بعد التجارب الثورية والانتفاضات التي مر بها الوطن العربي منذ 2011، أصبحنا في زمن لا تصمد فيه الخطابات الغوغائية التي يقولها الرؤساء طويلًا، أوقات دقيقة عاشتها عدة شعوب عربية مع خطب هشة قضت على قائليها بوعود فضفاضة جاءت متأخرة.

اليوم تمر لبنان بأحداث شبيهة “نسبيًّا” بما جرى بتونس ومصر وليبيا وإسقاط نظم لم تفهم شعبها جيدًا, مواجهات عنيفة اندلعت بين المحتجين والأمن الداخلي وسط العاصمة بيروت، في البداية طالب المحتجون بحل جذري لأزمة تراكم النفايات التي سدت الطرق العمومية منذ أسابيع، أطلقت شرطة بيروت الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه على آلاف بينهم نساء وأطفال، وانتهت بإطلاق الرصاص الحي واستخدام الهراوات ليرفع المحتجون مطلبهم بإسقاط النظام وترديد هتافات ثورات الربيع العربي: “الشعب يريد إسقاط النظام” و”ثورة ثورة حتى النصر“.

اعتصم المحتجون بالقرب من مبنى الحكومة والبرلمان دون تأييد من الأحزاب السياسية، خاصة مع مطلبهم بإسقاط الحكومة المشكلة من هذه الأحزاب بموجب الدستور الذي منح حكومة تمام سلام رئيس الوزراء صلاحيات رئيس الجمهورية في ظل فشل البرلمان في انتخاب رئيس للبلاد، بعد انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان 25 مايو الماضي.

في تصريحاته الأولى عن الهبة اللبنانية قال تمام سلام: “الذى حدث أمس الأول أساء إلينا جميعًا، فأنا لم أسعَ يومًا إلى المناصب، وكنت دائمًا حريصًا على تمثيل الناس تمثيلًا حقيقيًّا، والناس تعرف، وتتحمل كل القوى السياسية مسئوليتها، وأنا من الناس أتحمل أيضًا المسئولية“، في إعلانه عدم سعيه للمناصب اشترك تمام مع زعماء عرب عرفناهم في محاولة أخيرة للإصلاح، وإن كانت الأحداث اللبنانية تظهر ثقافة مختلفة عن أخواتها إلا أن الخطب ربما تتشابه أو تنقذ الأمر في آخر لحظة، وهنا نعود لخطب سمعناها في مواقف مماثلة لزين العابدين ومبارك والقذافي ومحمد مرسي أسقطهم سوء تقديرهم للموقف.

الرئيس صبور على شعبه ويغفر زلاته

رئيس الوزراء اللبناني تمام سلام

دون التسابق على تسمية ما يدور بلبنان صرح تمام سلام بأن “إحراجي لإخراجي يمارس منذ زمن، وكنت سآخذ قراري منذ 3 أسابيع، وما زال الخيار أمامي، وعندما أرى أن صبري بدأ يضر بالبلد سأتخذ القرار المناسب“، وهو بالضبط ما أكده الرؤساء الأربعة في عدم سعيهم لمنصب الرئاسة رغم إصرارهم على التمسك به وقت الأزمة واستشعارهم بأنه “أنا الوحيد الموكل بحلها”، فبعد أربعة أيام من الاحتجاجات العنيفة المطالبة بإنهاء حكمه يناير 2011 تحدث الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عبر التليفزيون قائلًا: “إنني متحمل مسئوليتي الأولى في الحفاظ على أمن الوطن والمواطنيين، لن أسمح بذلك أبدًا، لن أسمح لهذا الخوف أن يستحوز على مواطنينا، ولهذا التحسب أن يلقي بنظامه على مصيرنا ومستقبلنا” كما نفى في خطابه بالأول من فبراير نيته للترشح مرة أخرى.

الرئيس لا يصدق أن الثورة من صفات شعبه

الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك

أشعل بوعزيزي النار في الجسد العربي من تونس وصلت لمصر وانتهت بليبيا، بدأت الثورة التونسية في 18 ديسمبر 2010، بعدما أشعل شاب يبيع الخضروات النار في جسده أمام مبنى المحافظة، بوعزيزي شاب جامعي يعاني مثل الشباب التونسي من البطالة، كانت وفاته شرارة الثورة الأولى، ليبدأ زين العابدين بن على سلسلة “الخطابات المؤسفة”.

لا يصدق الرئيس أبدًا أن شعبه يطالبه بالرحيل، ففي خطابه 13 يناير 2011 قال زين العابدين: “الأحداث الجارية اليوم في بلادنا مهيش بتاعنا، والتخريب مش من عادات التونسي المتحضر المتسامح، العنف مش بتاعنا ومش سلوكنا ولا بد أن يتوقف التيار، يتوقف بتكاتف جهود الجميع: أحزاب سياسية، منظمات وطنية، مجتمع مدني، مثقفين، مواطنين“. فكان رد الشارع وقتها “الخبز والماء وبن علي لا.. ارحل”.

سلك مسلكه حسني مبارك فاعتبر أحداث 25 يناير 2011

سعي لإشاعة الفوضى واللجوء إلى العنف والمواجهة وللقفز على الشرعية الدستورية والانقضاض عليها.

كانت خطابات الرئيس الليبي معمر القذافي محل تندر بسبب شخصيته ومحتوى خطاباته، دخلت ليبيا حزام الثورات في 17 فبراير 2011 فوصف من بالميادين ضده بأنها “عصابات مثل الجرذان، لا تمثل شيئًا؛ لا تمثل واحدًا على المليون من الشعب الليبي؛ لا تساوي شيئًا، فهم حفنة من الشبان الذين يقلدون الذي يجري في تونس وفي مصر“.

الرئيس لا يقول شيئًا واضحًا أبدًا

الرئيس المصري السابق محمد مرسي

بعد عزل حسني مبارك قضت مصر عامًا تحت حكم المجلس العسكري حتى الانتخابات الرئاسية يونيو 2012 وفوز الدكتور محمد مرسي بمنصب الرئاسة المصرية، جاء مرسي من خلفية دينية تتبع جماعة الإخوان المسلمين، ولم يوفق في كسب الشعب من اليوم الأول حتى نشبت الصراعات بين المدنيين، وعناصر من الجماعة، والشرطة كطرف ثالث. ورُغم أنّ الرئيس لم يقضِ إلا سنةً واحدة في حكمة، وهو ما يخرجه من جوقة الرؤساء الذين نتحدث عنهم في ذلك التقرير كونهم لم يأتوا بانتخابات أبدًا إلا أنّ خطابه لم يكن مغايرًا لهم في محتواه بالمرة!

حضر مرسي لسلسلة خطاباته منذ بدأت حركة “تمرد” في جمع التوقيعات للإطاحة بحكمه؛ فقال بخطابه الأخير:

أنا عايز أقول للفلاحين للموظفين للجوه للبره للرجال للنساء للمسلمين للمسيحيين لأهل مصر كلهم أولًا لا بديل عن الشرعية، الشرعية الدستورية، الشرعية القانونية، الشرعية الانتخابية القانونية التي أفرزت رئيسًا منتخبًا لمصر لأول مرة في تاريخها وشعبها رضي على كده، البعض بيعارض لا بأس، بيؤيد ماشي نعمل ايه مع بعض أديني بقول لكن لا بديل عن الشرعية، الشرعية الدستورية الشرعية القانونية شرعية الانتخابات التي جرت في العام الماضي منذ عام.

في كل مرة يخاطب فيها الجماهير كان القذافي يحرص على الظهور بمظهر مختلف وأزياء غريبة مزركشة قد تفسر بطبيعة الألقاب التي يمنحها القذافي لنفسه، ومع هذا كانت خطاباته الأخيرة أثارت غرابة خاصة حين قال: “أنت من أين؟ من عائلة غيث؛ أنت من عائلة مريم؛ أنت من أرفاد؛ أنت من أمزين، نعرف بعضنا، ونرى هذا الولد ولد من؛ من عائلة أمزين؛ أو من عائلة أرفاد؛ أو من عائلة مريم؛ أو من عائلة غيث، والله حالة!!”. يبدو أنه كان يعدد القبائل الليبية لدقائق طويلة في خطاب طويل استمر 76 دقيقة لم ينافسه فيه إلا محمد مرسي الذي خطب لمدة 157 دقيقة يوم 26 يوليو 2013.

نرجسية الرؤساء وبحيرة الأنا

الرئيس الليبي السابق معمر القذافي

تتردد الشعوب العربية كثيرًا في تغيير رؤسائها ومنهم من استمر بمنصبه بانتخابات مزورة، فاستمر زين العابدين في حكم تونس لنحو 28 عامًا زاد عنه مبارك الذي حكم مصر 30 عامًا، أما القذافي فحكم ليبيا كرئيس منذ 32 عامًا ورئيس لمجلس قيادة الثورة منذ 1969.

لم يبخل الرؤساء على شعبهم بذكر تضحياتهم في الخطابات الأخيرة فقال بن علي: “حزني وألمي كبيران لأني أمضيت أكثر من 50 سنة من عمري في خدمة تونس في مختلف المواقع من الجيش الوطني إلى المسؤوليات المختلفة و23 سنة على رأس الدولة”، وهو ما كرره مبارك: “يعلم الشعب الظروف العصيبة التي تحملت فيها المسؤولية.. وما قدمته للوطن حربًا وسلامًا. كما أنني رجل من أبناء قواتنا المسلحة، وليس من طبعي خيانة الأمانة أو التخلي عن الواجب والمسؤولية“.

رد معمر القذافي كان مختلفًا كالعادة فنفى عنه الرئاسة وقال: “معمر القذافي ما عنده منصب حتى يفعل ويستقيل منه، معمر هو قائد ثورة، الثورة تعني التضحية دائمًا وأبدًا حتى نهاية العمر، أنا مقاتل مجاهد مناضل ثائر من الخيمة من البادية وتعرف أسمائي المدن والقرى والواحات في ثورة تاريخية جلبت الأمجاد لليبيين معمر القذافي تاريخ مقاومة تحرر ثورة“.

ضرب محمد مرسي أيضًا مثاله في رؤيته المتفردة وتمسكه بالرئاسة رغم صغر فترة حكمه عن سابقيه، ففي خطاب “الشرعية ” قال: “كل العالم وأنتم وكلنا عارفين محمد مرسي لم يكن والآن ليس حريصًا أبدًا على كرسي، هذا كلام لا قيمة له عندي هذا الأمر بيني وبينكم لكن مينفعش الشعب كلفني الشعب اختارني الشعب عمل انتخابات حرة نزيهة الشعب عمل دستور بيكلفني فيه دولة موجودة بتنتظر مني أن ألتزم هذه الشرعية، أن ألتزم هذا الدستور، أن أحافظ عليه، أنا معنديش خيار أن أتحمل المسؤولية، أنا متحمل المسؤولية كنت وما زلت وسأظل دماء المصريين غالية عليا جدًا جدًا“.

الرئيس دائمًا يشكر الشخص الخطأ

وإنى انتهز هذه المناسبة لأجدد شكري وتقديري لأخي العزيز القائد معمر القذافي قائد الثورة الليبية للمبادرة الكريمة التي لقيت لدى شعبنا كل الارتياح بتيسير تنقل التونسيين وأعمالهم بالشقيقة ليبيا“، ظن زين العابدين أن بيد القذافي حل أزمة البطالة بتونس، ولم يتخيل أن رحى الثورة ستقضي عليه هو الآخر.

لكن الأغرب هو إصرار محمد مرسي على شكر وزارة الداخلية والقوات المسلحة في آخر خطابين ووصف الشرطة بالمظلومين فقال: “أنا رئيس مصر بقول لكل المصريين اوعوا لا عنف بينكم وبين بعض ولا عنف مع القوات المسلحة ولا عنف مع الداخلية ولا قدام رجال الشرطة لأنهم مسؤولين عن الأمن الداخلي أصابهم حاجات كتير كانوا مظلومين“.

الرئيس يستخدم كل مهاراته خاصة الأدبية

قوة اللغة المستخدمة بخطابات مبارك وزين العابدين ربما تعود لخلفيتهم العسكرية، أما محمد مرسي فقد عرف عنه استخدامه المفرط للشعر وآيات القرآن حتى أنه في إحدى خطبه اقتبس بيت شعر للتعبير عن أهمية البناء في مصر، حيث قال “كما يقول شاعر النيل، حافظ إبراهيم: “إنما مصر إليكم وبكم.. وحقوق البر أولى بالقضاء”. لكن البيت لم يكن لحافظ إبراهيم، وإنما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته “الدستور العثماني”.

حققت خطب القذافي نجاحًا هائلًا على الإنترنت، فتخطى كل مقطع 100 ألف مشاهدة خاصة لتلك غير المفهومة وهو يلقي شعرًا باللهجة الليبية: “لقد بلغوني أن الشعر الذي قلته عن الزنتان، كان في وقت به انقطاع فني فلم يسمعوه، وسامحوني سأعيده مرة ثانية، قلت لكم: شاب ورفلي غلط في واحد زنتاني، والزنتاني زعل وحسبها على ورفلة كلهم، وقال إنه لن يذهب إليهم، ولم يعودوا أصحاب؛ ولن يأتي لبني وليد؛ وزعل وقالها في قصيدة شعر. ردوا عليه ورفلة قالوا له «غلطة غلطها شاب من الأعدادي * لايعرف التاريخ ولاهو إنساني* لاهيش مقصودة ولا غلطتنا * شباب طيش من وكّالة الباناني). قال هذا شباب طائش من الذين يأكلون الباناني، أي الموز”.

الرئيس يأمر الشعب بضرب بعضه البعض من أجل سلامته

تونسيتان تتابعان الخطاب الأخير لزين العابدين بن علي

لم يفوت رواد الإنترنت كلمات القذافي الطريفة وأضافوها بمعجم خاص بدأ من خطابه الأول بعد اندلاع الثورة الشعبية ضد نظامه، حين قال في نهايته إن الملايين من الشعب سيزحفون “فأنا معمر القذفي قائد أممي، أنا تدافع عني الملايين أنا أوجه النداء للملايين من الصحرا إلى الصحرا لتطهير ليبيا بيت بيت، شبر شبر، زنقة زنقة، إمسكوا الجرذان، لا تخافوا منهم”.

3 أسابيع و6 أيام لم يتراجع فيها بن علي عن وصفه التونسين في الميدان بالمخربين الإرهابيين حتى أنه طالب التونسيين بالخروج عليهم “أولادنا اليوم في الدار وليس في المدرسة، وهذا حرام! وعيب! لأننا أصبحنا خائفين عليهم من عنف مجموعات سطو ونهب واعتداء(…) والمواطنون كل المواطنين لا بد أن يقفوا أمامهم، ونحن أعطينا التعليمات ونعول على تعاون الجميع حتى نفرق بين هذه العصابات والمجموعات من المنحرفين الذين يستغلون الظرف وبين الاحتجاجات السلمية المشروعة”.

المصادر

تحميل المزيد