تتعمد الدول الكبرى في سياساتها الخارجية خلق مساحات مختلفة في دول أخرى صغرى أو أقل شأنًا، تتحارب فيها إقليميًّا، وتكون الحرب من خلال صراع النفوذ داخل الدول عن طريق دعم الدول الكبرى لأحد التيارات السياسية الموجودة بالبلد الصغير، لبنان والبحرين من بين الدول العربية تعتبران منطقتا صراع نفوذ إقليمي.

لبنان

تعتبر لبنان انعكاسًا للأحداث الدولية والإقليمية، ومحاولات لفرض النفوذ أو ما يسمى “بالحرب الباردة” بين جهات إقليمية.

نشبت اشتباكات بطرابلس منذ أكثر من أسبوع خلفت 21 قتيلاً إضافةً إلى 150 مصابًا، الاشتباكات نشبت بين منطقتي التبانة (ذات الأغلبية السنية) وجبل محسن (ذي الأغلبية العلوية)، ومنذ اندلاع الثورة السورية في2011 وأصداؤها تتردد في الاشتباكات المتكررة بطرابلس، ومنذ خروج الجيش السوري من لبنان 2005 وطرابلس تعتبر معقلاً لمعارضي النظام السوري وحزب الله.

الحرب الأهلية اللبنانية: بداية النفوذ الإقليمي

استمرت الحرب الأهلية اللبنانية 15 عامًا

وبدأ طرف إقليمي آخر بالتدخل في محاولة للتوصل لاتفاق يضمن إنهاء الحرب الأهلية، فقد استطاعت السعودية بتوسطها لدى الأطراف اللبنانية إنهاء الحرب في اتفاق الطائف عام 1989، وبعدها استطاعت السعودية أن تكون هذا الطرف المهم في المعادلة السياسية في لبنان، فبهذا الاتفاق كانت السعودية قد رسخت ووسعت دائرة نفوذها داخل لبنان، وكان رفيق الحريري – رجل الأعمال اللبناني الذي يحمل الجنسية السعودية ويقطن في السعودية، والذي يرتبط بعلاقات صداقة قوية بالأسرة المالكة – أحد أهم الشخصيات التي لعبت دورًا كبيرًا في اتفاق الطائف.

رفيق الحريري

ومع عودة الحريري للبنان وتولية رئاسة الوزراء عام 1992 كانت السعودية قد ضمنت وجودها كلاعب رئيسي في لبنان، وبعد العديد من المناوشات السياسية بين الحريري والرئيس اللبناني وقتها إميل لحود (الموالي للأسد) تم اغتيال الحريري في 2005، واتُّهِمَت سوريا في البداية ثم انتقلت التهمة إلى حزب الله.

تشكُّل قوى 8 آذار ومنافستها 14 آذار

بعد اغتيال الحريري انقسم الشارع السياسي اللبناني إلى فريقين:

تحالف 8 آذار: مع تصاعد حدة الخلاف بمقتل الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان، كوّن حزب الله تحالف 8 آذار؛ حيث نزلت المظاهرات يوم 8 آذار تؤيد وجود الجيش السوري في لبنان، وأثناء المظاهرات خطب قائد حزب الله حسن نصر الله خطبة شكر فيها الجيش السوري على ما فعله للبنان.

سعد الدين الحريري نجل رفيق الحريري وزعيم تحالف 14 آذار

تحالف 14 آذار: ويضم إلى جانب تيار المستقبل – الذي أسسه رفيق الحريري – عدة أحزاب أخرى مؤيدة للحريري ومنددة باغتياله، ويقود هذا التحالف نجل الحريري، سعد الدين الحريري – المقيم في السعودية حاليًاً -، ونادى تحالف 14 آذار باستقلال لبنان وفك ارتباطه بأزمات الشرق الأوسط وبأي نفوذ خارجي على لبنان، وطالب بإنهاء النفوذ السوري في الداخل اللبناني.

ومن الجدير بالذكر، أن تحالف 14 آذار تدعمه السعودية بشكل مباشر، بل إن زعيم التحالف سعد الحريري بعد فشل حكومته في 2011 غادر إلى السعودية، وما زال مترددًا في العودة إلى لبنان، وعلى الجانب الآخر فإن تحالف 8 آذار مدعوم وبقوة من النظام السوري؛ حيث يقوده حزب الله.

الثورة السورية تلقي بظلالها على لبنان

مع دخول حزب الله الأزمة السورية إلى جانب النظام، وتصريحه مباشرةً أنه يدعم النظام ويحارب “الإرهابيين” إلى جانبه، كان لهذا الموقف تأثير سلبي على لبنان؛ حيث تبنت التنظيمات المسلحة المعارضة لنظام الأسد عدة تفجيرات بمراكز لحزب الله داخل لبنان، إضافةً إلى حالة الانقسام التي يعيشها الشعب اللبناني، ففي وقتٍ سابق شهدت طرابلس عدة اشتباكات بين مؤيدين للنظام السوري ومعارضين له، وما زالت الاشتباكات مستمرة.

وحاولت سوريا إشعال حرب أهلية أخرى في العام 2012 حين تم القبض على الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة بتهمة التآمر على الدولة اللبنانية والتحضير لتفجيرات ضبطت في منزله من قبل قوات الأمن اللبنانية، وقد اعترف بأنه نقل أكثر ممن 26 عبوة ناسفة بسيارته تسلمها شخصيًّا من علي مملوك (رئيس مكتب الأمن القومي السوري) في دمشق بأمر الرئيس السوري بشار الأسد، ليتم تفجيرها في موكب البطريرك الماروني لدى زيارته لمنطقة عكار ذات الأغلبية السنية في تجمعات سنية خلال إفطارات شهر رمضان، مثل هذه العملية كانت ستؤجج حربًا طائفية كاملة في لبنان.

وعلى صعيد آخر تحاول السعودية تقليص الوجود السوري في لبنان، من خلال العمل السياسي والدعم اللوجيستي والديبلوماسي لتحالف قوى 14 آذار..

ويبقى السؤال: من سيستطيع فرض نفوذه في لبنان؟ لا توجد إجابة حتى الآن.

البحرين

لأسباب خاصة بالبحرين كونها تقع في الخليج، وكونها صغيرة جدًّا وأغلبية شعبها من الشيعة وأقليتها من السنة، تعتبر البحرين ساحة لفرض النفوذ الإقليمي لجهات مختلفة، أهمها السعودية وإيران، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بالطبع.

أسطول الجيش الأمريكي الخامس

تضم البحرين قاعدة الجفير على بعد خمسة أميال من عاصمتها المنامة, وتتمركز فيها قيادة الأسطول البحري الأمريكي الخامس، ومنذ 1993 أصبحت المقر العام للقوات البحرية التابعة للقيادة المركزية الأمريكية للمنطقة الوسطى،
يخدم في الأسطول الخامس 4200 جندي أمريكي، وتضم حاملة طائرات أمريكية وعددًا من الغواصات الهجومية والمدمرات البحرية وأكثر من 70 مقاتلة.

إحدى قطع الأسطول الخامس الأمريكي

بالإضافة لقاعدة الجفير توجد قاعدتان أخرييان تابعتان للجفير، ومن خلال القواعد الأمريكية في البحرين تستطيع القوات الأمريكية ضرب أهداف سياسية في منطقة الخليج العربي.

قوات درع الجزيرة 2011

بدأت الاحتجاجات الشعبية بالبحرين على إثر ثورات الربيع العربي في 2011، مثل هذه الاحتجاجات كانت تمثل خطرًا حقيقيًّا على السعودية وبقية دول الخليج، لذلك تزعمت السعودية إرسال قوات درع الجزيرة لإخماد المظاهرات الشعبية في البحرين.

اعتبرت الاحتجاجات في البحرين امتدادًا لإيران

واتهمت الحكومة البحرينية وبقية دول الخليج الحراك الشعبي بأنه تابع لإيران، وصرحت السعودية أنها ستظل تحارب النفوذ الإيراني في الخليج، واتُّهِمَت قوات درع الجزيرة بانتهاك حقوق الإنسان خلال فضها للاحتجاجات الشعبية، واتُّهِمَت بمنع وصول الطواقم الطبية للمصابين، وقدمت إيران احتجاجًا لمجلس الأمن على تدخل قوات درع الجزيرة في البحرين، ويُعتقد أن الشيعة البحرينيين امتداد للوجود الشيعي/ الإيراني في الخليج، وعلى هذا تحركت السعودية والإمارات والكويت لصد هذا التحرك الشيعي، حسب الروايات الرسمية.

الإخوان جماعة إرهابية؟

بعد إعلان المملكة العربية السعودية بداية الشهر الحالي جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، أعلن وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، في مؤتمر صحفي بالعاصمة الباكستانية إسلام آباد أنه يتفهم موقف السعودية في تصنيف جماعة الإخوان جماعة إرهابية، إلا أن هذا لا ينطبق على البحرين، وأوضح خلال مؤتمره الصحفي أنَّه لا يجب معاملة جماعة الإخوان على أنها جماعة عالمية وإنما كل دولة على حدة.

تراجع وزير خارجية البحرين عن تصريحاته بعدها بيومين

بعدها بيومين أعلن وزير الخارجية أن بلاده تقف نفس موقف السعودية والإمارات من اعتبار جماعة الإخوان جماعة إرهابية، وأنكر ما قال إن وسائل الإعلام نسبته إليه من كونه لا يعتبر الإخوان المسلمين جماعة إرهابية.

وأمس أعلن رئيس وزراء البحرين أن السعودية تعتبر العمود الرئيس في تنمية واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي، ويعتبر موقف البحرين الأخير من أغرب المواقف التي تدلل أن البحرين ساحة لنفوذ إقليمي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد