أعلنت الحكومة المغربية قبل أيام، اعتزامها السماح بزراعة نبتة القنب الهندي (تقنين الحشيش) وتصديرها وبيعها للاستخدامات الطبية والصناعية على حد سواء، في خطوة تأمل المملكة من خلالها مساعدة المزارعين الفقراء في جبال الريف، وسط تنامي السوق العالمية المشروعة لنبتة القنب الهندي.

ولسنوات كان «إضفاء الشرعية على الحشيش» موضوع جدل ساخن في المغرب، بين أولئك الذين يجادلون لإضفاء الشرعية عليه للأغراض العلاجية والصناعية، وأولئك الذين يشددون على «الآثار المخربة لهذا المخدر على المجتمع»، إلا أن حزب العدالة والتنمية الحاكم – الكتلة الأكبر في البرلمان –  أسقط معارضته في الآونة الأخير، بعد أن أزالت وكالة المخدرات التابعة للأمم المتحدة القنب الهندي من قائمتها للمخدرات الخطيرة.

الترخيص للاستخدام الطبي والصناعي فقط

ينص مشروع قانون تقنين «القنب الهندي»، المُتوقع إقراره في الأيام القادمة، على «إخضاع كافة الأنشطة المتعلقة بزراعة وإنتاج وتصنيع ونقل، وكذا تسويق وتصدير واستيراد القنب الهندي ومنتجاته لنظام ترخيص»، وفق ما أوردت صحيفة «هسبريس» المغربية، تفاصيله.

كما سيجري خلق «وكالة (هيئة) وطنية يُعهد لها بالتنسيق بين كافة القطاعات الحكومية والشركاء الوطنيين والدوليين، لتنمية سلسلة فلاحية وصناعية تُعنى بالقنب الهندي». وينص كذلك المشروع على «فتح المجال للمزارعين للانخراط في التعاونيات الفلاحية»، ويسن عقوبات لردع المزارعين المخالفين للقانون.

وحتى الآن ينحصر ترخيص مشروع القانون المغربي فقط عند الاستخدامات الطبية والصناعية، أي إنه لا يتعلق الأمر بالاستعمال الترفيهي للقنب الهندي، الذي سيظل ممنوعًا.

ويعيش حوالي 90 ألف عائلة شمال البلاد على زراعة الحشيش وتهريبه، بعائد يقدر بحوالي 3600 يورو سنويًّا للأسرة الواحدة. ويصرُّ سكان تلك المناطق على أنه ليس لديهم بديل اقتصادي لإعالة أنفسهم، وأنهم يعيشون في رعب دائم من المطاردة القانونية؛ ما دفع بعض الفاعلين السياسيين إلى تبني مطالبهم بتقنين الحشيش.

ورغم أن القانون المغربي يجرم تعاطي الحشيش أو إنتاجه ونقله بأي طريقة، فإنه ظل يتسامح مع مزارعي الحشيش في الريف دون غيرها من المناطق، الذين لطالما احتجوا أمام السلطات بـ«ظهير ضبط الكيف» الصادر في تاريخ الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1919، والذي سُمح بموجبه للفلاحين بزراعة نبتة القنب الهندي، شريطة تقدمهم بطلب إلى إدارة «سكا تبغ» للحصول على الرخصة من أجل مزاولة زراعتهم بحرية مطلقة.

ويأتي هذا التوجه المغربي الجديد، بتقنين الحشيش للأغراض الطبية والصناعية، في سياق عالمي مؤيد لإلغاء تجريم تعاطي القنب في العالم، إذ صوتت في ديسمبر (كانون الأول) 2020، الدول الأعضاء في وكالة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، بفارق ضئيل، على إزالة الحشيش من قائمة المخدرات التي تخضع لرقابة صارمة، وتسهيل البحث العلمي بخصوص الاستخدام الطبي للقنب الهندي.

واستند التصويت إلى توصيات عام 2019، الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) ، بإزالة الحشيش من الجدول الرابع  للاتفاقية الوحيدة للمخدرات لعام 1961، بعيدًا عن المخدرات المصنفة «خطيرة جدًّا» مثل الكوكايين والهيروين.

وكانت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك والمملكة المتحدة من بين الدول التي صوتت بالموافقة على هذا الإجراء، بينما صوتت دول مثل روسيا والصين والبرازيل واليابان ضد القرار. فيما كان المغرب الدولة الوحيدة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي دعمت إعادة التصنيف للقنب الهندي.

اقتصاد الحشيش وفرص واعدة

تطمح الرباط، من خلال مشروع قانون تقنين الحشيش، إلى جلب استثمارات في المجال، واستقطاب الشركات العالمية المشتغلة في السوق المشروعة للقنب الهندي (مخدر الحشيش) في الأغراض الطبية والصناعية.

وفي هذا السياق، أشارت مذكرة وزارة الداخلية، نقلًا عن موقع «يا بلادي»، إلى أن «السوق الطبي لهذه النبتة يشهد تطورًا كبيرًا، يصل على المستوى الأوروبي إلى 60%، ما حدا بـ49 دولة عبر العالم للمسارعة إلى تقنين استخدام هذه النبتة».

ومن شأن تقنين زراعة الحشيش أن يغني خزينة الدولة، التي تُحرم من ضرائب قطاع اقتصادي تُقدَّر تجارته بملايين الدولارات، وتعتقد الخبيرة الألمانية، مونيكا برومير، التي سبق لها أن زارت المناطق المنتجة للحشيش بالمغرب، أن «الاستغلال الجيِّد للقنب الهندي في منطقة الريف، قد يحل معظم المشكلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة للسكان».

في السياق نفسه، يحتج المؤيدون لتقنين الحشيش، بأن المشروع الجديد يمكن أن يقضي على اقتصاد مافيا المخدرات بدخول فاعلين قانونيين جدد للسوق، مما يضعف نشاطاتها الإجرامية. وفي الوقت ذاته، يمثل التقنين حبلَ نجاة لآلاف المزارعين المطلوبين للعدالة بمنطقة الريف، والمُطاردين بسبب زراعتهم لنبتة القنب، هذا ويوجد قانون صادر عام 1974، يعاقب على إنتاج النبتة بغرامات باهظة وبحبس قد يصل إلى 10 سنوات.

وتشجع النتائج الإيجابية للدراسات الطبية حول نبتة القنب الهندي العديد من البلدان لتقنينه وفتح السوق لهذا النبات للأغراض الطبية والصناعية، وبعضها حتى للاستعمالات الترفيهية، وهو ما يغير شيئًا فشيئًا النظرة الثقافية والقانونية المُحرِّمة للحشيش.

وفي هذا الصدد، تذكر دراسات لأكاديمية العلوم الأمريكية، أن 9% فقط من مدخني هذه النبتة تطولهم آثار خطيرة، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 32% لدى مدخني التبغ، و23% من متعاطي الهيروين، و17% من مدمني الكوكايين، و15% من متعاطي الكحول.

وفي يناير الماضي، سمحت وزارة الصحة الأوغندية بزراعة الماريجوانا (الحشيش) للأغراض الطبية، تبعًا لدول أفريقية أخرى مثل زامبيا وليسوتو وزيمبابوي، التي تخفف القيود المفروضة على زراعة الماريجوانا الطبية. كذلك أصبحت تايلاند، التي تفرض عقوبات قاسية على المخدرات، أيضًا أول دولة في جنوب شرق آسيا تشرِّع استخدام الماريجوانا للأغراض الطبية.

وتعدُّ هولندا سباقة في هذا النهج؛ إذ اعتمدت سياسة متسامحة حيال مخدر الحشيش منذ زمن طويل في سنة 1976، مشترطة عدم بيعها لغير البالغين، وعدم وجود شكاوى من قبل الجيران في أماكن تداولها، ومنع بيع الكميات الكبيرة. قبل أن تلحقها في السنوات الأخيرة العديد من البلدان الأوروبية، مثل إسبانيا، وسويسرا، وألمانيا، وإيطاليا والعديد من الولايات الأمريكية والكندية.

ومن المرتقب أن يصبح المغرب أول دولة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، تذهب إلى تقنين القنب الهندي للاستخدامات الطبية والصناعية.

فخ زلق.. هذه مخاطر تقنين الحشيش بالمغرب

على الرغم من قرار الأمم المتحدة الذي أعاد تصنيف الحشيش بوصفه «أقل خطورة»، وفتحها المجال للبحث في إمكاناته الطبية، فإن ذلك لا يحذف القنب الهندي نهائيًّا من قائمة المخدرات لدى الأمم المتحدة، التي تتطلب ضوابط دولية صارمة.

لذلك تحث وكالة مراقبة المخدرات الأممية الحكومات التي ترغب في السماح بالاستخدام الطبي للقنب، «بالقيام بذلك فقط إذا كان هناك دليل على فعالية هذه المادة وعدم ضررها»، مع «مراقبة وَصفاتها واستخداماتها، وذلك لتقليل مخاطر التسريب وإساءة الاستخدام».

المغرب وتقنين الحشيش

ومع أن المغرب يعتزم الترخيص فقط للاستخدام الطبي والصناعي للحشيش، بيد أن ذلك لا يخلو من منزلقات ومخاطر، قد تُلغي فوائد التقنين في حال عدم التعامل معها.

أولها الاحتكار؛ إذ من شأن تقنين الحشيش أن يوفر لمافيات المخدرات التقليدية ولوبيات المال فرصة للعمل بشكل آمن دون التفريط في الربح. فقد توفر السوق الطبية والصناعية والترفيهية العالمية للحشيش فرصًا اقتصادية واعدة، ولا سيما مع توالي البلدان الأوروبية والولايات الأمريكية والكندية التي تشرعن استخدام القنب.

من خلال الاستحواذ على السوق، وهي ظاهرة شائعة في مختلف القطاعات الاقتصادية بالمغرب، يمكن لصناع الحشيش الكبار تصدير أطنان هائلة من الحشيش للعالم، بشكل شرعي وقانوني تمامًا، ليتحول القطاع إلى منجم ذهب في يد حفنة قليلة من أصحاب الشركات.

وهكذا يمكن أن تتبخر آمال المجتمعات الريفية وصغار المزارعين في الفوائد الاقتصادية لتقنين الحشيش، بدون وضع سياسة لدعم الفلاحين البسطاء والمقاولين الصغار الراغبين في الاستثمار في قطاع القنب، فضلًا عن سياسة صارمة لكسر الاحتكارات الكبيرة.

من جهة أخرى، يتخوف فاعلون سياسيون محافظون من أن تقنين القنب الهندي للأغراض الطبية والصناعية، قد يزيد بطريقة ما من نسبة تعاطي الحشيش في المجتمع المغربي، وربما يشكل جسرًا للمرور إلى مخدرات أشد خطورة مثل الكوكايين والهيروين، وما يعني ذلك من زيادة مشكلات اجتماعية، مثل الجريمة والاضطراب الأسري.

وكانت وزارة العدل المغربية قد صرحت سابقًا بأن ثلث قضايا المحاكم في المغرب متعلقة بالمخدرات بشكلٍ أو بآخر، كما أشارت مديرية الأوبئة ومحاربة الأمراض المعدية، إلى وجود حوالي 600 ألف مدمن مخدرات في المغرب، خاصةً بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عامًا.

ومع ذلك، يبقى الاحتكار وعدم المساواة المناطقية في الفرص الاقتصادية أكبر المخاطر التي قد تترتب على مشروع تقنين الحشيش في المغرب، مما يستدعي مزيدًا من دعم السوق التنافسية الشفافة، ودعم الجهات المختلفة للبلاد على قدم المساواة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مترجم: لماذا احتكر يهود المغرب بيع الحشيش قديمًا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد