“غالبا ما يستحيل غرض رغبة ما، عندما تُحوّل الرغبة إلى أمل؛ إلى حقيقة أكثر من الحقيقة ذاتها”.


لقد كان للروائي والفيلسوف والكاتب والناقد الأدبي ومحب التصنيف الإيطالي المشهور أومبيرتو إيكو افتتانٌ قديم بالرمز والمجاز، يرجع إلى وقت كتابه عن الدلاليات القديمة الخاص بالأطفال. بعد نصف قرن، يؤوب إلى سحر المجازيّ والرمزيّ في “كتاب أراضي الأساطير” – وهو رحلة مصورة في أعظم بقاع التاريخ الخيالية، بكل سكانها المختلقين وعاداتها الغريبة، بمقاييس في حجم قارة أطلانطس الأسطورية وفي صِغر أماكن خيالية مثل شقة شيرلوك هولمز.

ينطلق إيكو كدليل سياحي ديناميكيّ للمخيلة الإنسانية ليسلط الضوء على اللغز المركزي عن السبب الذي يجذبنا إلى يوتوبيّات وديستوبيّات [عوالم للشر المطلق] كهذه بقوة واستمرارية شديدين. ما الذي يكشفانه عن علاقاتنا بالحقيقة، وكيف يدللان على التوق الإنساني الجوهري لفهم العالم وإيجاد موطئ قدم لنا فيه. فعلى أية حال، لطالما كانت الخرائط إحدى الطرق العظمى لفهم الحياة، والتي طبقناها على كل شيء من الأكوان، إلى الزمان، إلى الذاكرة العاطفية.

يكتب إيكو في المقدمة:

إن الأراضي الأسطورية ذات ألوانٍ متنوعة وتشترك في خاصية واحدة فقط – سواءً اعتمدَت على أساطير عتيقة قد ضاعت أصولها في غياهب الزمان أم كانت من تأثير المخترعات الحديثة- ألا وهي أنها أجرَت أنهارًا من المعتقدات.

خريطة سان سيفير للعالم، من “بياتوس سان سيفير” (1086)، باريس، المكتبة القومية الفرنسية

مدى حقيقة هذه الأوهام هو موضوع هذا الكتاب.

خريطة T وO ، بارثولوميو الإنجليزي، “كتاب خصائص الأشياء” ، (1392)



توباياس سويندين، “بحث في طبيعة ومكان الجحيم”، (1714)، لندن، تايلور



جزء من “خارطة بيوتنجر” _(نسخة من القرن الثاني عشر)



خريطة بالمونوفا، من كتاب فرانز هوجنبرج وجورج براون “مدن العالم” (1572-1616)، نورمبرج



يدرس إيكو جاذبية اليوتوبيا بكونها طرحًا ملموسًا لما هو ممكن:

غالبا ما يستحيل غرض رغبة ما، عندما تُحوّل الرغبة إلى أمل؛ إلى حقيقة أكثر من الحقيقة ذاتها. بسبب الأمل في مستقبل ممكن، يكون كثيرون مستعدين لتقديم تضحيات جسام، وربما حتى الموت، يقودهم أنبياء، وحالمون، ووعاظ ذوو كاريزما، وخطباء مفوهون يوقدون عقول أتباعهم بحلم جنة على الأرض (أو في مكان آخر).

لمجهول، “خريطة جاين الكونية” (حوالي 1890)، مطلية على القماش، مكتبة الكونجرس



رحلة يوليسيس كانت بعيدة عن الوطن”م.و.ماكارثي “خريطة عالم هوميروس” (1849)، نيويورك، المكتبة العامة

خريطة العالم وفقًا لهارتمان شيديل، في “تاريخ نومبورج”، نورمبورج (1493)



خريطة على الخشب لجزيرة يوتوبيا على واجهة الطبعة الأولى من رواية “يوتوبيا” لتوماس مور (1516)، المكتبة البريطانية



ولكن، هناك جانب مظلم لا مفر منه لليوتوبيات، والتي قد يصبح افتراضها ذاته لسعادة مثالية ضربًا مُثقِلًا من ضروب الاضطهاد. يكتب إيكو:

لن نودّ دومًا العيش في تلك المجتمعات التي تنصحنا بها اليوتوبيّات، لأنها تشبه عادةً دكتاتوريات تفرض السعادة على مواطنيها على حساب حريتهم. على سبيل المثال، فإن يوتوبيا ثوماس مور تدعو إلى حرية التعبير والفكر بالإضافة إلى التسامح الديني، ولكنها تحصرها في المؤمنين وتستثني الملحدين، الذين هم ممنوعون من الوظائف العامة، حين تحذر “إذا أخذ أحد ما الرخصة للتجوال بعيدًا عن منطقته الخاصة وألقي القبض عليه دون إذن صادر من القاضي الأعلى فإنه يعاقب بشدّة؛ وإذا تجرّأ على إعادة الكرّة يُحكم عليه بالعبودية.” علاوة على ذلك، لليوتوبيات خاصية – كما في الأعمال الأدبية – كونها تكرارية نوعًا ما، لأننا بتمنينا لمجتمع مثالي ننتهي دومًا إلى صنع نسخ من النموذج نفسه.

رسومات لرواية جولز فيرنز”عشرون ألف فرسخ تحت الماء” (1869 – 1870)

أبراهام أورتيليوس، “خريطة آيسلندا” (القرن السادس عشر)



فوق كل شيء، يرى إيكو في الخيال توكيدًا غير متوقع للحقيقة، فالقصص الخيالية هي – بطريقة قوية- المكان الوحيد الذي يمكننا فيه أن نتحرر من قلقنا الوجودي من المجهول، لأن كل شيء في الخيال هو بالتحديد ودون غموض تمامًا كما أريد له.

إن عالم القصص المحتملة هو الكون الوحيد الذي يمكننا فيه أن نكون متأكدين بشكل مطلق من شيء ما، ما يعطينا حسًا قويًا جدًا بالحقيقة. يعتقد السُذّج أن إلدورادو وليموريا توجدان أو قد وجدتا في مكان أو آخر، وقناعة المشككين هي أنهما لم توجدا قطّ، ولكننا جميعًا نعلم أنه من المؤكد دون أدنى شك أن سوبرمان هو كلارك كينت وأن دوكتور واتسون لم يكن يومًا الساعد الأيمن لنيرو وولف، وفي الوقت ذاته من المؤكد بذات القدر أن أنا كارينينا ماتت تحت قطار وأنها لم تتزوج أبدًا بفتى الأحلام.

إن كتاب الأراضي الأسطورية عظيمٌ بكليّته. فليتمّمه القارئ بكتاب “شفرة سيرافينيانوس”: أجمل موسوعة في التاريخ عن الأشياء الخيالية، و”أين أنت”: دراسة رائعة في فن رسم الخرائط كدليل للروح.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد