فوجىء العديد من العرب خلال الأيام القليلة الماضية بتفجر الأوضاع بشكل غير مسبوق في قلب العاصمة اللبنانية بيروت وسط أنباء عن قتلى واشتباكات واعتصامات ومظاهرات لم تعتدها لبنان في السنوات القليلة الماضية.

نحاول هنا معرفة تفاصيل ما يحدث ومن يقف وراءه؟

 

طلعت ريحتكم

في شهر يوليو الماضي تكونت مجموعة على مواقع التواصل الاجتماعي تندد بالتعامل الحكومي مع مشكلة تكدس أكوام القمامة في العاصمة اللبنانية بيروت، وانتشر هاشتاج مميز يحمل نفس العنوان ساعد على زيادة الحراك المستاء من الحكومة اللبنانية التي لم تأخذ أي تحركات جادة تجاه المشكلة التي أخذت تزداد يومًا بعد يوم.

ومشكلة القمامة في بيروت تعود إلى انتهاء عقد الحكومة اللبنانية مع شركة “سوكلين” المختصة بجمع القمامة في بيروت ومنطقة الجبل. الحكومة اللبنانية لم تتعاقد مع شركة أخرى لتولي المهمة نتيجة الخلافات السياسية التي تجعلها غير قادرة على اتخاذ القرارات وبالتالي بدأت القمامة بالتكدس في أكوام كبيرة.

مشكلة النفايات ظهرت بوضوح شديد في أعقاب وصول “المطمر” المخصص لاحتواء معظم قمامة البلاد إلى سعته القصوى.

مجموعة أو حركة أو تجمع “طلعت ريحتكم” حمل هذا الاسم في إشارة إلى روائح الفساد التي باتت تفوح في العديد من الملفات والمجالات.

الاحتجاجات على موضوع القمامة بدأ يتطور تدريجيًا ويتحول إلى حركة احتجاجية شملت مجالات أخرى للفساد أو التقصير الحكومي مثل مشكلة الكهرباء والمرتبات، وجدير بالذكر أنه كانت هناك 6 فعاليات لحملة “طلعت ريحتكم” قبل التظاهرات الأخيرة التي شهدتها العاصمة بيروت.

 

 

الأحداث الأخيرة

ودعت حركة “طلعت ريحتكم” إلى التظاهر يوم السبت 22 أغسطس الماضي للتظاهر ضد الحكومة اللبنانية نتيجة تفاقم أزمة القمامة في شوارع العاصمة بيروت واحتجاجًا على ما يرونه فسادًا في القطاع الحكومي.

التظاهرات التي كانت من المفترض أن تركز على أزمة القمامة تغيرت مطالبها بشكل ملحوظ عن التظاهرات الستة السابقة. المظاهرات تحولت للمطالبة بإسقاط الحكومة وحل مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات وفق قانون انتخابي عادل.

المظاهرات أيضًا تحولت بشكل سريع إلى اشتباكات مع قوات الأمن عندما حاولت الأخيرة فض التظاهرات بالقوة. الاشتباكات استمرت لأكثر من ساعتين استخدمت فيها قوات الأمن خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي بالإضافة إلى إطلاق الرصاص الحي في الهواء.

تركزت التظاهرات في ساحة رياض الصلح والشوارع المحيطة بها، وما ساعد المتظاهرين على البقاء لفترة أطول كان تمكنهم من جر قوات الأمن لعمليات كر وفر مما ساعد على انضمام المزيد من المحتجين والعودة للساحة من جديد.

الاشتباكات تسببت في سقوط أكثر من 100 مصاب في صفوف العسكريين والمدنيين على حد سواء.

أحد منظمي “تجمع طلعت ريحتكم” قال أنه لم يكن من المفترض أن يصل الأمر لهذا الحد خصوصًا وأنها مظاهرة سلمية تتكرر كل عدة أيام، لكن استخدام قوات الأمن للعنف أوصل الأمر إلى القرار بالبقاء في الساحة حتى محاسبة المسؤولين الذين أعطوا الأمر بإطلاق النار.

 

 

اعتصام رمزي

وكان المتظاهرون قد قاموا بنصب خيمتين رمزيتين في ساحة الصلح في أعقاب هدوء الاشتباكات للدلالة على بقاء النشطاء في الساحة حتى تحقيق مطالبهم.

وقال أحد منظمي التجمع أن المتظاهرين أنفسهم هم من قاموا برفع سقف المطالب إلى حد إسقاط النظام، وأن هذا الأمر لم يكن ضمن مطالب “تجمع طلعت ريحتكم” لكن التجمع أصبح يتبناه الآن.

وعادت المظاهرات لتتجدد يوم الأحد لليوم الثاني على التوالي وصاحبها أيضًا اشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين، مما دفع قوات الجيش اللبناني للانتشار مساء يوم الأحد في العاصمة بيروت لإنهاء أعمال الشغب التي شابت الاشتباكات.

وكعادة مثل هذا النوع من المظاهرات في أنحاء الوطن العربي فقد اتهمت المجموعة المنظمة متظاهرين وصفوهم بالمندسين بافتعال أعمال الشغب مع القوى المدنية وتكسير المحال التجارية وذلك بغرض إفشال تحركهم السلمي.

ووصل إجمالي عدد المصابين في اشتباكات اليومين الماضيين إلى 400 مصاب طبقًا لما ذكره الصليب الأحمر اللبناني.

وقامت حملة “طلعت ريحتكم” بتأجيل التجمع الذي كان مقررًا أمس الإثنين إلى موعد لاحق “لإعادة تقييم وترتيب المطالب والاستماع للناس وما تقوله” مع تأكيدها على استمرار الحراك وعدم توقفه.

 

 

الحكومة

وفي أمر اشتباكات يوم السبت وما آلت إليه الأحداث، فقد اتهمت قوات الأمن المتظاهرين باستخدام العنف ضدها مما دفعها للرد بالمثل ليتطور الأمر إلى اشتباكات بين الطرفين.

وقد أكد وزير الداخلية اللبناني الموجود خارج البلاد أنه طالب بوقف إطلاق النار بشكل فوري في أعقاب سماعه بالأنباء مؤكدًا إلى أن كل من أعطى الأوامر بإطلاق النار ستتم محاسبته.

ونظم رئيس الوزراء اللبناني يوم الأحد تمام سلام مؤتمرًا صحفيًا خاصًا بالأحداث حيث أكد أن حكومته تتفهم أسباب الاحتجاجات التي تعصف بالبلاد قائلًا ” نحن نحمي حق التظاهر ونتفهم أسباب الاحتجاجات وستكون هناك محاسبة”.

سلام أشار إلى أن ما يحدث في لبنان هو تراكم لقصور تعيشه البلاد منذ مدة طويلة، مضيفًا أن الحلول السحرية أو الجذرية أو العجائبية غير موجودة، نحن مقبلون على وضع مالي قد يذهب بلبنان إلى تصنيفه من الدول الفاشلة، لن أكون شريكا في هذا الانهيار وليعرف جميع المسؤولين ذلك”.

وبالنسبة للمطالبات باستقالة سلام فقد أشار رئيس الوزراء إلى أنه “عندما أرى أن صبري بدأ يضر بالبلد سأتخذ القرار المناسب، لم يكن هدفي يوما السعي وراء المناصب، والقوى السياسية تتحمل جميعها المسؤولية عما يحدث في لبنان”.

 

 

خيار ثالث

تأتي الميزة الكبيرة لهذا الحراك السياسي في الشوارع من قبل اللبنانيين كونه بمثابة “خيار ثالث” في لبنان التي تعيش وسط حالة استقطاب حاد بين فريقين مما يعد تطورًا سياسيًا غير مسبوق.

لم يكن يتصور أحد في لبنان أن تكون القمامة سببًا في خلق “ميدان” للبنانيين بعيدًا عن حالة الصراع بين النخب السياسية في لبنان والذي أدى لفراغ منصب رئيس الجمهورية منذ شهور طويلة خصوصًا في أعقاب الأزمة السورية وانقسام السياسيين اللبنانيين بين الفريقين المتصارعين في سوريا.

غريب جدًا أن تكون القمامة رمزًا لمدى “العفن” الذي اعترى البلد السياحي الجميل مثلما يرى المتظاهرون حتى باتت كلمة “النفايات السياسية” مصطلحًا دارجًا على ألسنة اللبنانيين.

عدد من المحللين السياسيين يرى أن الشعب اللبناني يحاول الآن الخروج مما يطلق عليها اسم ثنائية 14 و8 آذار التي بات لبنان أسيرًا لها على مر سنوات كثيرة.

مشكلة القمامة كانت انعكاسًا واضحًا لعدم قدرة الحكومة على اتخاذ أبسط القرارات التي تتعلق بشكل واضح بالخدمات التقليدية للمواطنين وسط حالة من الانقسام السياسي الشديد وفي غياب ممارسة السلطة التشريعية لدورها في المسائلة.

الجديد في الحراك الذي تقوم به “طلعت ريحتكم” أنه الممثل لما يسمى “الأكثرية الصامتة” البعيدة عن الاستقطاب السياسي والطائفي الحاد الذي تعيشه لبنان.

 

 

أزمة الفريقين

المشكلة السياسية في لبنان تتجلى بوضوح أيضًا في عدم القدرة على انتخاب رئيس للجمهورية طوال أكثر من عام وعلى مدى 26 جلسة للبرلمان نتيجة عدم اكتمال النصاب القانوني في ظل غياب غالبية أعضاء المجلس وخصوصًا من قبل فريق 8 آذار.

هذا الأمر أحدث فراغًا كبيرًا في السلطة في لبنان امتد ليشمل حكومة تمام سلام التي لم تستطع البت في الكثير من المواضيع الهامة ومن بينها مشكلة القمامة.

قوى 14 آذار التي تشمل تيار المستقبل وحزب الكتائب، تحمل مسئولية الفراغ السياسي الذي يشهده لبنان منذ مايو 2014م إلى حزب الله وحليف ميشال عون أو ما يعرف بقوى 8 آذار بسبب تعطيل الأخيرة المستمر للنصاب القانوني الذي يسمح لمجلس النواب بانتخاب رئيس جديد للبلاد.

نتيجة لذلك قام مجلس النواب في الشهر الجاري بالتمديد لقيادات أمنية وعسكرية على رأسها قائد الجيش “جان قهوجي”، هذا الأمر أشعل الصراع بين القوتين السياسيتين من جديد.

بعض المحللين السياسيين في لبنان يرى أن هناك فئة من قوى 8 آذار كانت جاهزة لتوظيف الاحتجاجات على تفاقم أزمة القمامة في محاولة للضغط على حكومة سلام بغية إحداث شلل تام بالبلاد.

هذه الفئة تريد الضغط على الحكومة كي تستقيل ويتم اتهام رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون بأنه وراء التحرك بعد فشله سابقًا بحشد المتظاهرين في الشارع.

 

 

مع وضد

رئيس تيار المستقبل سعد الحريري دعم موقف تمام سلام ودعوته لتفعيل عمل الحكومة ومعالجة الأزمات العاجلة مثل مشكلة القمامة.

رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع حذر من استقالة الحكومة كما دعا المحتجين للبقاء في ساحة الشهداء بوسط بيروت لحين الضغط على أعضاء مجلس النواب من أجل انتخاب رئيس جديد للبلاد لتسقط الحكومة بعدها وتتم انتخابات برلمانية جديدة.

المصادر

تحميل المزيد