تتوالى الأحداث في لبنان؛ فلا يكاد يمر يوم دون أن تسمع خبرًا صادمًا من «باريس الشرق»، كما كانت تسمى! فلم يعد من المستغرب أن تسمع برجل غزا الشيب لحيته وهو يجلس على عتبة داخل المسجد يقرأ القرآن، بينما أنبوب التنفس مثبت على أنفه، وموصول بآلة أكسجين أمامه؛ للاستفادة من توفر الكهرباء من أجل تشغيل آلة أكسجين يحتاجها بسبب إصابته بمرض الربو، وَسْط تقنين قاس في ساعات الإمداد بالتيار؛ إذ ينقطع لمدة تصل إلى 20 ساعة يوميًا.

أو ترى رجلًا يصيح في الشارع «ابنتي لمدة ستة أيام حرارتها 40» مستغيثًا للحصول على دواء، بعد أن دخلت البلاد في أزمة صحية حذّرت فيها نِقابة «مستوردي الأدوية» من نفاد مخزون مئات العقاقير الدوائية، واحتمال نفاد مئات أخرى خلال شهر يوليو (تموز) الحالي، في ظل تزايد التوقعات باحتمال رفع الدعم الحكومي عن قطاع الدواء في البلاد.

هذا البلد الذي يئن على سرير الإنعاش، لم يتحرك سياسيوه بحلول جذرية لإنقاذه، فجميع الحلول المقترحة من قِبَلهم كانت كالأدوية المهدئة، ومستوردة من الخارج، فعلى سبيل المثال: مع ارتفاع أسعار المحروقات للمرة الثالثة خلال 10 أيام، يعود الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله، بمقترح جلب ناقلات نفط إيرانية بهدف إنقاذ لبنان من أزمة المحروقات التي يمر بها.

أسوأ الانهيارات الاقتصادية في العالم

يعيش لبنان تحت وطأة واحد من أسوأ الانهيارات الاقتصادية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر؛ فحسب شهادات محلية إنّ الوضع المزري الذي يمر به لبنان حاليًا لا يصلح للعيش فيه، فمجرد مروحة تعمل بالبطارية تباع اليوم في بيروت بمليون و400 ألف ليرة، أي: ما يعادل ألف دولار، وهو نفس المبلغ الذي يتقاضاه الموظف اللبناني ذو الدخل المتوسط خلال شهرين.

Embed from Getty Images

وبدأت الأزمة الاقتصادية في البلاد منذ الربع الأخير من عام 2019 بهبوط حاد في سعر صرف الليرة أمام الدولار، والبدء في سحب مدخرات وودائع من القطاع المصرفي بالنقد الأجنبي، وبات أكثر من نصف السكان على الأرجح يرزحون تحت خط الفقر الوطني؛ إذ يعاني الجزء الأكبر من القوى العاملة التي تحصل على أجورها بالليرة اللبنانية من انخفاض القوة الشرائية، وفق تقرير البنك الدولي.

وأثرت هذه الأزمة على الخدمات الأساسية للسكان، مثل الكهرباء، وإمدادات المياه، والصرف الصحي، والتعليم. مع وجود عدد أكبر من الأسر غير قادرة على تحمل تكاليف البدائل الخاصة؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى آثار طويلة المدى، مثل: الهجرة الجماعية، والتسرب من التعليم، وتهديد الصحة، وفقدان المسكن، وسيكون من الصعب للغاية معالجة الأضرار الدائمة.

عودة إلى الأهالي في بيروت، يشير أحد الأهالي «محمد عودة» في حديثه لـ«ساسة بوست»، إلى أنّ الطعام ارتفعت أسعاره إلى أكثر من أربعة أضعاف عن العام الماضي، وباتت من الصور المألوفة لدى المارة في الشوارع رؤية أشخاص يرقدون في سياراتهم قرب محطات البنزين للحصول على كميات ضئيلة من الوقود.

هذا البعد من الأزمة اللبنانية يجعل من وضع لبنان وضعًا فريدًا من نوعه مقارنة بأزمات عالمية أخرى، فتقول منظمة «اليونيسيف» التابعة للأمم المتحدة: إنّ «أكثر من 30% من أطفال لبنان ناموا جِياعًا في شهر يونيو (حزيران) 2021، لعدم حصولهم على عدد كاف من وجبات الطعام، كما أنّ 77% من الأسر لا تملك ما يكفي من غذاء، أو مال لشراء الغذاء، وترتفع هذه النسبة بين الأسر السورية إلى 99%».

ووفق تقرير المنظمة العالمية فإنّ 60٪ من الأسر يضطرون إلى شراء الطعام بالدَّين، ولا يستطيع 30٪ من الأطفال الحصول على الرعاية الصحية الأولية التي يحتاجونها، وتأثرت نحو 76٪ من الأسر بالزيادة الحادة في أسعار الأدوية، ويخرج طفل من بين كل 10 أطفال للعمل في لبنان، في حين 15٪ من العائلات توقفت عن تعليم أطفالها.

من يعطّل الحل؟

كلمة الانفجار باتت مألوفة لدى الجميع حين تُذكر مع لبنان، ليس تعبيرًا فقط عن حدث المرفأ، ولكن المصطلح بات يتداوله ساسة البلاد بشكلٍ كبير من أجل التعبير عن الوضع، واستجلاب الدعم الدولي لإنقاذه؛ فقد عاد رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب ليكرر أنّ بلاده وشعبه على شفير الكارثة، ولكن هذه المرة حذر من زوال لبنان.

ومن أبرز أسباب تأخر تشكيل الحكومة اللبنانية، وفق خارطة الطريق التي وضعها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، تشبث «التيار الوطني الحر» – الذي يقوده جبران باسيل، ويشكّل حلفًا مع «حزب الله»، والرئيس اللبناني – بالثلث المعطّل في الحكومة، وهو ما يرفضه الحريري باعتباره سيطرة على الحكومة ومصادرة لقرارها، من وجهة نظره.

و«الثلث المعطل»، يعني حصول فصيل سياسي على ثلث عدد الحقائب الوزارية في الحكومة؛ ما يسمح له بالتحكم في قراراتها وتعطيل انعقاد اجتماعاتها، وهو ما تنفيه الرئاسة اللبنانية، حسب قولها. وهنا يعتقد مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، أن كلًا من جبران باسيل، والرئيس عون، يتمسكان بالثلث المعطّل للحكومة الجديدة؛ لأن رغبة باسيل الشخصية هي التأكد من أنه رئيس لبنان المقبل.

ولكن على المستوى الشعبي فهناك رواية مختلفة حين سئل المواطنون: «لماذا لا توجد حكومة حتى اللحظة؟».

يقول المدرس في قضاء زحلة، رستم أبو عون: إنّ «طرفي الصراع السياسي في البلاد، سعد الحريري، وحسن نصر الله، هم من يعمقّون أزمة الفراغ السياسي في البلاد؛ فبعد تغلغل «حزب الله» في مفاصل البلاد، وكسب تأييد الأحزاب الأخرى، مثل: حزب التيار الوطني، أكبر الأحزاب المسيحية في البلاد، لن يترك لبنان لقمة سائغة للحريري».

بينما يصرّ الحريري على عدم تشكيل حكومة تحت مسوغ «الثلث المعطّل»، في انتظار قرارٍ دولي لبسط سلطته على البلاد، وتحييد «حزب الله» والشخصيات السياسية الموالية له، وهذا لن يحصل حتى يشعر المجتمع الدولي بأنّ لبنان انفجر، وأن هذا الحدث سيؤثر على المنظومة الدولية بشكلٍ أو بآخر، حسب ما يرى «أبو عون».

أما على المستوى الاقتصادي، فتعتقد الباحثة في الاقتصاد النقدي، والسياسات المالية، والأزمات الاقتصادية، ليال منصور إشراقية، خلال حديثها لـ«ساسة بوست»، أنّ هنالك أمرين يعطّلان إنعاش لبنان من الأزمة الاقتصادية بعيدًا عن السياسية، الأول وجود «جهل رهيب» متفشٍّ بين النخب الاقتصادية المتحكمة في البلد، ومن حولهم.

وتتابع «ليال»، ثمة «فرق كبير بين المرض وبين الإنعاش: في المرض تأخذ دواءً، وتوجد خيارات في أنواع الأدوية، بينما في الإنعاش ما عندك حل، كلهن نفس الحلول»، والأمر الآخر، هنالك جهة مستفيدة – بحسبها – من تعطيل الحلول الاقتصادية، كالبنك المركزي اللبناني؛ وذلك لاستمرار النهب والفساد، حسب وصفها.

خيارات لبنان الاقتصادية

المحاضِرة في الاقتصاد بالجامعة اللبنانية الأمريكية «LAU»، والتي تشغل منصب أستاذًا زائرًا بجامعة جورج واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2016، الدكتورة ليال منصور، عرضت على «ساسة بوست» مشروع الحل الذي اقترحته على النخب الاقتصادية والبرلمانية في لبنان عام 2020 من أجل إنقاذ الوضع الاقتصادي، والذي لم يتجاوب معه أحد حتى اللحظة، بحسبها.

وتتحدث ليال عن إجراءات، أهمها: دمج بعض المصارف، أو حتى خروج بعضها من السوق؛ تمهيدًا لاستعادة الثقة، وإعادة تدفق الدولارات من الخارج، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى خيارين، الأول الذي لا تفضله هو:  تحرير العملة، أو ما يسمى «تعويم الليرة»، وهنا وحسب ليال ستكون كارثة أشبه بالحرب؛ لأن سعر صرف الدولار سيتصاعد أمام الليرة اللبنانية إلى أرقام خيالية قد تصل إلى مليون ليرة أمام الدولار الأمريكي الواحد.

وفي حال طبق هذا القرار، ستذهب لبنان نحو مرحلة فوضى، تفضي إلى جرائم نصب، وقتل، وانتحار، وكأن المواطن يعيش في غابة، ولا سيما أنّ البلاد بلا سلطة أو حكومة. أما الخيار الثاني، والذي ترجحه الباحثة، فهو: الضبط الكلي لليرة، فأزمة لبنان لا يمكن مقارنتها بأزمة قبرص، أو اليونان؛ لأن عملة البلدين لم تنهر، بل على العكس كانت قوية، فأزمة البلدين الأوروبيين كانت مصرفية بحتة.

وعليه ترى ليال، وبناءً على أنّ لبنان بلد «مدولر»، أي: يستعمل الدولار الأمريكي أكثر من العملة المحلية، وأن البنك المركزي منذ 10 سنوات لم يستطع أن يستعيد الثقة، وارتفاع التضخم إلى 84.3% عام 2020، وفق بيانات البنك الدولي، فإن الحل هو الذِّهاب نحو تحرير العملة الوطنية، لتصبح عملةً دولاريةً محلية، كون البلد والمواطنين مهيئين للتخلي عن هذه العملة، وإلغاء البنك المركزي في البلاد، والذي يستغل الدولة ومصارفها، وإعطاء استقلالية للمصارف الأخرى وللمؤسسات الاقتصادية.

ويتلخص هذا الحل، بابتاع  الـ«Currency Board»، إذ تعتمد على تثبيت سعر الصرف من خلال تأمين غطاء باحتياطي العملة الصعبة لمجمل الكتلة النقدية المتداولة، وإلغاء صلاحية المصرف المركزي بطبع الليرة اللبنانية، وترى الباحثة أن هذا الحل يساهم في إعادة الثقة عالميًا، وتأهيل سوق مالي جديد في لبنان، في المقابل سيلغي، أو يخفض لدرجة كبيرة الهدر، والفساد، والتهريب، ويجلب الأموال والاستثمارات الأجنبية، كما حدث في الأرجنتين عام 1992، وبلغاريا، وإستونيا. وتقول ليال منصور لـ«ساسة بوست»: «هناك مفاوضات فرنسا من تحت الكواليس، أو وراء الكواليس مع جهات لم تسمها لتطبيق هذا القرار بشكل عاجل غير آجل».

المستفيد الخفي من الأزمة الاقتصادية

أشارت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أنّ أزمة الوقود في لبنان سببها جزئيًا تهريبه إلى سوريا، فيما يقف الجيش اللبناني عاجزًا عن وقفه، وسط مطالبة محلية له بإطلاق معركة «فجر الحدود»، إذ عثر الجيش على بعض الجسور وأغلقها في الأسابيع الأخيرة، لكنها لا تكفي لوقف تجارة البنزين غير المشروعة، في الوقت الذي تعيش فيه سوريا أزمة وقود لم يسبق لها مثيل.

التهريب على طول حدود 250 ميلًا ليس بالأمر الجديد؛ لأن كلا الجانبين يهربان المخدرات، والأسلحة، والمواد الغذائية، والبشر، ومع ذلك فإن الجهود المبذولة لمنع تهريب البنزين إلى سوريا لم تكن ناجحة مثل الجهود السابقة لمنع جميع أنواع التهريب الأخرى.

وفي أبريل (نيسان) 2021 صرح وزير الطاقة بالوكالة، ريمون غجر، بأنّ فرق أسعار الوقود بين سوريا ولبنان يعني أن المهربين حققوا أرباحًا أعلى في سوريا المجاورة، واتهم وزير الخارجية الأسبق، جبران باسيل، أجهزة أمنية، ونوابًا، وسياسيين بالانخراط في شبكات وعمليات التهريب.

وأما البنك المركزي اللبناني، فقد أعلن في يونيو 2021 أنّ واردات البنزين عام 2021 زادت فعليًا بنسبة 10٪ مقارنة، بالفترة نفسها من عام 2019، متكهنًا بأن التهريب هو سبب النقص المتزايد الذي يواجهه المستهلكون.

ومن المستبعد أن تفلح قرارات رفع أسعار الوقود في لبنان، التي توالت ثلاث مرات خلال 10 أيام، في إلجام حركة التهريب النشطة إلى سوريا، وفي آخر تسعيرة لبنزين أوكتان 95، الأكثر شعبية، حُددت الصفيحة (20 لترًا) بـ71 ألفًا و600 ليرة لبنانية، وفي اليوم نفسه أصدر النظام السوري تسعيرة جديدة للنوع نفسه من البنزين، ليصبح الليتر الواحد بــ3 آلاف ليرة سورية.

وفي مقارنة سريعة للفارق الهائل في الأسعار، والذي يسبب استمرار حركة التهريب بين لبنان وسوريا، يظهر أن سعر اللتر المدعوم من بنزين «أوكتان 95» في لبنان 0.20 دولار أمريكي، بينما في سوريا – إن اعتمدنا سعر الدولار الواحد بـ3250 ليرة سورية – يكون سعر اللتر المدعوم من بنزين «أوكتان 95» 0.92 دولار أمريكي، أي أن السعر المدعوم للبنزين في سوريا أكثر من أربعة أضعاف نظيره في لبنان.

باختصار قد تستمر عملية نقص الوقود في البلدين، وتتفاقم من وقت لآخر، وكمؤشر على فشل الحكومتين: حكومة النظام السوري، والحكومة اللبنانية، فإن سعر البنزين سيرتفع أكثر فأكثر، وبما أن أنظمة البلدين غير قادرة ماليًا على تلبية طلب المستهلكين؛ ما جعل شعبيهما يتشاركان في طوابير طويلة، فسيستمر مسلسل التهريب في حلقة مفرغة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد