تصنف الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات، التابعة للأمم المتحدة، المغرب في المرتبة الأولى في إنتاج «القنب الهندي» (الحشيش) حيث ينتج المغرب 30 ألف طن سنويًا

تصنف الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات، التابعة للأمم المتحدة، المغرب في المرتبة الأولى في إنتاج «القنب الهندي» (الحشيش)، حيث ينتج المغرب 30 ألف طن سنويًا، أي ما نسبته 40% من حشيش العالم، ونسبة 72% المصادرَة دوليًا منه، وفق التقرير الصادر عن الهيئة لهذا العام.

وتثير مسألة تقنين الحشيش جدلًا متجددًا بالمغرب حول فائدة هذا الإجراء من عدمها، في ظل عجز الدولة على التعامل مع هذه المشكلة، بالرغم من كل المجهودات المبذولة.

جدل تقنين الحشيش في المغرب

ظهر اقتراح تقنين الحشيش على الساحة العمومية لأول مرة سنة 2013؛ عندما تقدم «حزب الاستقلال المغربي» في البرلمان بمشروع قانون لتقنين «الكيف» بالمغرب؛ بدعوى استغلاله لأغراض طبية وصناعية، وقد أيَّده في ذلك «حزب الأصالة والمعاصرة»، الذي يضع إجراء تقنين الحشيش ضمن برنامجه الانتخابي لهذا العام، مثلما انخرطت في هذا الاتجاه مجموعة من جمعيات المجتمع المدني.

ويصرُّ أنصار هذا الطريق على أن تقنين الحشيش من شأنه أن يعود بالنفع على الاقتصاد المغربي، وينقذ آلاف المزارعين لهذه النبتة المخدرة من التضييق والمطاردة، خاصة أن ليس لديهم بديل تستسيغه تربة مناطقهم الزراعية الجبلية.

في حين ترفض أحزاب التحالف الحكومي، ومعها طيف واسع من القطاع الشعبي إجراء التقنين، لما له من آثار وخيمة على مستقبل البلاد، وإخلال بالتزامات المغرب الدولية بخصوص مكافحة زراعة المخدرات.

ويعتبر مراقبون أن إيجاد حلول بديلة للتعامل مع مشكلة المخدرات في المغرب أمر ضروري في ظل فشل السياسات الحالية المتبعة، إلا أنهم يخشون من أن يكون جدل تقنين الحشيش مفتعلًا، جاء بدوافع انتخابية، أو تحت ضغوط مافيا المخدرات، وليس نقاشًا مفتوحًا بقصد معالجة الأزمة.

استضاف المغرب، خلال مارس (آذار) من السنة الجارية، مؤتمرًا دوليًا حول الحشيش، خرج بتوصيات تحث على اعتماد مقاربة جديدة كبديل عن سياسة المنع للتعامل مع مخدر الحشيش، ودعا فيه «إلياس العماري»، رئيس مجلس «جهة طنجة، الحسيمة، تطوان»، إلى تقنين زراعة الكيف.

وتتواجد زراعة الحشيش بالمناطق الشمالية للمغرب، بمساحة ما يربو عن خمسين ألف هكتار، حيث يذهب معظم الإنتاج تهريبًا إلى أوروبا والشرق، ويستهلك 95% من المتعاطين للمخدرات بالمغرب نبتة الحشيش، أي ما يقارب 800 ألف مستعمل.

بلدان تقنن الحشيش

تعتبر الأمم المتحدة المخدرات، كما جاء في اتفاقية 1961 الدولية، معضلة تهم البشرية جمعاء، وتهدد أمن العالم، ومن ثمة يتوجب محاربتها دون هوادة، غير أن بعض البلدان اتجهت إلى تقنين بعض أشكال هذه المخدرات، مثل «الحشيش، والماريجوانا»، كاستراتيجية لاحتواء مشكلة إدمان المخدرات الخطيرة، عوضًا عن الحظر المطلق.

وتعدُّ هولندا سباقة في هذا النهج؛ إذ اعتمدت سياسة ليبرالية حيال المخدرات الخفيفة، مثل الحشيش منذ سنة 1976، شرط عدم بيعها لغير البالغين، وعدم وجود شكاوى من قبل الجيران في أماكن تداولها، ومنع بيع الكميات الكبيرة. وتبعتها في هذه السياسة العديد من البلدان الأوروبية واللاتينية، مثل إسبانيا، وسويسرا، وهولندا، والأوروغواي، وكولورادو، وكاليفورنيا بالولايات المتحدة، وإقليم كيبك بكندا، ومدينة فانكوفر الكندية.

بل حتى في أمريكا، المعروفة بالسياسة الحادة في التعامل مع قضية المخدرات، بدأت بعض الولايات تتجه نحو تقنين بيع مخدر الحشيش، مثل مدينة سياتل، وولاية كولورادو، وألاسكا وواشنطن العاصمة، وأوريجون، وكاليفورنيا؛ إذ يمكن شراؤه من المتاجر، دون خوف، بشرط عدم تعاطيه في الأماكن العامة. وتجري مناقشة تقنين المخدرات في عدد من دول العالم الأخرى، مثل إيطاليا، والمكسيك.

أما في المغرب فتتغاضى السلطات عن زراعة الحشيش بمناطق الشمال، لكنها تجرم حيازته وترويجه، وشددت الدولة سياستها في محاربة القنب الهندي، خلال العقد الأخير تحت ضغط إملاءات الأمم المتحدة، إلا أن الوضع لم يتحسَّن كثيرا، وبقي المغرب متصدرًا في هذا المخدر؛ مما فتح النقاش حول إمكانية تقنين الحشيش كحل بديل عن الحظر.

هل الحشيش مخدر خطير؟

من وجهة نظر الخبراء، الحشيش ليس بالخطورة الشائعة بين الناس؛ إذ تذكر دراسات لأكاديمية العلوم الأمريكية، أن فقط 9% من مدخني هذه النبتة من تطاله آثار خطيرة، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 32% لدى مدخني التبغ، و23% من متعاطي الهيروين، و17% من مدمني الكوكايين، و15% من متعاطي الكحول.

وتقول مجلة «شبيجل» إن الحشيش أقل خطرًا من بعض العقاقير التي يتناولها الملايين يوميًا، كمادة «الباراسيتامول» المسكّنة، إلا أن النظرة الثقافية والقانونية ترسّخ الاعتقاد الشائع بخطورته الجدية كباقي المخدرات.

بل يذهب متخصصون إلى أن بعض الأمراض العصبية والنفسية تنبع من قلة إنتاج مركبات «الكانابينويد» داخل الجسم، الضروري لعمل الدماغ بشكل سليم، وهي المركبات الكيميائية نفسها لمادة الحشيش؛ ما يعني أن الأخيرة يمكن أن تكون علاجًا طبيًا لهذه الأمراض.

بيد أن الآثار الخطيرة لتدخين القنب الهندي تظهر لدى الشباب تحت سن العشرين تحديدًا؛ إذ قد يتعرضون لأخطار صحية؛ نتيجة تدخل المواد الكيميائية للحشيش في العمليات التي يمر بها المخ خلال فترة ما قبل اكتمال نموه، ومن ثمة يمكن للحشيش خلال تلك المرحلة أن يؤثر في تشكيل بنية الدماغ. ويذكر أن واحدًا من خمسة تلاميذ في المغرب سبق لهم أن تعاطوا الحشيش.

كما أثبتت دراسات عدة، وفقًا لمجلة شبيجل، أن تدخين الحشيش بين ذوي الاضطرابات النفسية والعصبية قد يزيد من احتمالات إصابتهم بالذهان مستقبلًا.

لكن الخطير في تدخين الحشيش، هو سهولة أن يكون جسرًا لتعاطي المخدرات الأخرى الأكثر فتكًا بصحة الإنسان، مثل الكوكايين والهيروين، لكن بنفس الطريقة يرى آخرون أنه علاج فعَّال للعاجزين عن ترك إدمان الكحول والمخدرات الشديدة الخطورة.

لكن ما يميز مخدر الحشيش، بحسب بعض الباحثين، أنه يسمح للمدمنين بالاستمرار في حياتهم، خلافًا لباقي أنواع المخدرات الأخرى، التي قد تُدمر حياتهم وتفقدهم وظائفهم.

هل يفيد المغرب تقنين الحشيش؟

يعيش حوالي 90 ألف عائلة شمال البلاد على زراعة الحشيش وتهريبه، يدرُّ لكل منها ما يقدر بـ3600 يورو سنويًا، ويصرُّ سكان تلك المناطق على أنه ليس لديهم بديل اقتصادي لإعالة أنفسهم؛ ما دفع البعض إلى تبني مطالبهم بتقنين الحشيش، ولاسيما مع فشل سياسة الحرب على المخدرات؛ إذ لم تنجح سوى في إدخال آلاف الفلاحين البؤساء إلى السجون.

وتذهب في نفس الاتجاه، الخبيرة الألمانية، «مونيكا برومير»، التي سبق لها أن زارت المناطق المنتجة للحشيش بالمغرب؛ إذ ترى أن «الاستغلال الجيّد للقنب الهندي في منطقة الريف، قد يحل معظم المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة للسكان».

فيما يرى آخرون، أن تقنين زراعة الحشيش، من شأنه أن يغني خزينة الدولة، التي تُحرم من ضرائب قطاع اقتصادي، تقدَّر تجارته بملايين الدولارات، تضاهي مداخيل السياحة وتحويلات المهاجرين. مؤكدين أن فتح استعمال الحشيش للأغراض الصناعية والطبية يمكن أن يساهم في نمو الاقتصاد، وتوفير آلاف فرص الشغل.

وتلجأ بعض البلدان الأوروبية عادة إلى سياسة تقنين الحشيش، بغاية ضرب اقتصاد العصابات المتواجدة لديها، وكذا للحد من إدمان الشباب للمخدرات الخطيرة، مثل الكوكايين والهيروين، كاستراتيجية لتخفيف الضرر.

بيد أنه في المغرب يختلف الوضع؛ إذ إن الجزء الأكبر من تجارة المخدرات يذهب نحو الخارج، بالاتحاد الأوروبي وأمريكا خصوصًا؛ وبالتالي فإن تقنين الحشيش، يمكن أن يمنح عصابات المخدرات فرصة لتوسيع نشاطاتها بشكل مشروع؛ ليكون المغرب محطة مركزية لها لتصدير منتجات القنب الهندي المصنعة نحو الخارج.

لذلك لا غرابة في أن البعض يتشكَّك في أن يكون نقاش تقنين الحشيش مسألة بريئة؛ إذ ليس ببعيد أن تكون أذرع عصابات المخدرات، المتغلغلة في المؤسسات والمجتمع المدني، من وراء الدفع نحو التقنين.

مثلما قد يعرض تقنين الحشيش المغرب إلى خطر السقوط في مستنقع الدول الفاشلة، فكما يقول مساعدُ وزير الخارجية الأمريكِي بالمكتب الدولِي لمكافحة المخدرات غير المشروعة والجريمَة المنظمة، «ويليام براونفيل»: إن «من يتاجرُون في المخدرات ضمن الشبكات الإجرامية، لا يسخرُون أموالهم فقطْ للجريمة، وإنمَا يتعدونهَا إلى الإرهاب، ويتسببُون في إفساد دواليب الدولة».

بينما يرى قسم آخر، أنه لا يمكن الحد من المخدرات في المغرب، بدون تحسين جودة تعليم وتوفير فرص الشغل للشباب، مع ضرورة تنمية المناطق المهمشة، وتقديم بدائل اقتصادية ناجعة للمناطق المعروفة بزراعة الحشيش.

عرض التعليقات
تحميل المزيد