في لبنان لا يختلف الوضع السياسي كثيرًا عن نظيره الاقتصادي، فمثلما احتاج مجلس النواب 45 جلسة ليتمكن من انتخاب رئيس جمهورية للبلاد، احتاجت الحكومة 12 عامًا لإقرار موازنة جديدة، تحمل الكثير من الآمال والتطلعات، ورغم أن أرقام الموازنة أثارت جدلًا واسعًا بين أوساط الاقتصاديين، يرى الجميع أن مجرد إقرار الموازنة أخيرًا يعد بارقة أمل، قد تعود بعدها الحياة لاقتصاد البلاد.

«محطة لإعادة الانتظام الحقيقي للمالية العامة»، هكذا وصف وزير المالية اللبناني علي حسن خليل، هذه الخطوة، وهذا الوصف في الواقع منطقي جدًّا، ولا يحمل أي جانب من المبالغة، خاصة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى الاحتجاجات الشعبية التي تكاد لا تتوقف مؤخرًا، ولكن على كلٍّ لا تختلف هذه الموازنة كثيرًا عن غيرها من الموازنات العربية التي تقرها حكومات المنطقة في الوقت الحالي.

في 27 مارس (آذار) الماضي، أقر مجلس الوزراء اللبناني، موازنة 2017 -الأولى في البلاد منذ 12 عامًا- بدون الكشف عن تفاصيل، إذ كانت آخر موازنة في لبنان عم 2005، وتعتمد لبنان منذ هذا الوقت على نفس الموازنة، إذ بلغت عشرة تريليونات ليرة لبنانية (6.6 مليار دولار)، فيما تصل النفقات الجارية بالوقت الحالي نحو 24 تريليون ليرة لبنانية (15.9 مليار دولار).

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أصدر صندوق النقد الدولي تقريرًا طالب فيه لبنان بتعديل مالي مستدام ومتوازن، إذ حذر التقرير من عبء الديون العامة، التي وصلت في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، إلى 112.375 تريليون ليرة (74.5 مليار دولار)، بحسب تقرير صادر عن جمعية المصارف في لبنان (خاصة).

وبحسب الدستور اللبناني كان يجب أن يتم إقرار الموازنة قبل ثلاثة أشهر من انتهاء السنة، إلا أن الأزمة السياسية واحتدام المشاكل بين الأطراف اللبنانية حال دون إقرارها طيلة السنوات، وضمن المهلة المحددة بالدستور، وينص القانون على أن يقدم وزير المالية اللبناني مشروع الموازنة إلى مجلس الوزراء قبل أول سبتمبر (أيلول) مشفوعًا بتقرير يحلل فيه الاعتمادات المطلوبة، والفروقات المهمة بين أرقام المشروع، وبين أرقام موازنة السنة الجارية، ثم يقر مجلس الوزراء مشروع الموازنة في صيغته النهائية، ويودعه السلطة التشريعية (مجلس النواب) ضمن المهلة المحددة في الدستور.

ملامح الموازنة الجديدة

جاءت ملامح الموازنة حسبما ذكر وزير المالية اللبناني، علي حسن خليل، بعجز كبير بلغت نسبته 8.7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2017، مقابل 9.3% بآخر سنة مالية، فيما بلغ حجم الإنفاق المقدر نحو 23.670 تريليون ليرة (15.7 مليار دولار)، وإيرادات 16.384 تريليون ليرة (10.9 مليار دولار)، ونمو متوقع 2%.

وتشكل خدمة فوائد الدين العام المقدرة بنحو 76 مليار دولار نحو 40% من نفقات البلاد، وفي حال إضافة، دعم الكهرباء والرواتب ستصل النسبة إلى 72% من الإنفاق العام، توزعت الإيرادات بين 79.5% للإيرادات الضريبية، و20.5% للإيرادات غير الضريبية، في حين تقدر الإيرادات الضريبية بـ13400 مليار ليرة (8.86 مليار دولار)، أي 16.3% من الناتج المحلي.

ويرى خبراء اقتصاد، أن إقرار الموازنة سيؤمن الانضباط المالي الغائب منذ سنوات طويلة، ارتفع خلالها الدين العام بشكل مبالغ، إذ يقول غازي وزني، الخبير الاقتصادي، إن «موازنة عام 2017 ليست إصلاحية أو تقشفية أو إنمائية، بل هي الخطوة الأولى والأساسية للتحضير لموازنة 2018».

جاسم عجاقة، الخبير الاقتصادي، نظر إلى الأمر من زاوية أخرى، وهي تتلخص في أن «إقرار الموازنة يُقفل الباب أمام مكامن الهدر والفساد».

يقول وزني: «معدل النمو متواضع جدًّا، كما أن عناصر النمو ترتكز على السياحة والصادرات نحو أسواق المنطقة، وهي اليوم شبه متوقفة في الوقت الحالي، فضلًا عن أن تحقيق هدف الاستثمارات لن يتحقق سوى مع وجود استقرار سياسي».

معضلة تقليص الإنفاق

«النجاح في إنفاق أقل قدر من الأموال»، دائمًا ما تكون هذه الجزئية هي معضلة الموازنات بشكل عام، ولكن الأمر في لبنان ربما يكون أصعب كثيرًا، كما أن إصلاح الإنفاق يحتاج إلى المزيد من الوقت، إذ تعد أبرز بنود النفقات، هي الرواتب والأجور المقدرة بـ 8700 مليار ليرة (5.75 مليار دولار)، وخدمة الدين العام بمقدار 7100 مليار ليرة (4.69 مليار دولار)، وتحويلات مؤسسة كهرباء لبنان بمقدار 2100 مليار ليرة (1.4 مليار دولار).

هذه البنود تستحوذ على نحو 72.6% من إجمالي الإنفاق، في وقت لا تتجاوز النفقات الاستثمارية المقدرة بنحو 2.6% من الناتج المحلي، ورغم صعوبة خفض هذه البنود، إلا أن لويس حبيقة الخبير المالي، يرى أن البلاد تحتاج لخفض الإنفاق بما نسبته 10% لإحداث وفر مالي، وذلك عن طريق إعادة هيكلة الإنفاق، ومكافحة الفساد والتهرب الضريبي.

الحكومة من جانبها ترى أن موازنة 2017، ارتكزت على الحد من الهدر عبر تخفيف النفقات على اعتمادات المواد الاستهلاكية لكل الوزارات بقيمة 20%، إلى جانب خفض اعتمادات بند التجهيزات بقيمة 25%، لكن هذا الأمر بحسب المحللين غير كافٍ للحد من النفقات، إذًا ما هو الحل؟

هل الحل في فرض ضرائب جديدة؟

تكاد تنحصر أغلب إن لم تكن كل الحلول العربية لزيادة الإيرادات في فرض ضرائب جديدة، وكذلك الحال في لبنان، ولكن ربما لا يسمح وضع اقتصاد البلاد الحالي بهذه الخطوة، بل إن فرض ضرائب جديدة سينال كثيرًا من نسبة النمو المتدنية في الأساس.

وزير المالية علي حسن خليل، من جانبه، شدد على دور الإدارة الفاعلة في تحسين طرق تحصيل (الضرائب)، بما يخفف من وطأة تراكم العجز، قائلًا إن الموازنة لم تشر إلى أي ضريبة تطال الطبقات الفقيرة أو ذوي الدخل المحدود، معربًا عن جاهزية وزارته لإعادة النظر ببعض الإجراءات الضريبية التي أقرها البرلمان الشهر الماضي، وكان أبرزها الضريبة على الدخل TVA التي ارتفعت من 10 إلى 11%.

في المقابل، يرى حبيقة، أن الوضع الاقتصادي في البلاد متعثر، والحل ليس في فرض ضرائب جديدة، محذرًا من أنه إذا فرضت ضرائب جديدة قد يصبح النمو صفرًا.

وكان البرلمان اللبناني قد وافق على فرض 27 ضريبة جديدة على عدة مستويات، وذلك تحديدًا يوم الأربعاء 15 مارس (آذار) الماضي، خلال الجلسة المسائية التي انعقدت برئاسة نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري.

الضرائب الجديدة المفروضة تضمَّنت زيادات مختلفة، أهمها رفع معدل الضريبة على القيمة المضافة من 10% إلى 11%، وهي الضريبة الأهم والأكثر تأثيرًا، والتي ستقود غالبية المنتجات تقريبًا إلى ارتفاع أسعار استهلاكها.

الوضع الحالي للاقتصاد اللبناني

يعتبر الدين العام اللبناني من أكبر المشاكل الاقتصادية التي تواجه لبنان، إذ ارتفع 36 مليار دولار خلال 11 عامًا من عدم إقرار الموازنة، وسجل الدين العام 38.5 مليار دولار في عام 2005، ليرتفع إلى 74.54 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 كذلك، وذلك وفقًا لتقارير اقتصادية رسمية.

وكان تقرير البنك الدولي توقع أن يزيد الدين العام اللبناني في الأعوام المقبلة ليصل إلى 154,1% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2016، و157.3% في 2017، و159.7% في 2018.

وتفاقمت، معاناة الاقتصاد اللبناني في السنوات الأخيرة، إمَّا لأسبابٍ داخلية، وإما لأخرى خارجية؛ وتعتبر الحرب الأهلية اللبنانية، والتي انتهت منذ حوالي 26 عامًا، أحد أهم الأسباب الداخلية التي ما زالت تُلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي اللبناني، والتي على إثرها انهارت البنية التحتية الاقتصادية اللبنانية.

بينما تمثل الأزمة السورية واللاجئون السوريون، أحد أبرز الأسباب الخارجية المؤثرة في الاقتصاد اللبناني؛ إذ يوجد حوالي 1.1 مليون لاجئ سوري مُسجَّل داخل لبنان؛ مما أدى إلى زيادة التوتر الداخلي، وتباطؤ النمو الاقتصادي؛ إذ تراجع معدَّل النمو إلى نسبة تترواح بين 1 إلى 2% فقط خلال الفترة من 2011 وحتى 2015، وذلك بعدما وصلت في السنوات الأربعة السابقة لهذه الفترة إلى حوالي 8%.

الجدير بالذكر أن قيمة الليرة اللبنانية انخفضت بآلاف الأضعاف منذ حوالي ثلاثة عقود فقط؛ وكانت البداية مع الحرب الأهلية، إذ وصلت معدلات التضخم إلى أرقام خيالية، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى فترة الحرب وتأثيرها، والتي يبدو أنها، وبعد حوالي ربع قرن من نهايتها، ما زالت تلقي بظلالها على الاقتصاد اللبناني.

ويبقى السؤال هل يساعد إقرار موازنة 2017 بعد انقطاع نحو 12 عامًا، في إعادة اقتصاد لبنان إلى مساره الصحيح؟ أم أن البلاد ستبقى أسيرة هذا التدهور الاقتصادي مدة أطول؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد