أعادت أحداث «خلدة» إلى ذاكرة اللبنانيين عصور الحرب الأهلية التي استمرت نحو 15 عامًا، لا سيما أنّ أسبابها ومجرياتها لم تختلف عما يجري الآن، في ظل فوضى سياسية وانهيارٍ تام على مستوى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، دون استطاعة الزمرة الحاكمة الوصول إلى حل نهائي.

ولبنان – الذي لم يعرف الاستقرار على مدى عقود – يعيش في القرن الحادي والعشرين مرحلة دائمًا ما يكرر سياسيوه أنها باتت على شفا الانفجار الذي قد يشكل «قنبلة تصدم الشرق الأوسط بأكمله» – حسب ما صرح به رئيس الحكومة المكلف حديثًا، نجيب ميقاتي، خلفًا لرئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري، والذي فشل في تشكيل الحكومة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2020.

ويبدو أنّ «ميقاتي» واجه أول تحدٍ جدِّيٍّ مع اندلاع أحداث «خلدة»، مع أنه استبق جميع الأحداث قبيل التكليف بجملة قال فيها: إنّه «لن يستطيع إخماد الحريق، لكنه سيمنع انتشاره» – بحسبه. وهي عبارة يراها بعض المتشائمين مؤشرًا على أنّ الأزمات مستمرة، وتشكيل الحكومة قد يصبح تحصيل حاصل أمام مشاكلها المعقدة.

«خلدة» الأزمة المتجددة دون حل

بداية التوتر في مدينة «خلدة» الساحلية – على بعد 12 كيلومترًا جنوب العاصمة بيروت – والمحاذية للضاحية الجنوبية معقل «حزب الله»، ترجع إلى أغسطس (آب) 2020، حينما سقط قتيلان، أحدهما الطفل حسن زاهر غصن (14 عامًا)، وعدد من الجرحى، خلال اشتباك وقع بين عدد من شبان مناصرين لتيار المستقبل، ومجموعة من مناصري «حزب الله» اللبناني على خلفية تعليق لافتة عاشورائية قبيل الاحتفال الذي تعقده الطائفة الشيعية بمناسبة ذكرى «عاشوراء».

واتهمت عائلة غصن علي شبلي، أحد مسؤولي «سرايا المقاومة» التي أسسها «حزب الله» في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1997، بالوقوف وراء مقتل ابنها، نتيجة اشتعال محله في المنطقة «سنتر شبلي» على خلفية الاشتباكات التي حصلت بسبب اللافتات.

وبدأت سلسلة مفاوضات لحل الخلاف، وفوّض أهالي غصن رئيس اتحاد العشائر العربية، جاسم العسكر، للتفاوض باسمهم مع «حزب الله»، وبحسب الصحف اللبنانية وافق الحزب على شروط أهل الضحية بمغادرة شبلي منطقة خلدة لمدة ثلاث سنوات، بعدما كانوا يطلبون أن يغادرها لـ12 عامًا، مقابل تعويض الحزب لشبلي عن أضراره.

ولكن مطالبة أهالي الطفل بتسليم شبلي للقضاء دفع المتفاوضين إلى الانسحاب، وبقيت القضية معلقة حتى ليلة السبت 31 يوليو (تموز) 2021، عندما اقتحم أحمد شقيق الطفل عرسًا بمنقطة الجيّة – على بعد 17 كيلومترًا عن خلدة – يحضره شلبي، المتهم من قبلهم بقتل أخيه، وأطلق عليه النار وتركه قتيلًا في عملية ثأرية.

خلقت عملية الثأر حالة توتر بين منطقتي الضاحية الجنوبية وخلدة، لا سيما بعد تشييع أنصار شلبي له، وتعرض موكبهم لإطلاق نار سقط خلاله خمسة قتلى وعدد من الجرحى، عرف منهم صهر شلبي، الدكتور محمد أيوب، والمسؤول في حزب الله علي بركات، وعلي حوري، وحسام العالق.

إلّا أنّ عشائر خلدة أصدرت بيانًا توضيحيًا، وهذه العشائر عائلات على ثلاثة أقسام، أكبرها وأقدمها يعود وجوده إلى ما قبل 80 عامًا، وجرى تجنيسهم بقرار من الأمير مجيد أرسلان، ومنها عائلات آل غصن، أهل الطفل القتيل، وشقيقه الذي نفذ عملية الاغتيال في العرس، والقسم الثاني عرب المسلخ، القادمون من منطقة المسلخ بعد مجزرة الكرنتينا التي حدثت عام 1976 أوائل الحرب الأهلية اللبنانية، وأكثرهم من عشيرة الزريقات الممتدة إلى سوريا، ومنها عائلات آل زهران 1976، ومنهم فلسطينيون، وأرمن، وأكراد، والقسم الأخير هم «النور» الرُّحل.

عودة للبيان، اعتبرت العشائر انتقامهم بمهاجمة موكب التشييع، وقتل صهره وعدد آخر من أقاربه، جاء بعد ما قامت به عناصر من «حزب الله» المرافق للموكب بتمزيق صورة جدارية للطفل غصن، وإطلاق النار بشكلٍ عشوائي، في حين عدّت العشائر عملية رد الثأر «حق طبيعي» بعد مرور عام على حادثة مقتل الطفل، محملةً القضاء اللبناني التداعيات بسبب عدم استدعاء شبلي ومقاضاته.

رد «حزب الله» جاء على مستويين، الأول كان بيانًا أطلق فيه الحزب على شبلي لقب «الشهيد المظلوم»، والآخر كان من خلال تعليق حسن فضل الله، النائب عن «حزب الله» في البرلمان اللبناني على أحداث خلدة، معتبرًا ما حدث «تصرف عصابات يمكن للحزب أن ينهيها في خمس دقائق».

ذكرى تفجير بيروت.. غياب دولة القانون

ساهمت أحداث «خلدة» وتزامنت تفاصيلها مع الذكرى السنوية لـ«بيروتشيما» – مصطلح أطلق على انفجار مرفأ بيروت تشبيهًا بما حصل لمدينة هيروشيما – الذي حدث في الرابع من أغسطس (آب) 2020، في إعلان أهالي ضحايا الانفجار الحكومة اللبنانية ومسؤوليها أنّهم انتهوا من مرحلة السلمية.

وقال المتحدث باسم أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت، إبراهيم حطيط: إنّ «أمام المسؤولين 30 ساعة؛ ليروا ماذا يريدون أن يفعلوا بمسألة الحصانات والأذونات»، مؤكدًا أن توجههم هو إعلان التحدي «فلا تطلبوا منا ضبط الشارع في الرابع من آب؛ فلسنا موظفين عندكم».

ما حصل في حادثة المرفأ، وحادثه «خلدة»، وقبلها حادثة مقتل الصحافي المعارض لـ«حزب الله»، لقمان سليم، وغيرها من الحوادث تشترك جميعها في وصولها إلى المحاكم اللبنانية، ولكن دون نتائج مثمرة في التحقيقات، أو  صدور حكم نهائي في هذه القضايا؛ وذلك ما سبب أزمة بين الشارع اللبناني ومؤسسات الدولة.

وأكد ذلك التقرير الصادر مؤخرًا عن «منظمة العفو الدولية»، والذي ذكرت فيه أنّه بعد عام على انفجار بيروت المدمِّر، السلطات اللبنانية «تعرقل مجرى العدالة بوقاحة»، مضيفًا أن السلطات «تلكأت في تحقيقها برغم الحملة المتواصلة التي قام بها الناجون وأسر الضحايا من أجل العدل والمساءلة الجنائية».

وفي هذا السياق يرى منتقدو حزب الله في لبنان أن الحزب متحكم في الدولة، ومن ثم فإن أي مشكلة يكون طرفًا فيها تتعطل قضائيًا، ولا تصل إلى نتيجة مرضية تعزز هيبة القانون، وأن وجوده باعتباره قوة مسلحة داخل الدولة يجعل الآخرين يتسلحون هم أيضًا في ظل غياب دولة القانون على الجميع.

مرحلة أخذ الحق باليد

كشف تقرير نشره «مرصد الأزمة في الجامعة الأمريكية في بيروت» في يونيو (حزيران) 2021 عن تراجع لبنان في مؤشر الدول الفاشلة، بين عامي 2020 و2021، تراجع لبنان ستة مراكز في الترتيب العالمي بين عامي 2020 و2021؛ إذ بلغ تراجعه خلال خمس سنوات 36 مركزًا؛ ليصبح ترتيبه عام 2021 بين الـ34 دولة الأكثر فشلًا، من أصل 179 دولة يشملها التصنيف.

كما صنف مؤشر السلام العالمي لسنة 2021، لبنان في المرتبة 15 (من أصل 20) في الشرق الأوسط، ووفقًا للتقرير الذي يصدر عن «معهد لندن للسلام والديمقراطية»، احتل لبنان المرتبة 146 عالميًا، ويعتمد تقرير مؤشر السلام العالمي الذي يشمل 163 دولة، على ثلاثة معايير رئيسة، هي أولًا مستوى الأمن والأمان في المجتمع، ثانيًا الصراع المحلي والعالمي، ثالثًا درجة التزود بالقوة العسكرية.

وفي أحدث إحصاء صادر عن الجريمة في لبنان يظهر ارتفاعًا في نسب الجرائم في البلاد؛ إذ سجلت جرائم السلب نسبة زيادة نحو 147%، فيما ازدادت سرقة السيارات بنحو 113%، ووصل عدد جرائم القتل في الربع الأول من عام 2021 إلى 32 قتيلًا، مقارنة بـ22 قتيل في الفترة نفسها من عام 2020، في ارتفاع بلغ 45.5%.

وتقول المحاضِرة في الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأمريكية «LAU»، والتي تشغل منصب أستاذ زائر بجامعة جورج واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2016، الدكتورة ليال منصور لـ«ساسة بوست»: إنّ الانهيار الاقتصادي غالبًا ما تظهر نتائجه على الشعب، والحكومة جرت اللبنانيين للاعتقاد أنّ الدولة لا وجود لها، والمرحلة الحالية هي مرحلة اعتلاء الفوضى، وغياب النظام؛ مما شكل حالة عصيان نحو الالتزامات، وأخذ الحق باليد، ورفض القرارات الحكومية.

نفس الموقف يؤيده الصحافي، كبريال مراد، فيرى أنّه ضرورة ملحة في البحث عن الضالعين والمتسببين في أحداث «خلدة»، فالمتهم بالنسبة إليه «واضح وصريح، أي: الدولة اللبنانيّة بأجهزتها القضائيّة والأمنيّة، وفعاليّاتها الحزبيّة والسياسيّة، والتي ارتضت بقاء الملف «فالت» دون محاسبة وعدالة. تتلكّأ الدولة فيحلّ منطق الدويلات».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد