انتشرت «جائحة 2020» كما وصفها أدهانوم جبريسوس مدير عام منظمة الصحة العالمية، في 212 دولة حول العالم خلال 100 يوم وارتفع أعداد المصابين بها إلى أكثر من مليونين وربع مليون شخص على مستوى العالم، وفرضت على الدولة اللبنانيّة إعلان حالة التعبئة العامّة والطوارئ الصحيّة لمحاولة الحد من انتشارها والخروج من هذه المرحلة.

لبنان الذي يمر بأسوأ انهيار مالي واقتصادي عرفته الدولة، خصوصًا أنّها أصبحت في مرحلة التعثّر الصريح منذ إعلانها التوقّف عن سداد ديونها. ما يعني فقدانها لمصادر التمويل من أسواق المال، وهو ما يدفعنا للتساؤل هل ستستطيع الحكومة اللبنانية التي شُكّلت منذ أشهر بشق الأنفس تجنيب اللبنانيين والزائر الثقيل عليها من بلد الجوار (سوريا) الإصابة بهذا الوباء؟

في البدء كان تشكيل الحكومة الجديدة

بعد فشل أكثر من محاولة لاختيار مرشح لتولي منصب رئيس الحكومة منذ استقالة سعد الحريري في 29 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعلن رئيس الحكومة اللبنانية المكلف حسان دياب الثلاثاء 20 يناير (كانون الثاني) 2020 عن حكومة جديدة مؤلفة من 20 وزيرًا، بعد أن شهدت لبنان 95 يومًا من الحراك الشعبي والمواجهات، خصوصًا في شارع الحمرا، حيث استهدف ناشطون مصارف. كما جرت مواجهات أخرى قرب محيط البرلمان وسط العاصمة بيروت ومحيط أحد مقار قوى الأمن بكورنيش المزرعة، ما أسفر عن سقوط عشرات الجرحى من المحتجين والقوى الأمنية جراء التراشق بالحجارة واستخدام الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع.

Embed from Getty Images

نال دياب 69 صوتًا في الاستشارات النيابية التي أجراها رئيس الجمهورية ميشال عون، والتي أفضت إلى تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة. وكان من أبرز الكتل التي سمت دياب؛ كتلة الوفاء للمقاومة التابعة لحزب الله والتنمية والتحرير، وتكتل لبنان القوي. ومع حجب تيار المستقبل الكتلة السنية الأبرز في البرلمان أصواته عن دياب، بدا أن رئيس الوزراء المكلف سيبدأ مهمته بدون غطاء سني في بلد يقوم نظامه على توافق الطوائف كلها.

دياب الذي حدد أهدافًا لحكومته التي لا يشارك فيها تيار المستقبل، تشمل تلبية مطالب المتظاهرين المطالبين بإصلاحات شاملة، مشيرًا أن التركيبة الحكومية الجديدة مكونة من اختصاصيين وذوي كفاءات ولا تتأثر بالأهواء السياسية، مضيفًا أنه وضع معايير محددة لفريق العمل الحكومي.

وعقب ساعات من تشكيل الحكومة تداولت وسائل الإعلام وبشكل مفاجئ؛ عن صدور تطمينات عن الجهات الرسمية المعنية بالاقتصاد والمال، والتي اعتبرتها الصحف اللبنانية تمثل «فصلًا مسرحيًّا» في سوق الاستهلاك السياسي والإعلامي، عبر إشاعة أجواء تفاؤلية على نحو يمثل «جرعة إسناد للحكومة الجديدة»، وأن شكوى اللبنانيين أصبحت تتزايد جراء استفحال الأزمة الراهنة.

في حين طغت التشاؤمية على صحيفة الأخبار المقربة من «حزب الله»، والتي ذكرت أن عددًا من البنوك اللبنانية أصبحت في حالة إفلاس غير معلنة، وأن مصرف لبنان المركزي بدأ في «مصادرة المبالغ المودعة بالدولار الأمريكي في البنوك» بصورة غير مباشرة.

ومع ذلك، أعلن رئيس الحكومة اللبنانية أن بلاده ستعلق دفع الديون المستحقة في 9 مارس (آذار)، مشددًا على أن «الدين أصبح أكبر من قدرة لبنان على تحمله وأكبر من قدرة اللبنانيين على تسديد فوائده». مشيرًا أن البلاد «ستسعى لإعادة هيكلة ديونها بما يتناسب مع مصلحتها الوطنية عبر خوض مفاوضات».

لا صوت يعلو فوق صوت «كورونا»

فرض الموضوع الصحي نفسه متقدمًا على كل الملفات الاقتصادية والمالية، وبات فيروس كورونا مصدر القلق الأكبر بالنسبة للمواطنين والسلطات الرسمية على حد سواء، لا سيما بعد اكتشاف أول حالة إصابة بالفيروس، في 21 فبراير (شباط) الماضي، من مواطنة لبنانية قادمة من مدينة قم الإيرانية ليكون لبنان ثالث دولة عربية تعلن تسجيل إصابات بالفيروس بعد الإمارات ومصر.

Embed from Getty Images

على خلفية تسجيل لبنان 368 حالة إصابة بالفيروس المستجد، ووفاة ستة أشخاص، وبعد أن أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء محمود الأسمر التعبئة العام وحالة الطوارئ الصحية في البلاد؛ قررت الحكومة اللبنانية في 26 مارس فرض إجراءات جديدة صارمة ضمن جهودها لمكافحة وباء كورونا، من بينها تمديد إجراءات الحجر الصحي المفروض في البلاد حتى 12 أبريل (نيسان)، وإغلاق جميع المتاجر والمعامل المنتجة والموزعة للمواد الغذائية يوميًا من السابعة مساء حتى الخامسة صباحًا، باستثناء الصيدليات ومعامل الأدوية والمخابز.

وتشير الأرقام أن من أصل 663 إصابة بـ كوفيد-19 في لبنان؛ أصيب 16 طفلًا بالفيروس، بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية. وذكرت ممثلة المنظمة في لبنان الدكتورة إيمان شنقيطي أن بيروت: «من أكثر المدن التي ينتشر فيها فيروس كورونا»، وهو ما دعا السفارة الأسترالية في لبنان لوضع خريطة لمناطق انتشار فيروس كورونا في لبنان ووزّعتها على رعاياها، من خلال تحديد ثلاث مناطق، فالمنطقة الحمراء يمنع الذهاب إليها والمنطقة البرتقالية يقتضي إعادة النظر بالذهاب إليها والمنطقة الصفراء يقتضى أخذ أقصى درجات الحذر.

تهاون في تطبيق الإجراءات.. كورونا تجتاح لبنان عبر المعابر

بسبب العامل الإيراني النشط في بعض المناطق السورية كطرطوس ‏واللاذقية وحمص، وكذلك بسبب حالة الإنكار التي مارسها النظام السوري، والتي تسهم إلى حد ما في انتشار وتفشي وباء كورونا، أعربت مصادر عسكرية لـ«ساسة بوست»، عن قلقها من تفشي المرض في صفوف النازحين السوريين الذين يقارب عددهم المليون، ومعظمهم خارج الرقابة الصحية اللبنانية.

وردًا على القول بأن المصادر المقلقة في لبنان هي المعابر البرية، قالت المصادر: «لا يقتصر الخوف من استيراد كورونا عبر مطار بيروت الدولي؛ بل المعابر الحدودية مع سوريا، حيث إن هنالك تهاونًا في تطبيق الإجراءات الاحترازية». لافتين إلى الحادثة التي وقعت قبل أسابيع عندما تحركت «حافلة ركاب تقل سوريين من بعلبك إلى سوريا، وعبرت الحدود اللبنانية بطريقة عادية، لكن مع دخولها الحدود السورية بينت الإجراءات الاشتباه بحالة كورونا».

ولفتت المصادر أن ما يثير القلق «أن هذه الحافلة توقفت مرارًا عند محال تجارية، واحتك ركابها بمواطنين وبعناصر أمنية من دون أن يعلموا بوجود إصابة بينهم، ولا نقطة مراقبة صحية للخارجين من لبنان إلى سوريا علمًا أن بعضهم يدخلون ويخرجون، وهم يتنقلون بحافلات كبيرة وهذا مصدر إضافي للقلق».

وتجدر الإشارة إلى أنه بعد مناشدات لوزارة الصحة من قبل بلدية القاع؛ أرسلت الوزارة سبعة أطباء إلى معبر القاع، لكن بعد الساعة العاشرة ليلًا لا يبقى فيه سوى الممرضين ويبقى المعبر خاليًا من الكمامات والقفازات ومن أدوات التعقيم.

لا مضاد فيروسات ولا جدارًا صحيًّا وقائيًّا!

جائحة كورونا المستجدة التي يواجهها القطاع الصحي، قد لا تأخذ البلاد إلى إعلان الطوارئ؛ بل قد تجعلها «أوروبا ثانية». فمستلزمات اختبار الكشف عن وباء كورونا فُقدت من المختبرات اللبنانية، معرضة حياة الملايين للخطر، لعدم القدرة على تشخيص الحالة وإثبات إصابتها.

Embed from Getty Images

بتحذير مفاجئ في مؤتمر صحافي، بيّن وزير الداخلية اللبناني محمد فهمي «احتمال الانزلاق نحو المجهول»، وذلك لعدم القدرة على احتواء فيروس كورونا، في حال لم يلتزم اللبنانيون بالإجراءات المعلنة لمنع تفشيه، إذ قال: «للأسف، لم يعد باستطاعتنا احتواء هذا الوباء، تخطينا الاحتواء، سننزلق نحو المجهول إذا لم تكن قناعة ذاتية من كل مواطن لتخطي الأزمة».

اختبار كوفيد-19 الذي كان محصورًا بمستشفى رفيق الحريري في البداية وتكلفته 316 ألف ليرة لبنانية؛ والذي طلب وزير الصحة حمد حسن من جميع المستشفيات الحكومية والجامعية في لبنان المباشرة بإجرائه، وبعض المختبرات لتنخفض تكلفته إلى 150 ألف ليرة لبنانية؛ لم يعد متوفرًا. فحوالي 1500 طلب فحص من مواطنين ذهبوا إلى مستشفى الحريري، ولم يُجرَ لهم الفحص بسبب النقص الحاد في المستلزمات.

وعلى مستوى الصحة الشخصية، يقول أحمد ناصر في تصريح لـ«ساسة بوست»: «في سرعة قياسية فُقدت الكمامات لكن اللافت أكثر أن أسعارها حلقت لتشبه أسعار الذهب، فتخطى سعر العلبة من خمسة دولارات لدى البعض إلى 20 دولارًا. كما وصل سعر العلبة في بعض الصيدليات إلى 38 دولارًا في غضون ساعات قليلة من الإعلان عن الحالة الأولى، الهلع أسقط اللبنانيين في الكورونا بلا كمّامات بعدما غرقوا في الكوارث النقديّة والماليّة والاقتصادية».

وجدير بالذكر، أنه في الأشهر الستّة الأخيرة، لم يستورد لبنان سوى 5% فقط من المستلزمات والمعدّات الطبيّة التي تحتاجها المستشفيات عادة لعمليّاتها اليوميّة، بما فيها أبسط المواد الضروريّة مثل مواد التعقيم والتطهير، والتجهيزات والمواد التي يحتاجها ذوو الأمراض المزمنة، وأجهزة التنفّس الاصطناعي الضروريّة لبعض حالات الكورونا، التي تبيّن لاحقًا أنّ 80% منها لا يعمل بسبب النقص في قطع الغيار المطلوبة لها، وهو أذان بدخول لبنان أزمة الكورونا بقطاع استشفائي هش وضعيف.

مخيمات اللاجئين والوضع الصحي الهش

يبذل اللاجئون السوريون قصارى جهودهم لحماية أسرهم من مرض «كورونا» بالحفاظ على أكبر قدر ممكن من النظافة للمخيم الذي يقيمون فيه، لكن مع عدم وجود ما يكفي من الصابون أو المال اللازم لشراء مُطهرات أو كمامات، لا يوجد ما يمكنهم القيام به.

العالم والاقتصاد

منذ 6 شهور
من المسؤول؟ دليلك لفهم أكبر أزمة اقتصادية يعيشها لبنان منذ الحرب الأهلية

يقول سليم برهان في حديثه لـ«ساسة بوست»: «أعطونا في مخيمات عرسال اللبنانية توعية، ووزعوا لنا كل واحد لوح صابون وهيدا ما يكفي، عم أروح على الصيدلية، الكمامة بأربعة وسبعة آلاف ليرة لبنانية، ما قدرتنا نجيب».

ويشير برهان أن المصادر شحيحة في المخيمات: «لا نجد ماء يكفي لغسل أيدينا بشكل منتظم، فنحن نحصل على الماء في المخيمات فقط عبر شاحنات، وإذا احتاج لاجئون دخول المستشفى فإنهم لا يستطيعون تحمل تكلفة الانتقال له أو تكلفة العلاج».

وتشعر الحكومة بقلق من وصول الفيروس إلى مخيمات اللاجئين السوريين والفلسطينيين في البلاد، حيث تحمل وكالات الأمم المتحدة مسؤولية الرعاية الصحية للاجئين. ومع إعلان محمد فهمي عدم استطاعة الحكومة اللبنانية احتواء كورونا؛ وجه خطابه للأمم المتحدة لتنسيق أعمالها مع المحافظين والقوى الأمينة لا سيما فيما خص موضوع اللاجئين، ونفى تخصيص مؤسسات معينة بالسماح لها بالعمل دون أخرى.

مصائب لبنان لم تأتِ فرادى.. كورونا وبطالة وعجز مالي

كانت البلاد على شفير الجوع منذ بداية العام، فالأرقام المتداولة كانت تفيد بتراجع أعمال الشركات التجاريّة بنسب تراوحت بين 70% و80% منذ بداية 2020، فيما كان إقفال المؤسسات وانضمام الشباب إلى صفوف العاطلين عن العمل سيّد الموقف. وبحسب بعض الإحصاءات، بلغت نسبة المؤسسات التي أقفلت جراء الأزمة حوالي 20%، فيما بلغت نسبة البطالة 40% وسط توقّعات ببلوغها مستوى 50%، فيما يُقدّر عدد الذين باتوا دون خط الفقر بعد الانهيار الاقتصادي الذي ضرب البلاد حوالي 1.3 مليون شخص.

ومع القفزة التاريخية لسعر الدولار وتحطيمه الرقم القياسي منذ 1992 مع بلوغه 2820 ليرة، وعجز الدولة عن ردع الزيادة؛ بات على المستوردين اللجوء إلى السوق السوداء لتأمين الدولار وفق سعر صرف بلغ في بعض الأحيان ضعفي سعر الصرف الرسمي. وبذلك، أصبح توفير المستلزمات الطبيّة على هذا النحو مسألة مكلفة وخاسرة بالنسبة إلى المستشفيات، خصوصًا أن الكثير من عمليّاتها يتم تسعيرها وفق جداول محددة بالاتفاق مع وزارة الصحّة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

تقول وزارة المال اللبنانية إن احتياطات لبنان بالنقد الأجنبي السائل لدى مصرف لبنان وصلت إلى 22 مليار دولار في يناير الماضي. وتوقعت انكماش الاقتصاد بحوالي 12% في 2020 تأثرًا بفيروس كورونا، كما لفتت أن التضخم بلغ ما بين 20 و25% في هذه السنة، ويضيف رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين فادى الجميل، إن القطاع الصناعي أصبح أمام «تحد مفصلي»، إذ لم يعد بالإمكان تحويل قيمة الاحتياجات من مواد أولية للصناعات التي لا تُصدّر. مشيرًا إلى أن القطاع يحتاج إلى 3 مليار دولار سنويًا من أجل تحقيق إنتاج يصل إلى 13 مليار، من بينها 10 مليار للأسواق المحلية و3 مليار للتصدير.

ويشير باسم مروي وزينة كرم في تقرير لهما في صحيفة «واشنطن بوست» أن من بين القطاعات الأكثر تضررًا من الأزمة؛ قطاع الأغذية والمشروبات، وهو عماد الاقتصاد اللبناني. ففي الشهور الأخيرة من عام 2019 أغلقت أكثر من 800 مؤسسة للأغذية والمشروبات، وفقد حوالي 25 ألف شخص – أو 17% من العاملين في القطاع – وظائفهم، وفقًا لتقديرات مختلفة. وفي يناير (كانون الثاني) أغلقت 200 مؤسسة أخرى، بحسب التقرير.

حتى على المستوى الدولي، خسر لبنان صوته في الأمم المتحدة للمرة الأولى، منذ تأسيس الأمم المتحدة في 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1945. إذ فقد لبنان حقه بالتصويت في الجمعية العامة بسبب امتناعه منذ عامين عن سداد ما يتوجّب عليه من اشتراكات، فالمبلغ المستحق على لبنان ضمن ميزانية المنظمة لعام 2019 يبلغ 1.31 مليون دولار أمريكي، في حين يبلغ المبلغ الأدنى العاجل لسحب تعليق التصويت 459 ألف دولار.

أما بالنسبة لسؤال كيف ستقضي لبنان على الجائحة؟ فالإجابة لا تكمن سوى في وصول «تدفقات دولية بأمطار نقدية لمواجهة الجائحة» التي هاجمت تقريبًا كل الدول على الكرة الأرضية. وطالما أنّ المسؤولين لا يملكون الإجابة المناسبة ولا بشائر عن أي مساعدات؛ سيحق للبنانيين وضيوفهم أن يقلقوا من هذا الأمر بالتوازي مع قلقهم من الذين لم يلتزموا بـ«خليك بالبيت».

عربي

منذ شهر
مترجم: هل ينقذ «كوفيد-19» النظام اللبناني؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد