يقضي الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» أحمد سعدات في سجن «ريمون» الإسرائيلي حكمًا بالسجن مدة 30 عامًا، وبينما تمر سنوات اعتقاله التي بدأت عام 2006، حين اختطف من سجن أريحا الفلسطيني؛ يخترق اليسار الفلسطيني هدوءه العسكري بعمل مقاوم نوعي.

فالرجل الذي ما زال يقود أبرز فصيل يساري فلسطيني يؤمن أن جدار الترهل اليساري لم يعق عمليات الجبهة ضد الاحتلال الإسرائيلي إطلاقًا، بل يعي كغيره أن فصيله الذي اعتمد على الكفاح الثوري العالمي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وخطف الطائرات وقام بعمليات عابرة للإقليم، عليه إن أقدم على ضرب إسرائيل أن يحدث وجعًا نوعيًا يميزه عن غيره من التنظيمات الفلسطينية. لذا كانت آخر ضرباته عملية مستوطنة «دوليف» في أغسطس (آب) الماضي، والتي غيرت خارطة المقاومة الفلسطينية من الطعن والدهس وإطلاق النار إلى وضع عبوات ناسفة في أماكن محكمة أمنيًا من قبل الإسرائيليين.

عملية «دوليف».. اليسار الفلسطيني حاضر ويضرب بقوة

في وقت سيطرت فيه عمليات الطعن والدهس وإطلاق النار على أساليب المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل، تمكن مقاومين فلسطينيين يوم 23 من أغسطس 2019، من زرع عبوة ناسفة أمام مدخل مستوطنة «دوليف» القريبة من مدينة رام الله وسط الضفة الغربية.

زرع المقاومون هذه العبوة يدوية الصنع، وانسحبوا من المكان بسلام، ثم فعلوها عن بعد عشرات الأمتار. هذه العملية التفجيرية التي لم تشهدها إسرائيل منذ سنوات تسببت في مقتل مستوطنة وإصابة اثنين آخرين، ووصفت بأنها من العمليات الأفضل تنظيمًا والأكثر إعدادًا.

وعلى عكس العمليات السابقة التي كانت تتمكن فيها إسرائيل بسرعة من اتهام فلسطينيين بالوقوف ورائها، اقتربت المخابرات الإسرائيلية من نحو الشهر، وهي عاجزة عن معرفة من الذي يقف وراء عملية مستوطنة «دوليف»، حتى أعلنت في 28 سبتمبر (أيلول) 2019 أن أربعة مقاومين من «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، هم من يقفون وراء تلك العملية، وأن من تزعم هذه الخلية المنظمة، القيادي في الجبهة سامر العربيد، خبير تصنيع المتفجرات.

وفي التفاصيل، وضع العربيد وهو أسير سابق خلاصة خبرته العسكرية والأمنية الكبيرة بين أيدي مجموعة من الناشطين اليسارين في العشرينات من العمر، إلى أن حان موعد تنفيذ العملية بمخطط دقيق وبقدرة عالية على التخفي عن أعين المخابرات الإسرائيلية، حتى أنه بعد إعلان إسرائيل اعتقال الخلية المسؤولة عن العملية بقيت مخابراتها عاجزة عن معرفة الكثير من التفاصيل، ما دفع «جهاز الاستخبارات الداخلية في إسرائيل (الشاباك)» لتشكيل طاقم من المحققين للتعامل مع المقاومين الفلسطينيين بمبدأ «القنبلة الموقوتة».

فقد حصل المحققون الإسرائيليون في سبيل معرفة آلية عمل الخلية الفلسطينية على «تصريح قانونيّ»، يُتيح استخدام أساليب تحقيق استثنائية. الأمر الذي عرض الأسير العربيد للتعذيب الشديد، والذي على إثره لا يزال يرقد في مستشفى «هداسا» بالقدس المحتلة في حالة شديدة الخطورة.

في المحصلة، أكدت تلك العملية أن الجبهة الشعبية لا تزال قادرة على تشكيل خلايا عسكرية تستخدم ما لديها من خبرة تراكمية لتنفيذ عمليات خطيرة. وهي الحقيقة التي جعلت الجبهة التي ظهرت في السنوات الأخيرة باعتبارها فصيلًا منسحبًا من الحالة العسكرية العامة؛ تشكل تهديدًا جديًا  على جيش الاحتلال واستخباراته.

عن ذلك يقول المحلل العسكري الإسرائيلي الون بن دافيد: «سنوات طويلة لم نرَ شبكة مع طاقة فتاكة كهذه للجبهة الشعبية، إحدى منظمات «الارهاب» الفلسطينية الأقدم، التي أسسها جورج حبش في الستينيات القرن الماضي، وفي السبعينيات بادرت المنظمة إلى سلسلة من العمليات القاسية ضد إسرائيل».

ويضيف بن ديفيد الذي كتب مقاله ردًا على عملية مستوطنة «دوليف» في صحيفة «معاريف» العبرية: «رجال الجبهة الشعبية ممن صدف لي أن التقيتُ بهم كانوا في معظمهم متعلمين ومثقفين، الأمر الذي لم ينقص من «إجراميتهم»، ومع سقوط الاتحاد السوفييتي اندثر العنصر الماركسي في طبيعة المنظمة، واحتلت محلها نزعة قومية «متزمتة» ترفض حتى اليوم اتفاقيات أوسلو».

«العين بالعين».. عندما خرج قرار اغتيال وزير إسرائيلي من مقهى في رام الله

اليسار الفلسطيني.. إرث من العمليات الفدائية النوعية

في صبيحة يوم  27 أغسطس 2001، جلس الأمين العام للجبهة الشعبية مصطفى الزبيري المكني والمعروف بأبو علي مصطفى، خلف مكتبه وسط مدينة رام الله يباشر عمله المعتاد، وفي هذا اليوم قررت إسرائيل أن تنهي حياة الرجل بتوجيه صاروخين أصابا رأسه مباشرة وفتتا جسده.

مقاومون في لواء أبو علي مصطفى، يحملون قنبلة محلية الصنع  في قطاع غزة عام 2002.

تلقت الجبهة باغتيال أمينها العام ضربة موجعة، لكن سرعان ما تدارك رجالها الوضع، فأُعلن أحمد سعدات أمينًا عامًا خلفًا لأبو علي مصطفى، ليقف سعدات في حفل تأبين سابقه ويعلن في خطابه الشهير أن: «العين بالعين والسن بالسن والرأس بالرأس.. فعهدًا لنا يا رفيقنا أبو علي، عهدًا لك يا معلمنا، يا رمزنا يا عنوان عزتنا، أن لا يكون شعارنا أقلّ من الرأس بالرأس».

وفعليًا وقعت مفاجأة الانتقام السريع لاغتيال أبو علي مصطفى، فبعد نحو 40 يومًا من اغتياله تمكن مقاومو الجبهة من اغتيال أرفع شخصية إسرائيلية يتم قتلها على يد الفصائل الفلسطينية حتى يومنا هذا، عرفت باسم عملية «كاتم الصوت» التي قتل  فيها وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي في فندق «حياة ريجنسي» في القدس المحتلة، إذ أطلق عناصر خلية تابعة للجبهة ثلاث رصاصات من مسدس مزود بكاتم الصوت على رأس زئيفي.

وذلك بعد أن تمكنوا من استخراج وثائق مزورة واستئجار غرفة في الفندق الذي يخضع لإجراءات أمنية مشددة، وبعد ليلة واحدة من تواجدهم تمكن المقاوم اليساري حمدي قرعان من قتل الوزير الذي كان ينزل في الطابق الثامن، بينما تولى رفيقه باسل الأسمر التغطية عليه، أما مجدي الريماوي فقد كان بانتظارهما في الخارج على أهبة الاستعداد للفرار من المكان.

وإن كانت عملية «كاتم الصوت» التي وُصفت بأنها ضربة لم يسبق أن تلقتها إسرائيل منذ احتلالها لفلسطين، فإن تاريخًا حافلًا من العمليات الفدائية النوعية وقفت خلفها الجبهة، باعتبارها أحد أبرز قوى اليسار على الساحة الفلسطينية، والتي منها تنفيذ أول عملية اختطاف لطائرة إسرائيلية هي طائرة «إلعال» في يوليو (تموز) 1968.

فقد نجحت الجبهة في تحرير 37 أسيرًا فلسطينيًا من ذوي الأحكام العالية، مقابل إطلاق سراح الركاب الإسرائيليين، ثم أعادت الجبهة الكرة باختطاف طائرة إسرائيلية عام 1969، لكن عملية الاختطاف تلك فشلت، وقُتل أحد منفذيها، فيما اعتقلت السلطات البريطانية المرأة الحديدية للجبهة  ليلى خالد التي قادت رحلة اختطاف الطائرة، ولم يطلق سراحها إلا باختطاف طائرة بريطانية، وفرض صفقة تبادل.

كذلك تمكنت الجبهة في أبريل (نيسان) عام 1978 من أسر الجندي الإسرائيلي أبراهام عمرام، ولم تطلق سراحه إلا مقابل الإفراج عن 76 أسيرًا من عدة فصائل فلسطينية، بينهم 12 أسيرة فلسطينية، وقد نوعت الجبهة في عملياتها لتنفذ العديد من العمليات بالأسلحة، مثل عملية «السوبر سول» الإسرائيلي في القدس المحتلة عام 1969 التي وصفتها إسرائيل بأنها من أقوى وأجرأ العمليات التي نفذتها المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، إذ وضعت مجموعات من الجبهة شحنات من المتفجرات الموقوتة داخل سوق «السوبر سول» الإسرائيلي في مدينة القدس، مما تسبب في وقوع العشرات من الإسرائيليين بين قتيل وجريح.

يقول الباحث الفلسطيني عزيز المصري أن اليسار: «استطاع جذب شرائح واسعة من الشباب المثقف، وكذلك جذب الأحزاب والقوى اليسارية حول العالم من أمريكيا اللاتينية إلي الصين وشرق آسيا وأوروبا الشرقية، بل حركة فتح أيضًا في تلك الفترة كان يسيطر عليها التيار اليساري، ووصلت الحركة الوطنية واليسارية الذروة في الشعبية حول العالم بفعل الأفكار اليسارية التي كانت تعبر عن رغبة الشعوب في التحرر ومواجهة الإمبريالية العالمية الاستعمارية، وحصلت علي دعم سياسي وعالمي من شعوب وحكومات العالم اليسارية أو القريبة من الفكر اليساري».

ويضيف المصري لـ«ساسة بوست»: «المقاومة اليسارية كانت نقطة ضوء في الحركة الوطنية الفلسطينية تركت إرثًا ثقافيًّا ومقاومًا تعدى الحدود وأوصل فلسطين إلى محطات دولية كبرى، جزء كبير من انتشار القضية الفلسطينية حول العالم يعود إلى الحركات اليسارية الفلسطينية التي تحالفت وتشابكت مع القوى الثورية حول العالم».

ماذا تعرف عن فصائل اليسار الفلسطيني؟

منذ أوائل الستينيات وفي السبعينيات أيضًا، كانت معظم فصائل اليسار الفلسطيني رائدة في استخدام السلاح، لكن يؤرخ لانصرافها عن امتشاق السلاح في الثمانينيات بالتزامن مع صعود قوى الإسلام السياسي «حركة الجهاد الإسلامي» ثم «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)»، وكذلك مع وقوع أحداث مفصليّة في المنطقة أبرزها اتفاق «كامب ديفيد» التي تمخض عنه السلام  بين إسرائيل ومصر، وتم صياغته في عام 1978م.

مقاتلون  من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 بدا واضحًا أن وهج اليسار آخذ نحو التراجع على الساحة الفلسطينية، ويعود ذلك لجملة من الأسباب كما تقول الصحفية عروبة عثمان، والتي منها «أن فصائل اليسار لم تتمكن من صياغة استراتيجيات تزيح الشريحة اليمينية «الكومبرادورية» في منظمة التحرير عن السيطرة الفعلية في مقدراتها، كما أنه بعد سقوط مراكز الدعم المالي واللوجستي بسقوط الاتحاد السوفياتي، سارعت فصائل من اليسار للتقرب إما لـ«فتح» أو «حماس»، وفي كلا الاختيارين دفعت تلك الفصائل ثمنًا لتلك المماطلة في تقديم الدعم المالي عبر المنظمة».

وتضيف في مقالها في صحيفة «الأخبار» اللبنانية أن «تلك القوى التي رفضت في البداية أوسلو سرعان ما انغمست في «المنظومة الأوسلوية» وتعاملت معها على قاعدة أنها واقع لا يمكن التنصّل منه، لتكرّ بعد ذلك السُّبحة وتندمج شخصيات يسارية في المؤسسة الأمنية الفلسطينية وتحوز امتيازات خاصة»،  مما يعني أن حصول القوى اليسارية في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006 على 2% فقط من تلك المقاعد بسبب اصطفافها مع «فتح» لم يكن مفاجئًا مع فوز «حماس» في تلك الانتخابات.

وتعد «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، واحدة من أبرز فصائل اليسار الفلسطيني، التي أُعلن تأسيسها في 11 ديسمبر (كانون الأول) 1967،  كامتداد للفرع الفلسطيني من حركة القوميين العرب. فهي تنتمي إلى المجموعات الماركسية اللينينية لكنها بعد عام 1969 أصبحت مجرد مسترشدة بالفكر الماركسي اللينيني، وفيما يتعلق بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي كانت الجبهة أبرز التنظيمات التي قامت بعمليات نوعية على طول تاريخها كما أسلفنا، فهي أول من ابتدع استخدام سلاح خطف الطائرات ومبادلة الأسرى، وأول من استخدم قذائف الهاون ضد مستوطنات إسرائيلية، وهي أول من أطلق الصواريخ على المستوطنات.

ويعد ثاني أبرز قوى اليسار الفلسطيني، هو «الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين» التي أُعلن عن ولادتها في 22 فبراير (شباط) 1969 وتعرف الآن باسم «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين». وقد شكلت الجبهة الديمقراطية في بداية تأسيسها  مجموعات فدائية صغيرة، هي «القوات المسلحة الثورية» التي توزعت في عدة مناطق، وأصبحت بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في  عام 1987 تعرف باسم «قوات النجم الأحمر».

ثم  بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2000 أصبح الجناح العسكري للجبهة يعرف باسم «كتائب المقاومة الوطنية الفلسطينية»، ذاك الجناح الذي نفذ عمليات خاصة كالمشاركة في معارك الدفاع عن المقاومة الفلسطينية في الأردن، وفي الحرب الأهلية اللبنانية، وفي مواجهة الغزو الإسرائيلي 1982 وخلال حروب المخيمات، وفي التصدي للاعتداءات العسكرية على قطاع غزة.

ولم تسلم الجبهة الديمقراطية من الانشقاق نتيجة خلافات سياسية وفكرية وتنظيمية، فقد انفصل القيادي الفلسطيني ياسر عبد ربه عن الجبهة وأسس «حزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا)» في 1989، وشكّل في البداية تنظيمًا مستقلًا باسم «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين-التجديد والديمقراطية»، قبل أن يصبح في أبريل (نيسان) 1993 تحت اسم «الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا)».

أما «حزب الشعب الفلسطيني» الذي تمخض عن عملية مراجعة نقدية لقيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني، فقد أُقر تشكيله في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 1991، خلال المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي الفلسطيني، بينما حافظ عدد من أعضاء الحزب في الضفة الغربية على اسم الحزب الشيوعي الفلسطيني.

أما «المبادرة الفلسطينية الوطنية» آخر قوى اليسار تشكيلًا، فكان تأسيسها في 17 يونيو 2002، أسسها حيدر عبد الشافي في قطاع غزة، ومصطفى البرغوثي في الضفة الغربية، وإبراهيم الدقاق في مدينة القدس، وتدعو المبادرة للتصدي للضغوط الإسرائيلية، وتدعم العمل على استمرار الكفاح الوطني من أجل إنهاء الاحتلال.

دليلك المبسط لفهم القضية الفلسطينية في 5 محطات

المصادر

تحميل المزيد