ابتهج رجل لبناني كان يقود سيارته الفارهة من ماركة «الرينج روفر» في منطقة البقاع اللبنانية، وهو يسمع الإذاعة المحلية تتحدث عن اقتراح حكومي لتشريع زراعة الحشيش في لبنان، ذاك الاقتراح الذي كان ضمن مجموعة من الاقتراحات لحل أزمة لبنان الاقتصادية.

رفع الرجل أكثر من سرعة سيارته التي كانت تمر في طريق على جانبيه حقول ضخمة زرعت بالحشيش، فيما قليلها زرع بالخضروات، كانت تدور في رأسه الكثير من الأفكار حول مصير المنطقة التي اشتهرت بزراعة هذه النبتة، لم تكن تهمه دوافع الحكومة لتحسين الاقتصاد المنهار ولا قراءات الاقتصاديين حول جدوى هذا التشريع، إنما يهمه ألا يلاحق قانونيًا كمزارع للحشيش وأن يصدر عفو عام عن المنطقة، وألا تبقى البقاع منطقة خارج القانون، فهل ينضم لبنان قريبًا لقائمة من قننوا الحشيش؟

لبنان يقترب من تشريع زراعة الحشيش

لن أقرأ هذا الهراء، أنا اقترحت هذه الفكرة قبل زمن طويل. لسنا ملزمين بدفع مليون ونصف المليون دولار للوصول إلى نتيجة مفادها أن علينا أن نشرع الحشيش

هكذا اعترض عضو البرلمان اللبناني، وليد جنبلاط، أبرز المؤيدين لتشريع الحشيش على استعانة الحكومة اللبنانية بشركة «ماكينزي» للاستشارات الاقتصادية التي قدمت اقتراحًا حول تشريع زراعة الحشيش في لبنان ضمن دراسة كلفت بها لمواجهة تدهور الاقتصاد اللبناني.

رجل يعمل في صناعة الحشيش (المصدر : رويترز)

وفيما تُرك الشارع اللبناني خلال الأيام القليلة الماضية يتسابق على الإدلاء بردود ساخرة، نال الاقتراح الذي قدمه فريق الشركة الاستشاري في يوليو (تموز) الجاري إلى الرئيس اللبناني ميشيل عون، ثقلًا حين صدَّق وزير الاقتصاد المؤقت رائد خوري على الخطة، إذ قال الرجل الذي يوصف بأنه «عراب دراسة ماكينزي»: «أرض لبنان تنتج نوعية جيدة جدًا من الحشيش يُمكن أن يُستخدم في تصنيع زيت القنب الذي هو زيت طبي، مطلوب وغالي الثمن. وبالتالي يمكن أن يدرّ ذلك مئات الملايين من الدولارات على الدولة».

ويهدف هذا التشريع لخلق إيرادات إضافية للخزينة اللبنانية العامة، إذ يقول الداعمون له إن الدولة ستحصل على ملايين الدولارات من الاقتطاعات الضريبية على صادرات الحشيش، بعد أن تشرف على تصديره إلى الدول التي تستخدمه في الصناعات الطبية، إذ تتميز نبتة الحشيش اللبناني بخصائص وبتركيب كيميائي فريد، مما يتيح إمكانية استخدامها لأغراض طبية.

فعلى سبيل المثال، في مساحة السهل في بعلبك الهرمل التي تقع في البقاع اللبناني هناك 600 ألف دونم، أي 600 مليون متر مربع يمكن زراعتها بالحشيش، تؤمن زراعة 100 ألف دونم من الحشيش للمزارعين 50 مليون دولار سنويًا، أي 500 دولار عن كل دونم، وقد وصل تدهور الأمور الاقتصادية في لبنان لأن تصبح نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 153%، وانخفض النمو الاقتصادي من 9% إلى حوالي 2% بعد الحرب السورية.

كما أن لتشريع الحشيش أهداف داخلية دفعت رئيس مجلس النواب نبيه بري لإعلانه السعي إلى تشريع زراعة الحشيش لأهداف طبية، يقرأها الصحافي اللبناني منير الربيع فيقول: «عمل بري على امتصاص نقمة البقاعيين (أهل البقاع)، وتقديم أفضل الوعود لهم، وما كانوا يحلمون به منذ سنوات، وهو تشريع زراعة الحشيشة وإشراف الدولة على إنتاجها وشرائها والتكفل ببيعها لأغراض طبية. هكذا، حقق بري جملة أهداف في مرمى جميل السيد. أولاً، على صعيد الإنماء وإعادة التفاف البقاعيين حوله، مع عزمه على إحياء ذكرى السيد موسى الصدر في بعلبك، بالإضافة إلى تشريع الحشيشة، وإنشاء مجلس للبقاع على غرار مجلس الجنوب».

ويضيف في موقع «المدن» اللبناني: «لخطوة تشريع الحشيشة أبعاد أخرى. إذ سيتم إسقاط مئات مذكرات التوقيف بحق بقاعيين يعملون في زراعة الحشيشة وبيعها. مما يشكّل مقدّمة لإطلاق سراح عشرات الموقوفين بهذه التهم. وبذلك يكون بري قد حقق بقاعيًا أكثر بكثير مما هو متوقع».

ولم يكن الاقتراح بجديد، فقد سبق وأن قدم وبقي في أدراج الدولة، يقول المحامي توفيق الهندي أن قانون المخدرات رقم 673، يشرع منذ العام 1998 زراعة الحشيش لأغراض طبية وصناعية، وأوضح أن القانون نص على: «ارتباط الترخيص بمزاولة هذه الزراعة بوزير الصحة، على أن تعطى الرخصة لسنة واحدة قابلة للتجديد، ولا تعطى سوى لمؤسسات الدولة والمعاهد العلمية، ومراكز البحوث العلمية المعترف بها والتي يستدعي اختصاصها استعمال المخدرات. إضافة إلى أصحاب معامل التحاليل الكيماوية أو الصناعية أو الجرثومية أو الغذائية، وأصحاب المحال والمصانع المسموح لها بصنع الأدوية التي يدخل في تركيبتها. وإلى الصيدلي أو لشخصية معنوية يشترك صيدلي في تسييرها أو في إد ويرىارتها».

وفي المادة 16 من هذا القانون «أجير الترخيص باستخدام المواد لأغراض غير طبية أو علمية، وهو استثناء اعتبر أنه يفتح الباب على اجتهادات واسعة» حسب الهندي. وبالرغم من أن التشريع في حالة إقراره، سيترافق مع ضوابط قانونية، إلا أن البعض يشكك في قدرة الدولة اللبنانية وأجهزتها على ضبط هذا الأمر الذي سيغري الكثير لزراعته بغية تحقيق أرباح ضخمة. هؤلاء أن خطر  تشريع الحشيش أكبر من منافعه، فحسب الاقتصاديين، فإن زراعة الحشيش إن تم تشريعها فستساهم بنسبة 0.5% من إجمالي الناتج المحلي.

يقول الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة أن: «مدخول المزارعين من الحشيشة سيكون متدنيًا جدًا، وكأي مردود لأي زراعة أخرى، أما الإفادة ستقتصر على عدد محدود من التجار الذين سيؤمن لهم غطاءً سياسيًا، علماً أن الاستنسابية ستكون سيدة الموقف على اعتبار أن الحكومة ستحدد الأراضي التي يتم زراعتها بالحشيشة من الأخرى».

ويرفض عجاقة خلال حديثه لـ«ليبانون ديبايت» التسويق لنظرية أن تشريع الحشيش هو باب لمحاربة الفقر في البقاع، «فمليار دولار هو رقم مشكوك فيه، لأن التهرب الضريبي في لبنان موجود بشكل كبير، لدرجة أن ضبط التهرب الضريبي بشكل جدي يمكّن الدولة من تحصيل مداخيل بقيمة تفوق 5 مليار دولار. فالدولة مع التهرب الضريبي وكلفة ضبط الزراعة وتصديرها ستكون خاسرة» بحسب قوله.

البقاع.. أرض النفوذ والحشيش

«توافق هذه العائلات بالكامل على الخطة، إنها خطوة جادة في اتجاه إصلاح الاقتصاد اللبناني»، هذا ما قاله قاسم طليس ممثلاً عن عائلة في البقاع اللبناني. ويرجع طليس هذا القبول لكون المنطقة المشهورة بزراعة الحشيش تعاني من الإهمال الحكومي منذ عقود، حيث دفع فقر سكانها للجوء للعمل في تجارة المخدرات، تحت مسؤولية مجموعة من العائلات ذات النفوذ في البقاع، تسيطر على هذه الزراعة بقوة السلاح ونفوذ الثروة المتراكمة على مدار السنين،و يجني مصدرو الحشيش إلى الخليج وأوروبا وأفريقيا وأمريكا الشمالية من 175 إلى 200 مليون دولار سنويًا.

حقول القنب في البقاع اللبناني (المصدر: أ ف ب)

فيما ينتج البقاع اللبناني مئات الأطنان من الحشيش سنويًا، فدونم واحد من الحشيش يباع مقابل من 10 آلاف دولار أمريكي إلى 15 ألفًا، وقد يصل إلى 30 ألف دولار بعد حملات الإتلاف التي تقوم بها الأجهزة الأمنية، حيث اعتادت الحكومة اللبنانية القيام بحملة إتلاف واسعة للحشيش منتصف كل صيف، وكان الكثير من المزارعين على دراية بالتوقيت، وتجنبًا للملاحقة والإتلاف عكفوا على جني المحصول وتخبئته في أماكن سرية بناء على تسريبات تصلهم.

ولم تكن مواجهة القوى الأمنية اللبنانية سهلة، فحين كانت ترسل الجرافات والعربات المدرعة لإتلاف محاصيل الحشيش، كانت تقع اشتباكات مع المزارعين المسلحين ببنادق هجومية وقذائف صاروخية، ويعتبر القانون اللبناني زراعة الحشيش جريمة جنائية تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة.

ويعد مناخ منطقة البقاع فريدًا في زراعة الحشيش (القنب الهندي)، فمناخ هذه المنطقة حار جدًا في النهار، ومنخفض جدًا في الليل، وهو طقس يجعل هذا النوع من الزراعة ذات نوعية مميزة، وتتم زراعة الحشيش في فصل الربيع، ويتم حصادها في سبتمبر (أيلول)، ويجري بعد ذلك تجفيف النبتة تحت أشعة الشمس لمدة ثلاثة أيام، قبل أن تبرد ثم يتم طحنها.

لكن الأمور تغيرت بعد اندلاع الاحتجاجات السورية، فما تبعها من صراع عسكري فرض تغيرات على أولويات القوى الأمنية اللبنانية، ومنذ عام 2012 توقفت الحملة عن زراعة الحشيش، بذريعة نقص العناصر الأمنية لدى قوى الأمن الداخلي وانشغال الجيش بمكافحة الإرهاب وعدم توافر القرار السياسي، ومن المفارقة أن حزب الله الذي رحّل اليد العاملة اللبنانية الشيعية العاملة إلى سوريا للقتال، دفع بدلًا منهم النازحين السوريين للعمل في مزارع الحشيش، حيث تضطر أسر سورية لاجئة للعمل بسبب ظروفها المادية القاسية.

هل سيستفيد حزب الله من تشريع زراعة الحشيش؟

بين مزارع الحشيش في البقاع اللبنانية، تُرفع على لوحات إعلانية صور مقاتلين قضوا خلال تأديتهم «الواجب الجهادي»، هذه المنطقة هي مربع نفوذ قوي لميليشيا حزب الله اللبناني الذي يجند هؤلاء للقتال في سوريا، بعد أن أصبح السلطة الوحيدة الباقية في البقاع إثر انسحاب القوات السورية من لبنان.

تنشط زراعة الحشيش في البقاع بعد أن أصبحت عصية على الحكومة اللبنانية بدعم من العشائر والحزب، كما تشكل قرى مدينة القصير التي تقع تحت سيطرة الحزب منذ عام 2013 منطقة تدر أموالاً طائلة عليه، بعد أن استولى على أراضٍ ومزارع زرع فيها الحشيش ويجري تصديره إلى دول الخارج، ويعتمد الأخير على هذه الزراعة كمصدر ثالث في تمويله، بعد الدعم الإيراني، وأموال التبرعات من مؤيديه في أفريقيا وأمريكا الجنوبية.

فالحزب الذي صنفه الكونغرس الأمريكي كمنظمة لتجارة الممنوعات والمخدرات في العالم ضالع في إنتاج المخدرات والاتجار بها، حتى أنه خرج بزراعته خارج حدود لبنان إلى الأراضي السورية بعد مشاركته في الصراع العسكري هناك، وحول صناعة الحشيش إلى مصدر تمويل ذاتي له، بما يتضمن ذلك الصناعات الموازية، مثل الكيبتاغون والترامادول، والمخدرات التي تلقى رواجًا في سوق الحرب السورية، فزبائنه من قوات النظام ومن مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أيضًا.

وفي أمر تشريع الحشيش في لبنان، ربطت الإدارة الأمريكية الاقتراح بموقفها من حزب الله، فاعتبرت الإدارة الأمريكية أن التشريع عملية ذكية جدًا من قبل الحزب للالتفاف على قانون العقوبات المفروض عليه، وأكدت أنه في حال إقرار القانون سيكون الحزب هو المستفيد الأكبر من عمليات تجارة المخدرات التي ستدر عليه مبالغ طائلة، إذ ترى هذه الإدارة أن الحزب وإيران يكرسان تجارة المخدرات بديلًا عن العقوبات على النفط.

ويعتقد المراقبون أن العقوبات الأمريكية الأخيرة ضد حزب الله، على الأرجح موجهة لاحتواء «الطور الإجرامي» للحزب الذي أصبح عضوًا في أندية المافيات العالمية، فالعقوبات هدفها الإمساك بقنواته المالية بهدف ترويضه على الأقل، بعد أن امتد نفوذه من فنزويلا وكولومبيا إلى المكسيك والولايات المتحدة.

(المصدر: الجارديان البريطانية)

لكن على النقيض، هناك من يتوقع أن يواجه التشريع معارضة شرسة من الحزب، لكونه يعتمد على منطقة البقاع المنتجة له كخزان شعبي يجند شبابها في صفوف القتال، وذلك على اعتبار أن من مصلحة الحزب أن تظل المنطقة فقيرة كي يسهل جذب شبابها إلى القتال في صفوفه، فالحزب في المحصلة يهدف إلى تحويل إنتاج الحشيش إلى عملية صناعية ذات جدوى اقتصادية مرتفعة تنفعه وحده في إدرار أموال تدعم تدخلاته العسكرية في المنطقة.

المصادر

تحميل المزيد