منذ انفجار مرفأ بيروت في 2020 شهد الشأن اللبناني عدة أزمات متتالية كان منها الاضطراب السياسي في المنطقة بعد استقالة حكومة حسان دياب عقب الانفجار، والفشل المتعاقب في جهود تشكيل حكومة جديدة توزع فيها الحقائب الوزارية على الطوائف والأحزاب المختلفة؛ مما وضع الاقتصاد على حافة الهاوية، لعدم وجود حكومة لفترة طويلة تأخذ على عاتقها التحدي الاقتصادي.

واصل الاقتصاد اللبناني تدهوره؛ وضعفت قدرة السكان في الحصول على السلع الأساسية من طعام وشراب، بعدما خسرت الليرة اللبنانية كثيرًا من قيمتها وزادت مستويات التضخم بطريقة غير مسبوقة.

تطورات «الأزمة الاقتصادية» في لبنان

منذ عام 1997 اعتمد الاقتصاد اللبناني على تدفق منتظم للدولار الأمريكي؛ إذ عمل البنك المركزي على ربط الليرة اللبنانية بالدولار على سعر 1507.5 ليرة؛ إلا أن تباطؤ النمو الاقتصادي في العشر سنوات الأخيرة وانحسار التحويلات قد أدى في النهاية إلى تقلص كمية الدولارات المتداولة في الداخل اللبناني لتعاني منذ عام 2019 من انقطاع الدولارات عن السوق، وما تبع ذلك من أزمة خانقة في البلاد.

تشير «بي بي سي» في تقرير لها في يونيو (حزيران) 2021 أن الأغنياء ذاتهم لم يعودوا بمأمن بعد تطورات الأزمة الأخيرة؛ إذ أدى تهاوي الاقتصاد اللبناني إلى تراجع سعر الليرة اللبنانية بشدة أمام الدولار الأمريكي، في بلدٍ يعتمد على الواردات ويستورد حوالي 80% من احتياجاته من الأسواق العالمية.

وبحسب تقرير لـ«فورين بوليسي» عن الشأن اللبناني في أبريل (نيسان) 2021، كان هناك على الأقل أربعة أسعار صرف مختلفة لتحويل الليرة اللبنانية إلى الدولار، وهو ما أدى إلى صراع يومي عبثي – وفقًا للصحيفة – بعدما فقدت الليرة قيمتها بشكلٍ حاد في السوق المفتوحة. 

إلى جانب ذلك مُنع اللبنانيون من سحب الدولارات المودعة في البنوك منذ 30 مارس (آذار) 2020؛ إذ تقرر السحب بالليرة اللبنانية بسعرٍ أقل بكثير من سعر السوق، وهو 3900 ليرة للدولار، في حين أن السعر خارج البنوك قد وصل في الشهور التي سبقت ذلك إلى 11 ألف ليرة للدولار، ويعاني اللبنانيون من أزمة طاحنة في ظل أسعار الصرف المتعددة وعدم كفاءة وفساد النخبة السياسية، بحسب الصحيفة.

في الواقع تعد الأزمة الاقتصادية اللبنانية الأخيرة، واحدة من أسوأ الأزمات التي شهدها العالم منذ القرن التاسع عشر، وفقًا لصحيفة «NPR» الأمريكية، خاصةً بعدما عمدت البنوك إلى تجميد عمليات السحب؛ إذ انهارت الطبقة الوسطى في العاصمة بيروت، ونفذت الأدوية من الصيدليات، وتوقفت إشارات المرور عن العمل في العاصمة، هذا إلى جانب حجم التضخم الهائل الذي أثر بشكل غير مسبوق على أسعار السلع الأساسية. 

أما الرواتب، فأصبحت بعد التطورات الأخيرة تساوي أقل بكثير مما كانت عليه سابقًا بعدما فقدت قوتها الشرائية، وهي الأزمة التي طالت حتى بعض الأغنياء في أحياء الطبقة العليا، وذلك بحسب روث شيرلوك وهي صحافية أمريكية تعيش في العاصمة بيروت؛ إذ تشير إلى أنه أثناء مرورها على أحد أحياء الطبقة العليا، وجدت العديد من سيارات المرسيدس والـ«BMW» أمام كنيسة تقدم مساعدات غذائية، في حين ينتظر راكبي تلك السيارات الفارهة الأرز وزيت الطهي، تمامًا مثل أبناء الطبقات الدنيا، في حدث غير مسبوق، وتقول الصحافية «فما بالك بالفقراء الذين أصبحوا أكثر فقرًا؟»

بحسب منظمة «اليونيسيف، 70% من اللبنانيين الآن ليس لديهم ما يكفيهم من طعامٍ أو حتى المال الكافي لشرائه. *«NPR News»

وبحسب شيرلوك، يعد السبب الرئيس وراء اصطفاف سيارات الأغنياء من أجل المساعدات الغذائية، هو صعوبة الوصول إلى مدخراتهم الدولارية، بعدما جمدت البنوك اللبنانية السحب الدولاري، وبالتالي لم يستطع هؤلاء الوصول إلى ثرواتهم. مُشيرة إلى أن الأغنياء نتيجة لذلك أصبحوا فقراء جدد بحسب تعبيرها.

أما الصيدليات فرفوفها فارغة، بحسب شيرلوك؛ إذ لا يوجد بها حتى أبسط مسكنات الآلام، هذا فضلًا عن انهيار البنية التحتية للبلاد، وأزمة انقطاع التيار الكهربائي المتكرر، ونقص الوقود، أما الجيش اللبناني فيعتمد اليوم على المساعدات الخارجية لتوفير الغذاء لقواته، حتى أنه قد أعلن في الآونة الأخيرة عن تقديم رحلات مروحية للسياح في طائرات الجيش، أملًا في الحصول على بعض الدولارات الأمريكية، في إشارة على مدى تردي الوضع. 

أرقام صادمة.. هذا ما يمكنك شراؤه بـ«100 دولار» 

في يونيو الفائت وافق البرلمان على نظام البطاقة التموينية الذي يمنح أكثر من 500 ألف أسرة فقيرة حوالي 93 دولارًا شهريًا لمدة عام، وهو المشروع المقدر بحوالي 556 مليون دولار ويهدف إلى استبدال نظام الدعم. 

لكن إن كان نظام الدعم الجديد يحدد ما يقرب من 100 دولارًا للأسرة الواحدة شهريًا، فما الذي يمكن أن تفعله في لبنان بهذا المبلغ في ظل تزايد الأسعار بشكلٍ جنوني والارتفاع الهائل في مستويات التضخم؟

يشير مراسل الشرق الأوسط لصحيفة «التليجراف»، كامبل ماكديارميد في 16 يونيو 2021، إلى أنه بعد زيارته للحانة الواقعة في المربع السكني الذي يعيش فيه ببيروت، قال له النادل إنه لن يتمكن في الفترة القادمة من إعداد مشروبه المفضل الذي يتكلف حوالي 27 دولارًا أمريكيًا، كما أكد أن قيمة وجبة المأكولات البحرية في مطعم شعبي قريب من البحر قد تجاوزت 20 دولارًا، فما الذي وصلت إليه تكلفة المعيشة في العاصمة اللبنانية بيروت حقًا الآن؟ قمنا في «ساسة بوست» بسؤال عينة من المواطنين اللبنانيين الذين يعيشون في العاصمة، ومن خلال إجاباتهم توصلنا للأرقام التقريبية عن هذا السؤال.

/

 

المصادر

تحميل المزيد