ويد اختارت أن تلصق طفلها بمايكل جاسكون حتى وإن كان هذا سيتسبب في انتحار أبيه لابتعاد أسرته عنه والإقامة بالقرب من مايكل جاكسون؛ الأمر الذي لا يزال ويد وأشقاؤه يلومون الأم عليه، خاصة وأنها تركت ويد مع مايكل جاكسون في منزله بعد مقابلته مباشرة لمدة أسبوع؛ منبهرة بالرحلة غالية الثمن والرفاهية التي منحها إياها مايكل جاكسون مقابل أن تأخذ أشقاء ويد في تلك الرحلة وتتركه معه في «NeverLand»؛ حيث بدأت علاقتهم الجنسية والتي بدأت بالقبلات؛ وانتهت بالجنس الفموي والاستمناء سويًا؛ تلك العلاقة التي استمرت ما يزيد عن سبع سنوات بينهما، وإن بشكل متقطع.

الأمر الوحيد الذي جمع الطفلين بمايكل؛ غير الفراش، هي الطريقة التي انتهت بها علاقته الجنسية بهما؛ وهي ظهور طفل جديدة في الصورة، فقد كان مايكل جاكسون -وفقًا لتصريحاتهم في الفيلم- مثل أي نجم لا يكتفي بعلاقة واحدة ولذلك كان يُخرج من الصورة علاقاته القديمة، حينما يقابل طفلًا جديدًا يلفت انتباهه ويثير رغبته؛ الأمر الذي وضع الطفلين في حالة مستمرة من الغيرة، وهو أمر لم يتحدثوا فيه مع أحد؛ نظرًا للتحذيرات التي لقنها لهم مايكل جاكسون أكثر من مرة، عن خطورة خروج علاقتهم الجنسية إلى العلن.

حتى جاء العام 1993؛ حينما وجه الاتهام الأول لمايكل جاكسون بالتحرش جنسيًا بالطفل جوردان تشاندلر والذي كان يلازمه في تلك الفترة بعد أن أخذ مكان جيمس، في تلك اللحظة، بالنسبة لجيمس وويد اللذين افتقدا مايكل جاكسون بعد أن أبعدهما عن الأضواء لفترة؛ كان اتصاله بهم حتى يشهدا في صفه بالمحكمة؛ هو حلم يتحقق؛ فالاثنان كانا واقعين في حبه ولا يريدان أن يبتعدا عنه وعن الأضواء المُصاحبة له، إلى جانب أنهما أنكرا أمام والدتهما أن مايكل جاسكون قد تعرض لهم بأي إيذاء جسدي، ولذلك كانت شهادة ويد وجيمس هي السبب في براءة مايكل جاكسون، الأمر الذي تكرر مرة أخرى بعد عدة أعوام، وكان ويد هو السبب أيضًا في براء مايكل جاسكون من اتهام التحرش الجنسي الجديد الموجه له.

Embed from Getty Images

في المقابل، كان جيمس قد سأم تلك الأكاذيب – وفقًا لحكايته- مؤكدًا أن تلك الحياة المزدوجة التي عاشها خاصة بعد زواجه؛ قد سببت له الاكتئاب والقلق المزمن وجعلته يدرك أن ما فعله مايكل به لم يكن أمرًا محمودًا، بينما احتاج ويد وقتًا أكثر من ذلك حتى يدرك الأمر، ولم يعلن عما مر به مع مايكل جاكسون إلا بعد وفاته بعدة أعوام؛ حينما أخبر أخاه ومن ثم زوجته وباقي أسرته، ومن ثم خرج للإعلام يخبرهم بالحقيقة.

ولكن بعد شهادته مرتين لصالح مايكل جاكسون؛ لم تصدقه الجماهير المُحبة لنجم البوب العالمي؛ وهاجمته بشدة، ولكن هذا لم يمنعه من الظهور في فيلم «Leaving Neverland»؛ حتى يخبر العالم عن الأسباب النفسية التي دفعته للكذب على الجماهير طوال هذه الفترة، بينما جيمس كان قد قطع علاقته بمايكل بالفعل قبل وفاته حينما طلب منه الشهادة في صفه مجددًا فرفض جيمس وأخبره ألا يتصل به مرة أخرى.

«لا توجد مساحات آمنة»: التحرش الجنسي في المنزل ومن العائلة قبل الشارع في مصر

 

«فيلم حزين ومثير للاشمئزاز»

«شخص متفرع يمتلك كاميرا، وفيلم تسجيلي ضحل»؛ هكذا وصف جيرماين جاكسون شقيق مايكل؛ الفيلم التسجيلي ومخرجه على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، بينما خاطبت باريس جاكسون ابنة مايكل جماهيره مخبرة إياهم ألا ينجرفوا وراء الأقاويل في الفيلم وأن يحكموا عقلهم في الأمر، مؤكديْن -الابنة والشقيق- أن ما يهم بالفعل هو شهادة هؤلاء أمام المحكمة وليس ما يقولونه في فيلم تسجيلي بعد وفاة مايكل بأعوام طويلة.

على الجانب الآخر جاء رأي تي جي جاكسون مُهمًا للإعلام؛ لكونه كان مقربًا لمايكل في سن صغيرة وعاش معه فترة بعد وفاة والدته باعتباره عمه والمسئول عنه، وصرح تي جي على حسابه الشخصي على موقع «إنستجرام» قائلًا: « كنت دائمًا قريبًا من عمي، ولكن ازداد هذا القرب بعد وفاة امي وعمري 16 عامًا، فاحتضني مايكل وقدم لي يد المساعدة وغمرني بالحب والهدايا دون أن يتعرض بأي إيذاء جسدي لي، أو أي تحرش جنسي»، وأكمل موضحًا: «كان عمي طيبًا مع كل البشر، وتبرع بمئات الملايين لمساعدة الفقراء، وفتح منزله لآلاف الأطفال المحرومين»، وأكد في منشوره أن ما هذا الفيلم لا يمكن وصفه إلا بأنه «حزين ومثير للاشمئزاز».

كيف تحذر أبناءك من التحرش الجنسي؟ 7 نصائح من علم النفس

 

ردود أفعال محبي مايكل جاكسون: «الأمر كله متعلق بالمال»

«كيف يمكن لنا أن نطلق عن هذا الفيلم كلمة وثائقي؛ وهو يعرض وجهة نظر واحدة؟»؛ كان هذا تصريح أحد محبي مايكل جاكسون أثناء تجمعهم أمام مقر القناة التي عرضت الفيلم في بريطانيا، مرددين في هتافاتهم جملة ثابتة وهي «الأمر كله متعلق بالمال»؛ مبررين هذا الهتاف يكون هؤلاء الرجال في الفيلم لا يسعون لشيء سوى التعويضات التي يمكن الحصول عليها من أسرة مايكل جاكسون، مؤكدين في نهاية حوارهم مع الإعلام أنه ليس من العدل توجيه اتهامات لرجل متوفى قد برأته المحكمة منها في حياته قائلين: «دعوه يرقد بسلام».

الحصول على المال لن يكون نتيجة هذا الفيلم؛ بل ربما يكلف صناع هذا الفيلم الوثائقي ملايين الدولارات؛ بعد أن رفع محامي مايكل جاسكون هاوارد فايتسمان قضية على شبكة قنوات «HBO» يتهم القائمين عليها بالتشهير برجل بريء ثبتت براءة أمام المحكمة قبل وفاته، مطالبًا في الدعوى بتعويق لا يقل عن مائة مليون دولار، وبعد شراء أكثر من قناة حقوق بث هذا الفيلم الوثائقي؛ قد يعيدون النظر في عرضه لما قد تتعرض له القنوات المعنية بنشره من قضايا تعويض.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد