قبل أن نعبر إلى الحديث حول المرشحين المحتملين لرئاسة لبنان للدورة القادمة؛ إليك عزيزي القارئ عشر حقائق هامة ومقدمات أساسية حول النظام السياسي والحالة السياسية في لبنان ينبغي أن نعيها جيدًا قبل المرور للحديث عن المرشحين المحتملين لرئاسة البلاد خلفًا للرئيس الحالي ميشال سليمان الذي تنتهي ولايته في 25 مايو المقبل، وتنتهي معها المهلة الدستورية للبرلمان اللبناني لانتخاب رئيس جديد للبلاد وهى المهلة التي بدأت فعليًّا في 25 مارس المنقضي.


(1) يعرف الدستور اللبناني النظام السياسي في البلاد بكونه نظامًا جمهوريًّا ديمقراطيًّا توافقيًّا طائفيًّا – أي أنه يعتمد المحاصصة الطائفية في المناصب السياسية -؛ حيث ينص الميثاق الوطني على أن يكون رئيس الجمهورية مسيحيًّا مارونيًّا في حين يتم اختيار رئيس الوزراء من بين المسلمين السنة بينما رئيس البرلمان يتم اختياره من بين المسلمين الشيعة.


(2) يطلق على البرلمان اللبناني “مجلس النواب”، ويبلغ عدد أعضائه 128 عضوًا موزعين بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين ومقسمين إلى مناطق جغرافية، ويحدد القانون التمثيل الطائفي لنواب كل منطقة، فعلى سبيل المثال دائرة “بيروت الأولى” ممثلة بخمس مقاعد؛ مقعد للموارنة ومقعد للروم الأرثوذكس ومقعد للروم الكاثوليك، إضافة إلى مقعد للأرمن الأرثوذكس ومقعد للأرمن الكاثوليك، وهكذا توزع مقاعد كل دائرة بحسب التمثيل الطائفي للمواطنين القاطنين ضمن النطاق الجغرافي للدائرة، أما بالنسبة للانتخاب فجميع المواطنين يشاركون في انتخاب كل المرشحين على اختلاف طوائفهم، وبذلك يكون المرشح مضطرًّا لكسب ثقة الناخبين من غير طائفته لأجل الحصول على المقعد البرلماني.

(3) بسبب تعدد الكتل الطائفية داخل البرلمان، إضافة إلى الوضع السياسى دائم الاضطراب، يمثل التوافق على المناصب الثلاثة الرئيسية في البلاد إشكالية كبرى مع اشتراط موافقة ثلثي البرلمان لتسمية الرئيس في الجولة الأولى، فمع انتهاء فترة الرئيس اللبناني السابق إيميل لحود في 23 نوفمبر 2007 فشل البرلمان ولمدة 7 أشهر كاملة في تسمية رئيس جديد مما أوقع البلاد في فراغ دستوري، وتولت وقتها حكومة فؤاد السنيورة مجتمعة مهام الرئاسة كأمر واقع رغم وجود جدل حول شرعيتها حتى تم انتخاب الرئيس الحالي ميشال سليمان بعد 7 أشهر من الجدل فى 25 مايو 2008.

(4) مدة الرئاسة في لبنان 6 سنوات ولا يجوز انتخاب رئيس لولايتين متتاليتين – يمكن انتخابه لولايتين منفصلتين – مع العلم بأن كل من الرؤساء بشارة الخوري وإلياس الهراوي وإيميل لحود تم التمديد لهم لنصف فترة “3 سنوات” من قبل البرلمان بسبب تعديلات دستورية.

(5) لا يوجد فتح باب ترشيح للرئاسة في لبنان، كل أسماء الرموز السياسية من الموارنة مطروحة للاختيار من قبل البرلمان ما لم تبد اعتذارًا، بمعنى أن إعلان الترشح لا يرتبط بإجراءات بقدر كونه إعلان “إعلامي”.


(6) انقسمت لبنان سياسيًّا منذ عام 2005 وعلى خلفية اغتيال رفيق الحريري إلى تحالفين سياسيين رئيسيين ومجموعة من الكتل الصغيرة المستقلة، التحالف الأول هو تحالف 8 آذار ويضم الأحزاب ذات الصلة القوية مع سوريا والتي أيدت الوجود السوري في لبنان وعلى رأسها حزب الله وحركة أمل بقيادة نبيه بري، رئيس مجلس النواب، وتيار المردة والتيار الوطني الحر بزعامة ميشيل عون.

(7) قوى 14 آذار المعارضة للوجود السوري في لبنان والتي طالبت بالتحقيق في حادث اغتيال رفيق الحريري وتتهم سوريا – وحزب الله بالتبعية – بالتورط في اغتياله، ثم تحسنت علاقتهم نسبيًّا بسوريا عام 2010 قبل أن تعود للتوتر مرة أخرى مع تداعيات الحرب الدائرة فى سوريا منذ 3 أعوام وامتداداتها إلى الجانب اللبناني، وأبرز مكوناته تيار المستقبل بقيادة سعد الحريري وحزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب.


(8) ينقسم المسيحيون الموارنة – الذين يسيطرون على منصب رئيس الجمهورية بحكم المحاصصة – بوضوح بين الكتلتين السياسيتين الرئيسيتين بما يرجح أن تضع كل طائفة ثقلها خلف مرشح أو أكثر.


(9) يرأس الحكومة فى لبنان حاليا تمام سلام بتسمية من قوى 14 آذار – التي تشغل موقع المعارضة حاليًا -؛ حيث تم تكليف سلام رسميًّا بتشكيل الحكومة رسميًّا في 6 أبريل 2013 بعد توافق الموالاة والمستقلين على ترشيحه ولكن حكومة سلام لم تر النور سوى في 14 فبراير 2014 بعد تعثر 4 أشهر بسبب الخلاف بين القوى السياسية حول توزيع المقاعد الوزارية، والتي تم حسمها وفقًا لصيغة “888”؛ 8 وزراء لقوى 8 آذار ومثلهم لقوى 14 آذار ومثلهم للمستقلين لحرمان أي فئة من أن تحوز الثلث المعطل.


(10) عانى التشكيل الحكومي أزمة طاحنة بسبب رفض المعارضة “14 آذار” في البداية الدخول في حكومة واحدة مع حزب الله بسبب إصراره على مواصلة القتال داخل سوريا، قبل أن تتراجع في النهاية باستثناء حزب الكتائب اللبنانية، بقيادة سمير جعجع، الذي لا يزال يتمسك بموقفه من رفض المشاركة مع حزب الله في حكومة واحدة إلى الآن.

أولاً: أبرز المرشحين عن قوى 14 آذار

1- سمير جعجع


رئيس حزب القوات اللبنانية وهو أحد مكونات تحالف 14 آذار، وقد أعلن جعجه رسميًّا اعتزامه المنافسة على مقعد الرئاسة في لبنان الأمر الذي أثار جدلاً واسعًا خاصة أن جعجع تمت إدانته قضائيًّا بسبب أعماله في الحرب الأهلية في لبنان وخرج من السجن بعفو سياسي وليس ببراءة قضائية.

ولد جعجع في عين الرمانة، إحدى ضواحي بيروت، في 15 أكتوبر 1952، لعائلة مارونية، وانضم في صباه إلى الذراع الطلابي لحزب الكتائب وباشر بدراسة الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، إلا أنه ترك دراسته إثر بدء الحرب الأهلية عام 1975 وانتقل إلى جامعة القديس يوسف في الضواحي المسيحية لبيروت، وسرعان ما ترك دراسته مجددًا في عام 1976 ليشارك في القتال ضد التنظيمات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط.

كما خاض حربًا شرسة ضد الجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون، سُمّيت بحرب الإلغاء وبعد اتفاق الطائف تحولت القوات اللبنانية إلى حزب سياسي.

في العام 1994 سُجِن جعجع بتهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة في كسروان، وقد حصل على البراءة من هذه التهمة، قبل أن تتم إحالته للمحاكمة بتهمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي، ورئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون، كما اتهم باغتيال النائب طوني فرنجيّة ابن الرئيس سليمان فرنجيّة وعائلته في إهدن، وغيرها من جرائم القتل التي بلغت العشرات، وتم الحكم عليه بالإعدام، قبل أن يخفف الحكم من قبل رئيس الجمهورية إلياس الهراوي إلى السجن مدى الحياة، كما تم الحكم بحل القوات اللبنانية قبل أن يتم إطلاق سراحه عبر عفو نيابي خاص من قبل المجلس النيابي الذي انبثق بعد خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005، وعاد بعد ذلك إلى نشاطه السياسي.

أعلن جعجع تأييده للثورة السورية منذ بدايتها، ويعتبر من أكثر المعارضين لسلاح حزب الله، ولمشاركته في المعارك السورية إلى جانب النظام السوري، إلى استطاع زيادة شعبيته منذ خروجه من السجن بشكل كبير، ورفض المشاركة في الحكومة اللبنانية الحالية لأن “حزب الله” مشارك فيها، كما أن دخوله إليها لم يكن مشروطًا بخروج عناصره من سوريا.

ينذر ترشح جعجع للرئاسة بحدوث أزمة سياسية كبيرة في لبنان المضطرب أصلاً، وذلك لدوره الذي لم ينس بعد في الحرب الأهلية الذي أدين عليه بالإعدام قبل أن يتم العفو عنه، وثانيًا لعلاقته المتوترة مع حزب الله وحلفائه وإصراره على نزع سلاح المقاومة، بما يعني أن تحالف 8 آذار كاملاً لن يسمح بوصول جنبلاط إلى مقعد الرئاسة بما ينذر بصدام أشد قوة بين الكتلتين الرئيسيتين حال إقرار قوى 14 آذار لجنبلاط مرشحًا رسميًّا تدعمه وتقف خلفه.

2- أمين الجميل



رئيس الجمهورية السابق، ورئيس حزب الكتائب، ويظهر أنه على خلاف كبير مع جعجع والقوات اللبنانية، حكم الجميل لبنان من عام 1982 حتى عام 1988، ثم غادرها بعد انتهاء ولايته، قبل أن يعود إليها عام 2000 ليكون من أهمّ المعارضين للرئيس إميل لحود، ثم انضم إلى ثورة الأرز عام 2005 عقب اغتيال الحريري، بعدها تمّ اغتيال ولده وزير الصناعة بيار الجميل عام 2006.

ثانيًا: أبرز المرشحين عن قوى 8 آذار

3- ميشيل عون

 


رئيس تكتل التغيير والإصلاح، وهو قائد سابق للجيش اللبناني برز اسمه بعد تسلمه مهام الحكومة الانتقالية عام 1988 وخوضه حربًا عسكرية لإخراج الجيش السوري من لبنان، خسر عون الحرب ونفى إلى فرنسا التي عاش فيها 15 عامًا، قبل أن يعود إلى لبنان في عام عقب ثورة الأرز واغتيال الحريري عام 2005م.

وعلى الرغم من انتماء عون لقوى 8 آذار، لا أنه يعلن أنه مع الحوار مع جميع الأطراف السياسية في لبنان؛ حيث دخل نوابه في حوار مع جميع الكتل النيابية كتيار المستقبل وكتلة النائب وليد جنبلاط، كما أخذت علاقة عون مع تأخذ طابعًا جديًّا، وخاصة بعد اللقاء الذي حصل مع سعد الحريري، رئيس تيار المستقبل، في فرنسا؛ حيث زاره عون ويعد هذا التقارب بين الحريري وعون أحد أهم العوامل التي ساعدت في تشكيل حكومة سلام مؤخرًا بعد نجاح عون في إقناع الحريري بالمشاركة.

أبرز الرافضين لعون ضمن كتلته هو نبيه بري، رئيس مجلس النواب، وزعيم حركة أمل، ومن المستقلين النائب وليد جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وكتلته، لكنهما يؤكدان أنه إذا تم التوافق على عون فلن يكونا حجر عثرة.

وربما يكون عون أبرز المرشحين من الكتل السياسية الذي يمكن إحداث توافق حوله خاصة مع تحسن علاقته بتيار المستقبل وسعد الحريرى، إلا أن التوقعات تشير إلى ميل الحريري وكتلته إلى الدفع بمرشح محسوب على قوى 14 آذار كخيار أول أو مرشح مستقل كخيار ثاني قبل أن يلجأ للتوافق مع عون الذي – لا يزال- مصنفًا ضمن تكتل خصومه.

4- سليمان فرنجيه


رئيس تيار المردة، سليمان فرنجية، صديق شخصي للرئيس السوري بشار الأسد ومعارض بارز للثورة السورية، ومن أشد المدافعين عن حزب الله وتدخله في سوريا، يعد البديل الثاني بالنسبة لقوى 8 آذار خلف ميشيل عون بدأ فرنجية حياته السياسية بعد وفاة جده سليمان فرنجية، وفي ظل الوجود السوري للبنان.

على خلاف كبير مع سمير جعجع وحزب القوات اللبنانية كبير، نظرًا إلى اتهامه لجعجع باغتيال والده طوني وشقيقته أثناء الحرب اللبنانية، وتوصف علاقته بتيار المستقبل بكونها متذبذبة.

 

ثالًثا: أبرز المرشحين من المستقلين والتوافقيين

 

في ظل الاستقطاب السياسي الشديد في لبنان تبقى فرص وصول مرشح منتمٍ لأحد التكتلات صعبة للغاية، وتنذر بتفاقم الأزمة السياسية إلى حد بعيد، ربما يكون ميشيل عون هو السياسي الأقرب للتوافق من المرشحين المنتمين لكلا التيارين، ورغم ذلك فإن الكثير من المتابعين للشأن اللبناني يرون أن الكفة سترجح في النهاية كفة المرشح التوافقي المستقل غير المحسوب على أي من التيارين وأبرز رموز هذه الفئة هم:

5- العماد جان قهوجي


قائد الجيش الحالي، ويمنعه الدستور من الترشح لخلفيته العسكرية، عيّن قائدًا للجيش عام 2008 خلفًا لقائد الجيش السابق والرئيس الحالي ميشال سليمان، وهو قائد الجيش الثالث عشر في لبنان، وله إنجازات كبيرة في ما يتعلق بما يدعى “مكافحة الإرهاب” داخل الأراضي اللبنانية، ربما تكون مقدمة لوصول قائد الجيش إلى رئاسة الجمهورية عبر تعديل دستوري بدعم أمريكي وغربي.

6- رياض سلامة


حاكم مصرف لبنان، ورجل الأزمات الاقتصادية والاسم المطروح دائمًا في قوائم المرشحين للرئاسة وليست له تحيزات سياسية واضحة، ورغم ذلك فهناك آراء كثيرة تفضل أن لا يطرح اسم سلامة لأي منصب سياسي باعتبار احتياج لبنان إليه في المجال المالي، ويعتبر هؤلاء أن دخول سلامة في اللعبة السياسية سيجعله يفقد الإجماع الوطني حوله، كما قد يؤدي إلى عدم ثقة بعض أصحاب رؤوس الأموال بالقطاع المصرفي اللبناني.

هل لبنان مهددة بالفرغ السياسي؟

(1) تبقى احتمالات الفراغ السياسي واردة، فمع رحيل حكومة ميقاتي ونجاح تمام سلام في تشكيل حكومته بعد تعثر دام 10 أشهر، التقط الشارع السياسي في لبنان أنفاسه بعد أن حصل أخيرًا على حكومة شرعية بدلاً من حكومة ميقاتي التي كانت تسير الأمور وفقًا للأمر الواقع بعد سحب الثقة منها، ومع غياب سيطرة أى طرف على حكومة سلام “لا أحد يملك الثلث المعطل بسبب الصيغة المتساوية 888″، فإن لبنان قد صار أمامه فرصة لاحتمال التعثر المتوقع في التوافق على الرئيس القادم عبر تولي الحكومة الشرعية صلاحيات الرئيس فى حال وصلنا لتاريخ 25 مايو دون توافق بما يعني انتهاء فترة الرئيس الحالي ميشال سليمان قبل التوافق على اسم الرئيس الجديد.

 

  • (2) تجري تسمية الرئيس هذه المرة فى غياب المجتمع الدولي والعربي المنغمس بكليته في مستنقع الأزمة السورية، بما يعني ربما أن اختيار الرئيس في لبنان هذه المرة سيخضع بشكل أكبر للاعتبارات الداخلية، خاصة مع استعداد حزب الله لتقديم تنازلات – غير جوهرية – من أجل التوافق السياسي مقابل غض الطرف عن أنشطته داخل سوريا.


(3) يبقى ميشيل عون أوفر المرشحين حظًّا إلى الآن بسبب غياب أي قدر من التوافق حول غريمه الأبرز سمير جعجع، رغم أن طريقه إلى قصر بعبدا ليس مفروشًا بالورود، واحتمال تعثر انتخاب رئيس جديد لا تزال واردة وبقوة الأمر الذي سيجعل جميع الخيارات مفتوحة لهذه الأسماء ولأسماء أخرى قد يتم طرحها مع تعقد الوضع السياسي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد