عقد مجلس النواب اللبناني جلسته رقم 14 يوم الأربعاء الماضي لانتخاب رئيس جديد للبلاد، لكن هذه الجلسة كسابقاتها باءت بالفشل.

الفشل جاء نتيجة عدم اكتمال النصاب القانوني للجلسة مما أجبر رئيس مجلس النواب نبيه بري لتأجيل الجلسة إلى يوم 19 نوفمبر المقبل.

ولم يبلغ إجمالي حضور النواب للجلسة سوى 54 نائبًا في حين أن النصاب القانوني لا يقل عن 86 نائبًا.

ويرجع ذلك لمقاطعة أغلب قوى 8 آذار بقيادة حزب الله وتكتل التغيير والإصلاح بزعامة العماد ميشيل عون جلسات انتخاب رئيس جديد وذلك لعدم التوافق على اسم مرشح.

البداية

انتهت فترة ولاية حكم الرئيس اللبناني السابق ميشيل سليمان في 24 مايو الماضي، وطبقًا للدستور اللبناني فإن مجلس النواب هو المخول بانتخاب رئيس جديد. يشترط حصول المرشح على ثلثي الأصوات في الدورة الأولى ويكتفى بالغالبية المطلقة في الدورات التالية للاختيار.

لم يتم منذ ذلك الحين انتخاب خليفة لميشيل سليمان ليظل منصب الرئاسة شاغرًا في لبنان في وضع لا يوجد بأي من دساتير العالم سوى الدستور اللبناني الذي يسمح بأن يكون مقعد الرئيس شاغرًا.

العماد ميشيل عون يرى أنه الأجدر بتولي المنصب نظرًا لأنه صاحب أكبر كتلة مسيحية في البرلمان اللبناني وتؤيده قوى 8 آذار، فيما ترى قوى 14 آذار وعلى رأسها تيار المستقبل أن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع هو الأجدر بالمنصب.


نظرة عامة

لبنان بلد يتميز بتعددية دينية وثقافية كبيرة حيث تعترف الحكومة اللبنانية بعدد 18 طائفة دينية معترف بها رسميًا ويمثلها أعضاء في مجلس النواب اللبناني.

أبرز هذه الطوائف هي الطائفة المسيحية المارونية التي تشكل 23% من إجمالي السكان والتي يتم اختيار رئيس الجمهورية اللبنانية منها. يوجد أيضًا الروم الأرثوذكس (9%) والروم الكاثوليك (5%) والأرمن الأرثوذكس (3%) والعديد من الطوائف المسيحية.

من ناحية المسلمين توجد عدة طوائف أبرزها السنة الذين يمثلون 30% من الشعب اللبناني ويتم اختيار رئيس الوزراء منهم. كما يوجد الشيعة الذي يشكلون 29% من الشعب اللبناني. يوجد ايضًا طائفتي العلويين والإسماعيليين. بينما الطائفة الدرزية في لبنان تمثل 5,2%.

توزيع المقاعد حاليًا في مجلس النواب اللبناني الذي يتكون من 128 مقعدًا يعطي 64 مقعدًا للمسيحيين ومثلهم للمسلمين. المقاعد المسيحية مقسمة 34 مقعدًا للموارنة و14 مقعدًا للروم الأرثوذكس و8 مقاعد للروم الكاثوليك و5 مقاعد للأرمن الرثوذكس ومقعد واحد لكل من الأرمن الكاثوليك والإنجيليين والأقليات المسيحية.

وبالنسبة للمسلمين فإن تقسيم المقاعد يكون 27 مقعدًا للسنة و27 مقعدًا للشيعة و8 مقاعد للدروز ومقعدين للعلويين.

تقسيم المقاعد بهذه الطريقة يوضح كيف أنه من الصعب الإجماع على رئيس للجمهورية الذي يتطلب انتخابه موافقة ثلثي عدد أعضاء مجلس النواب إلا من خلال توافق نسبي بين القوى الرئيسية في لبنان.


القوى السياسية المتصارعة

من الناحية السياسية فإنه توجد عدد من الأحزاب والقوى الرئيسية المتصارعة من أجل السيطرة على القرار السياسي في لبنان.

1- تحالف 8 آذار

وهو تحالف نشأ في لبنان بعد حادثة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان. وقد قام هذا التحالف من مجموعة من الأحزاب والحركات المؤيدة للنظام السوري.

أبرز هذه الحركات:

حزب الله

يستحوذ على 12 مقعدًا بمجلس النواب اللبناني الحالي.

أبرز هذه القوى هي حزب الله اللبناني الذي اكتسب شعبيته العربية والإسلامية بالإضافة إلى شرعيته الداخلية من خلال مقاومته العسكرية لإسرائيل والذي تم تتويجه بإجبار القوات الإسرائيلية على مغادرة الجنوب اللبناني.

هذه الشعبية الجارفة تراجعت بشدة مؤخرًا نتيجة وقوف الحزب مع نظام بشار الأسد العلوي مما أثار سخط المسلمين السنة داخل وخارج لبنان خصوصًا مع مشاركة الحزب العسكرية في المعارك ضد المقاومين السوريين السنة في معظمهم.

حزب الله هو القوة اللبنانية الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بسلاحها بشكل شرعي بعد نهاية الحرب الأهلية في لبنان نتيجة مقاومته للمحتل الإسرائيلي.

يعتبر حزب الله أكبر قوة عسكرية في لبنان بسبب تسليحه ومهارات مقاتليه والتدريبات العالية التي يتلقونها مما أتاح له السيطرة بشكل كبير على مناطق من لبنان أبرزها الجنوب المتاخم لإسرائيل.

يقود الحزب مع حركة أمل والتيار الوطني الحر تحالفًا في مواجهة قوى 14 آذار.

حركة أمل

تستحوذ على 13 مقعدًا بمجلس النواب اللبناني الحالي.

وهي حركة شيعية أسسها موسى الصدر عام 1975م بهدف الدفاع عن المصالح الشيعية في لبنان.

هذه الحركة هي أحد أركان قوى 8 آذار التي توصف بموالاتها لسوريا.

التيار الوطني الحر

يستحوذ على 19 مقعدًا بمجلس النواب اللبناني الحالي.

وهو تيار علماني ذو أغلبية مسيحية نشأ عام 1990م بعد نفي العماد ميشيل عون إلى باريس.

السمة الرئيسية لهذا التيار ذو الشعبية الواسعة كانت مناهضة الوجود السوري في لبنان لكن بعد خروج القوات السورية من لبنان تحالف هذا التيار مع قوى وحركات مؤيدة للنظام السوري وأبرزها حزب الله.

كما توجد قوى أخرى مثل تيار المردة والحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الديموقراطي اللبناني.

2- تحالف 14 آذار

وهو تحالف من أحزاب سياسية لبنانية ثارت ضد لوجود السوري في لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. يتلقى هذا التحالف دعمًا من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية.

أبرز أعضاء التحالف هم:

تيار المستقبل

يستحوذ على 33 مقعدًا في مجلس النواب اللبناني الحالي.

هو أكبر كتلة في هذا التحالف ويرأسه سعد الحريري نجل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

ليس له هيكل تنظيمي مؤسسي حزبي ويتكون من مؤيدي نهج عائلة الحريري.

يتهم سوريا بالوقوف وراء مقتل رفيق الحريري.

الحزب الاشتراكي

يستحوذ على 11 مقعدًا في مجلس النواب اللبناني الحالي.

وهو حزب علماني يتزعمه الدرزي وليد جنبلاط بعدما خلف والده كمال جنبلاط عقب مقتل الأخير ويمثل حاليًا طائفة الموحدين الدروز.

القوات اللبنانية

يستحوذ على 8 مقاعد في مجلس النواب اللبناني الحالي.

أسسه بيار جميل عام 1963م وكان أهم فصيل يميني خلال الحرب الأهلية لكنه شهد انقسامات بعد انتهاء الحرب.

الكتائب

يستحوذ على 5 مقاعد في مجلس النواب اللبناني الحالي.

وهو حزب سياسي وميليشيا سابقة أسسها بشير الجميل عام 1976م والذي خاض صراعات مسلحة مع الحركة الوطنية اللبنانية والمنظمات الفلسطينية.

ويوجد أيضًا الهشناك والأحرار والجماعة الإسلامية.


أسباب المشكلة

أحد أبرز العوامل المتسببة في الصراع اللبناني الذي يصفه البعض بالحرب الأهلية الكامنة هو التدخل الأجنبي غير المسبوق في الشأن اللبناني. فالبلد الصغير كان ولايزال عرضةً لتدخلات خارجية مستمرة بشكل لا تجده إلا نادرًا في دول العالم. فلبنان عاشت 62 عامًا من أصل 94 عامًا وهناك قوات أجنبية فوق أراضيها لعل آخرها كان خروج القوات السورية عام 2005م.

الولايات المتحدة تتدخل في لبنان وفرنسا تتدخل في لبنان والمملكة العربية السعودية تتدخل في لبنان وإيران تتدخل في لبنان والنظام السوري يتدخل في لبنان، ولكل من هؤلاء يوجد ظهير سياسي رئيسي في لبنان مما يعقد من إمكانية الاتفاق.

عامل آخر هام يكمن في عدم وضوح الهوية اللبنانية. فمنذ نشوء الدولة اللبنانية وهي بعيدة عن بلورة هوية واضحة لسكانها الذين ينتمون إلى طوائف ومذاهب متعددة أكثر من انتمائهم للوطن نفسه. فالهوية في لبنان طائفية قبل أن تكون وطنية.

يظهر هذا بوضوح داخل الديانات أيضًا، فاللبناني لا يشعر أنه مجرد مسيحي بل هو ماروني أو أرثوذكسي أو أرمن، ويشعر المسلم أنه سني أو شيعي أو درزي أو علوي في المقام الأول.

وقد استخدم تقرير في موقع الجزيرة نت عبارة مميزة توضح هذه الإشكالية بوضوح عندما قال: “لم تتمكن الدولة من احتضان جميع المكونات اللبنانية بحيث تخلق هوية وطنية تجمعهم فأصبح اللبنانيون سكانًا وليس مواطنين”.

يقول الكاتب شارل جبور إن المشكلة تكمن في انعدام الثقة بين اللبنانيين مما يجعل كل فئة تحاول الانغلاق على نفسها خوفًا من الآخرين، أو أن تقوم بالتمدد على حساب الفئات الأخرى إن استطاعت. ويضيف الكاتب إن المشكلة ليست مشكلة نصوص دستورية وأن الحل يكمن في محاولة استعادة الثقة بين مكونات الشعب اللبناني.


ردود الفعل

رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع اعتبر في مؤتمر صحفي أن عملية تعطيل الانتخابات وتأخير عملية اختيار الرئيس هي عملية لإسقاط النظام اللبناني بمجمله وأن هذا لا يختلف عما تقوم به المجموعات المسلحة في طرابلس.

النائب إيلي ماروني صرح من أمام مقر مجلس النواب عبر وكالة الأنباء الرسمية قائلًا “وكما العادة، مرة جديدة نأتي إلى مجلس النواب، ومرة جديدة يخيب أمل اللبنانيين لعدم انتخاب رئيس الجمهورية”.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

الحلول المقترحة

ذكر المحللون والمهتمون بالشأن اللبناني العديد من الحلول التي يرون من وجهة نظرهم أنها قادرة على إنهاء هذه الأزمة.

بعضهم ذكر أن الحل يكمن في انتخابات رئاسية عبر الشعب وليس عبر مجلس النواب كما هو محدد دستوريًا.

وقال البعض الآخر أن الحل يكمن في انتخابات تشريعية جديدة تؤدي إلى تغيير في تمثيل القوى السياسية في البرلمان وبالتالي إمكانية اختيار رئيس للجمهورية.

فريق ثالث يرى أن الحل يكمن في مؤتمر وطني يجمع فرقاء الوطن على كلمة واحدة. وإن كان هذا الموضوع بعيد عن الواقع فكيف تتفق القوى السياسية فيما اختلفت فيه تحت قبة مجلس النواب.

فريق رابع يرى أن حل المشكلة يكمن في فك الارتباط مع سوريا خصوصًا وأن تدخل حزب الله في القتال السوري جعل لبنان شريكًا رئيسيًا في الصراع هناك.

الحل الأبرز لهذه المشاكل يتمثل طبقًا لصحفيين ومحللين في حل جذري قائم على وصل وربط كامل المكونات اللبنانية المختلفة بقناعات مشتركة حول الهوية اللبنانية ومفهوم الدولة ذات الحدود وأن يعلو الوطن عما سواه من هويات. إذا بدأت لبنان بالسير بجدية في هذا الطريق فإن الإصلاحات السياسية المنتظرة في لبنان ستكون مجرد مشكلة تقنية يمكن التوافق على بنودها وإيجاد حلول لها عبر إضافة مؤسسة تشريعية أخرى أو زيادة عدد النواب أو غيرها من الأمور السياسية.


المصادر

تحميل المزيد