يعيش لبنان حالة اقتصادية يمكن وصفها بالضبابية، ما بين إضرابات واعتصامات وقرارات تدعو إلى التقشف ومخاوف من الإفلاس، لكن هذه الأوضاع ليست وليدة اللحظة، فالبلاد تعيش مثل هذه الأوضاع منذ سنوات، إلا أن الجديد الآن هو اتجاه الحكومة لاعتماد إصلاحات هيكلية تهدف للحيلولة دون تدهور الوضع أكثر، وذلك من خلال موازنة تقشفية تشهد معارضة كبيرة من جانب عدة قطاعات في لبنان، لكن كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة؟

على مدار السنوات القليلة الماضية كان هناك جدل دائر حول الأوضاع الاقتصادية والمالية في لبنان، فكل فترة تخرج تحذيرات إما من مؤسسات مالية عالمية مثل صندوق النقد والبنك الدولي أو من سياسيين وخبراء اقتصاديين، بشأن معاناة اقتصاد لبنان ومعدل النمو المنخفض والديون المتفاقمة، لكن هذه التحذيرات تصطدم بالانقسامات السياسية والشلل شبه التام لسياسة البلاد، وهو ما يعرقل المضي قدمًا نحو تنفيذ أي إصلاحات يحتاجها الاقتصاد، فعدم الاستقرار السياسي يمكن وضعه عنوانًا رئيسيًّا لمشاكل البلاد.

إلى أين وصلت الأزمة الاقتصادية في لبنان؟

قبل الحديث عما وصل إليه الوضع من إضراب وتقشف وتوقعات إفلاس، يجب أن نشير سريعًا إلى الملامح الرئيسية للاقتصاد اللبناني، فلبنان من بين الدول الأعلى مديونية في العالم مقارنة بحجم الاقتصاد، إذ يبلغ الدين العام نحو 150% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بسبب تفاقم نسبة خدمة الدين وتزايد الإنفاق الحكومي، مع ارتفاع عجز الموازنة.

وبحسب صندوق النقد الدولي، في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، بلغ الدين العام الإجمالي 112.375 تريليون ليرة (74.5 مليار دولار)، استنادًا إلى تقرير صادر عن جمعية المصارف في لبنان (خاصة)، ومن المتوقع أن يصل هذا الدين إلى 110 مليار دولار بحلول 2022.

ووفق تقديرات البنك الدولي؛ فإن التحويلات المالية إلى الشركة المنتجة للكهرباء المملوكة للدولة بمفردها، بلغت 3.8% في المتوسط من الناتج المحلي الإجمالي، في الفترة من 2008 إلى 2017، أي ما بين مليار و1.5 مليار دولار في العام، وهو ما يعادل نحو 25% من عجز الميزانية بالعام الماضي البالغ 4.8 مليار دولار، وتعد هذه المشكلة، مشكلة هيكلية. إذ تقول الحكومة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي إن إصلاح الكهرباء حيوي لخفض الدين عمومًا.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي عن عام 2016، إلى أن التكلفة المتراكمة لدعم شركة كهرباء لبنان تعادل نحو 40% من إجمالي ديون لبنان، لذلك يرى البنك الدولي إن أزمة الكهرباء تأتي في المرتبة الثانية بعد عدم الاستقرار السياسي في عرقلة النشاط التجاري. بينما يأتي العجز في ميزان المعاملات الجارية، الناتج عن العجز في الميزان التجاري بسبب تجاوز الواردات الصادرات بنسبة كبيرة؛ ثالث مشكلة هيكلية مزمنة تعاني منها لبنان.

هل تقضي العقوبات ضد «حزب الله» على ما تبقى من اقتصاد لبنان؟

ووسط هذه المشاكل نجد أن لبنان يعتمد في تمويل عجز الموازنة والمعاملات التجارية على تحويلات اللبنانيين المقيمين في الخارج، وهو أمر يعد مشكلة في حد ذاته وخاصة في ظل تباطؤ هذه التحويلات، في وجود العقوبات الأمريكية على «حزب الله» والنظام الإيراني المتشابك إلى حد كبير مع النظام المالي في لبنان، وهو ما دفع «بنك جولدمان ساكس» للقول إن لبنان منكشف على مخاطر كبيرة في إعادة التمويل.

هذه المعطيات دفعت معدلات الفقر للتزايد في الآونة الأخيرة، وذلك تزامنًا مع أوضاع اقتصادية صعبة وتباطؤ معدلات النمو إلى 1% من متوسط بلغ 8% قبل الحرب السورية، وسط الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والمواد الاستهلاكية والإيجارات، مع تزايد الطلب بسبب النزوح السوري، فضلًا عن انخفاض الأجور إذ يبلغ الحد الأدنى 450 دولارًا.

هل تقود هذه الأزمات اقتصاد لبنان للإفلاس؟

ذكرنا أن عدم الاستقرار السياسي هو عنوان رئيسي لأزمات لبنان، لكن مع 31 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت البلاد تطورًا في هذا الصدد، إذ أعلن الأمين العام لمجلس الوزراء اللبناني فؤاد فليفل، عن تشكيل الحكومة برئاسة سعد الحريري، في خطوة جاءت بعد نحو ثمانية أشهر على تكليفه، وأشهر من الاستشارات الصعبة للوصول إلى هذا التشكيل، بينما نالت الحكومة ثقة البرلمان، في منتصف فبراير (شباط) الماضي.

هذه الخطوة قد تحول دون إفلاس البلاد، في حال ما استطاعت هذه الحكومة إقناع المستثمرين بقدرتها على تبني برنامج إصلاح اقتصادي حقيقي، إذ يرى الحريري أن بلاده بعيدة عن الإفلاس لكن بشرط التقدم في الإصلاحات، إذ يفترض أنه فور إقرار الميزانية الجديدة، فإن المؤسسات المالية سترفع التصنيفات السيادية للبنان، إلا أن عدم التقدم في الإصلاح على حد تعبيره هو «عملية انتحارية»، أو بمعنى آخر خطوة كبيرة للبلاد على مقربة من الإفلاس.

وبالطبع الحديث عن الإفلاس ليس بالأمر السهل، فحاكم مصرف لبنان المركزي، رياض سلامة، قال مؤخرًا إن قطاع البنوك لديه القدرة على تمويل الدين الخارجي والمحلي للبلاد في 2019، إذ تبلغ الأصول الأجنبية للبنك المركزي نحو 40 مليار دولار، فيما استطاع النظام المالي تجاوز أزمات سياسية واغتيالات وحرب على مدار سنوات، لذلك فإن احتمال الإفلاس رغم أنه وارد إلا أنه سيناريو مستبعد على الأقل خلال العام الجاري.

جدير بالذكر أن مؤسسات التصنيف الائتمانية الدولية لديها نظرة سلبية للوضع الاقتصادي في لبنان، بسبب أن البلد ما زال يفتقر إلى خطةٍ ذات مصداقية، وقابلة للتنفيذ لخفض عجز الميزانية، بالإضافة إلى  ارتفاع المخاطر على استدامة الديون المتوسطة الأجل.

إما التقشف أو الكارثة.. هذا هو الإصلاح الذي تسعى إليه الحكومة

أصبحت كلمة التقشف هي الكلمة الأكثر تداولاً في لبنان منذ أقل من شهر من الآن، وذلك بعد أن قال وزير المال، علي حسن خليل، في 17 أبريل (نسيان) الماضي، إن مشروع موازنة لبنان للعام 2019 يتوقع عجزًا يقل عن 9% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة مع 11.2% في 2018 مع تخفيضات واسعة في الإنفاق تشمل «إجراءات استثنائية تقشفية».

تصريحات خليل التي نقلتها وكالة «رويترز» أشعلت موجة من الإضرابات في البلاد، إذ حملت تصريحاته حالة من التحدي، موضحًا أن الموازنة تتضمن «حوافز لزيادة الإيرادات، كإجراءات لضبط التهرب الضريبي وتحسين إيرادات الجمارك، وبعض التعديلات الضريبية التي تطال أصحاب الدخل المرتفع».

وبالرغم من تأكيد الوزير اللبناني على أنه ليس هناك أي ضرائب جديدة ستطال الطبقات الفقيرة ومتوسطي الدخل، لكن هذا التأكيد لم يمنع اللبنانيين من التظاهر احتجاجًا على التقشف المحتمل في الموازنة، وذلك وسط تكهنات خطط خفض فاتورة الأجور العامة الضخمة.

وترى الحكومة أن التقشف هو أقصر طريق للحصول على تمويل بقيمة نحو 11 مليار دولار تعهدت به المؤسسات المانحة والحكومات الأجنبية في مؤتمر باريس العام الماضي، لذلك هذه الخطوة ملحة كثيرًا بالنسبة للحكومة لكنها تشهد أيضًا دعمًا من أطراف أخرى، مثل  الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط، إذ قال مؤخرًا إن التقشف «أفضل من الانتحار».

بينما يرى كبير الاقتصاديين في «بنك بيبلوس» اللبناني، نسيب غبريل، أن «الإصلاحات يجب أن تشمل إغلاق كثير من المؤسسات والهيئات التي لا تعود بالفائدة على الدولة، بالإضافة إلى تجميد التوظيف وتجميد الزيادات في الرواتب في المستقبل وزيادة الفوائد وخفض عدد موظفي القطاع العام وإعادة هيكلته».

هذه هي رسالة رئيس الوزراء التي يواصل التأكيد عليها خلال كل المناسبات في الفترة الماضية، إذ أوضح أن الاستمرار بدون إصلاح يعني الوصول إلى كارثة مشيرًا إلى أن لبنان لن يجد من ينقذه، على العكس من دول أخرى عانت من أزمات مالية مثل اليونان.

ويتفق رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، مع الحكومة وغبريل، في أن التقشف هو الطريق الوحيد الآن، إذ يرى إن الميزانية التقشفية، هي الفرصة الوحيدة للخروج من الوضع الحالي.

لماذا يتصدر موظفو مصرف لبنان المشهد الحالي؟

في 23 أبريل الماضي، قال الحريري إنه يعتقد أن البنوك اللبنانية مستعدة لمنح حكومته الدعم المالي الذي تحتاجه، عبر أسعار فائدة منخفضة، لتدشين الإصلاحات، موضحًا: «أنا على ثقة بأن المصارف وحاكم مصرف لبنان سيكونون مستعدين لمساعدتنا»، ولم تمر سوى أيام قليلة وقام موظفو مصرف لبنان بالرد عليه، وهو الرد الذي خالف ثقة الحريري.

بدأ موظفو مصرف لبنان المركزي إضرابًا عن العمل في 6 مايو (أيار) الجاري، احتجاجًا على مقترحات في الموازنة تقلص مزاياهم، إذ تشمل مقترحات التقشف الواسعة النطاق؛ جميع قطاعات الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية، وهو ما أثار اعتراضات في الجيش قبل المصرف المركزي، لكن الحكومة على ما يبدو مصرة على موقفها، والأيام القادمة ستكشف عن الموازنة التي يترقبها الجميع.

يشار إلى أنه رغم التوتر الحاصل في البلاد، فإن الليرة اللبنانية مستقرة وستظل مستقرة، حسب تأكيد مصرف لبنان، فالعملة المحلية مربوطة بالدولار الأمريكي عند مستوياتها الحالية منذ أكثر من 20 عامًا.

مترجم: «نبيذ معتق في كؤوس جديدة».. ما المتوقع من حكومة لبنان الجديدة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد