لكل بلد أساطير مؤسسة لكيانه، تؤمن بها أغلبية شعبه، ويتشربها الناس في عقولهم تلقائيًا من خلال التنشئة الاجتماعية جيلًا بعد جيل، حتى تصبح قناعات نمطية راسخة تعمل داخل لاوعي العقل الجمعي، لتشكل بذلك تصوراتهم الذهنية نحو الوطن الذي يعيشون به، بغض النظر عن مدى منطقية هذه الأساطير أو تطابقها مع الواقع.

وتلعب هذه الأساطير، مهما بلغت لاعقلانيتها، أدوار مهمة في حشد المشاعر الوطنية، والتكاثف حول تصورات موحدة توحد المجتمع، بالإضافة إلى وظيفتها في ترسيخ الاستقرار السياسي.

والمغرب هو الآخر يعرف مجموعة من الأساطير الشائعة بين مواطنيه، التي تشكل النظرة المتداولة للمملكة، إلى درجة صارت هذه الأساطير مخترقة لعقول العوام والنخب سواء.

الأسطورة الأولى: الملك ظهر على القمر

لا يزال كثير من الأجداد والآباء في كل أسرة مغربية حتى اليوم يؤكدون رؤيتهم الملك الراحل، محمد الخامس، على سطح القمر، خلال نفيه لجزيرة مدغشقر سنة 1953. الأسطورة التي شاعت بين ساكنة المغرب خلال تلك الفترة وصدقها جموع غفيرة بكل ثقة، وتداولتها الصحف والقنوات الرسمية لسنوات.

لكن المثير للاهتمام في ذلك هو أن مؤرخين ومثقفين سياسيين أيدوا هذه الرواية لفترة طويلة، بل إن بعضهم لا يزال متمسكًا بها حتى هذه الأيام، كما حصل مع زعيم الحزب الليبرالي، محمد زيان الذي صرح في مايو (أيار) 2016 لإحدى البرامج الإذاعية، بأنه «رأى بأم عينه الملك الراحل محمد الخامس في القمر عندما كان صغيرًا»!

واختلف المحللون حول سر إيمان قطاع واسع من المغاربة بشكل جماعي، نخبًا وعوام، بهذه الأسطورة في خمسينات القرن الماضي، ففي حين يرى البعض بأنها كانت خدعة اختلقتها جهات سياسية وروجتها عبر المذياع والتلفزة لعموم السكان الذين كانت أغلبيتهم الساحقة تعاني من الأمية في تلك الفترة، يذهب آخرون إلى أن توق الناس إلى الملك محمد الخامس وشوقهم إليه بعد نفيه إلى جزيرة مدغشقر من قبل الاستعمار، جعلهم يتوهمون رؤيته على سطح القمر.

وأيًا يكن فإن ترسخ هذه الأسطورة داخل المجتمع المغربي، تحيل إلى غياب الحس العلمي لدى فئة واسعة من المغاربة بشكل تام، وفي نفس الوقت توحي بصورة الملك «المقدسة» في عقول قطاع كبير من المجتمع المغربي، مثقفين وعوام.

الأسطورة الثانية: الاستثناء المغربي

تعد مقولة «الاستثناء المغربي» إحدى المقولات الشائعة في المشهد المغربي، والتي تشير إلى أن المغرب يختلف عن باقي بلدان العالم، وبالتالي فله خصوصياته ومميزاته ووضعه الخاص، وعادة ما تُستدعي هذه المقولة بكثافة في زمن الاضطرابات السياسية، كما حدث إبان ثورات الربيع العربي.

وبالرغم من أنّ هذه المقولة لا تُوحي بشيء ثابت، إذ حتمًا كل مجتمع يختلف عن المجتمع الآخر، ولكل بلد سماته المميزة؛ فإن لها جزءًا من الواقعية فيما يخص التاريخ السياسي للمملكة، تضفي على هذه الأسطورة مزيدًا من المصداقية.

ويتجلى هذا «الاستثناء» في التاريخ السياسي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في أن المغرب قد نجا خلال الستينات والسبعينات من عاصفة الانقلابات العسكرية التي اجتاحت المنطقة العربية آنذاك، ثم إنه لم يشهد حربًا أهلية في الوقت الذي كانت فيه جارته الجزائر تغرق في العشرية السوداء، وأخيرًا تفادى موجة الغضب الشعبي في 2011؛ ما ترك انطباعًا عامًا بأن المملكة «ملقحة» ضد الاضطرابات السياسية التي قد تلحق المنطقة العربية.

بالنسبة للمؤرخ والناشط السياسي، معطي منجب، كما يقول في حوار له مع مجلة «تيل كيل»، فإنه لا وجود لاستثناء مغربي، وأن هذه الفكرة ماهي إلا «مفهوم شاعري تستخدمه الديكتاتوريات للهروب من الديموقراطية الكونية، ويصلح كحجة للتبرير بأن الغرب لا يستطيع فرض الديمقراطية علينا حسب معاييرهم»، مذكرًا بأن الرئيسين الإفريقيين، مبوتو سيسي سيكو في زائير، وكناسيمب أياديم في الطوغو، قد استخدما نفس المقولة لإبعاد الأمم المتحدة عن التدخل السياسي في إفريقيا.

الأسطورة الثالثة: المغرب بلد الاستقرار

باتت مقولة «المغرب بلد الاستقرار» علامة مرتبطة بالمملكة في كل البرامج الإعلامية واللقاءات الصحفية والندوات الثقافية، حتى أصبح المغرب يُروج له في المنطقة، كمثال يحتذى به في الاستقرار بالنسبة لباقي بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، الغارقة في الفوضى الأمنية والاحتقان الاجتماعي.

وبالفعل فإن المغرب يشهد استقرارًا سياسيًا نادرًا في المنطقة العربية، بعدما تجنب الاضطرابات السياسية منذ نهاية زمن الانقلابات العسكرية، ونجح في الحفاظ على استقرار النظام السياسي، بالرغم من كل التحديات الصعبة التي واجهت البلدان العربية، والتي كان آخرها ثورات 2011، فضلًا عن أنه محصن ضد «العمليات الإرهابية».

لكن بالنسبة للكاتب مبارك بلقاسم، فإن هذا الاستقرار السياسي هو «استقرار زائف وسطحي، أو إن شئنا الدقة، مجرد استقرار أمني»، على اعتبار أن هناك مجموعة من البلدان المستقرة سياسيًا في ظاهرها، لكنها تغلي من الداخل، مثل إيران والأردن والجزائر، على حد قول الكاتب.

من جهة أخرى، لا يظهر أن المغرب يعرف استقرارًا اجتماعيًا، إذ تستفحل أعمال الجريمة في مدنه ومناطقه، من سطو وقتل واغتصاب واعتداءات، فبحسب قاعدة بيانات «نامبيو»، فإن المغرب يحتل الرتبة التاسعة عربيًا، والأربعين عالميًا من حيث البلدان الأكثر احتضانًا للجريمة من بين 117 دولة في العالم.

كما يضطر كثير من المغاربة للهجرة السرية نحو أوروبا، ولاسيما في السنوات الأخيرة مع موجة اللاجئين السوريين، علاوة على الفورات الشعبية التي تحدث بين الفينة والأخرى، مثل احتجاجات الحسيمة مؤخرا، كل ذلك يخدش صورة «الاستقرار» للمغرب على الأقل على المستوى الاجتماعي، وإن كان هذا الاستقرار ينطبق ظاهريًا على الشأن السياسي بالبلد.

الأسطورة الرابعة: المغرب أجمل بلد في العالم

تجدر الإشارة أولًا إلى أن أسطورة «الاعتزاز بالوطن حد إعلائه على الكل» لا تقتصر على المغرب فحسب، فلكل شعب لديه «كليشيهات» متداولة تجسد معاني رفعة بلده، مثلًا مصر تسمى بأم الدنيا، والعراق تدعى ببلد الحضارات والخيرات، والجزائر بلد الشهداء.

وفي المغرب تروج مقولة «أجمل بلد في العالم»، ويتم تسويق هذه الفكرة من خلال الإعلام والمعارض الدولية والسياحية، الفكرة التي يحيل معناها، كما هو مفترض، بأن المغرب يتفوق على جميع بلدان العالم في كل الأشياء الجميلة.

لكن تسقط هذه المقولة في كل التصنيفات الدولية، فعلى سبيل المثال يحتل المغرب في تقرير الأمم المتحدة الأخير للتنمية البشرية، والذي يقيس مؤشرات التعليم والأمن والصحة والمساواة، الرتبة 126 في العالم، وحصل على المركز 90 عالميًا في مؤشر السعادة بحسب آخر تقرير أممي. ويحتل الرتبة 73 من أصل 163 ضمن أفضل الدول التي يمكن للمرء أن يعيش فيها. وحتى إن كان المغرب يتوفر على طبيعة جميلة، فلن ترقى بالتأكيد إلى أن تكون الأولى عالميًا.

وبالتالي لا تعدو هذه المقولة أن تكون سوى تعبير عاطفي ينم عن الفخر الوطني، والتي يتم استعمالها غالبًا من أجل تفريغ الإحباطات.

الأسطورة الخامسة: الصحافة كاذبة ولا نحتاجها في حياتنا

بدأت الصحافة الورقية قبل قرنين من الآن في بعض البلدان الغربية، واجتاحت القنوات التلفزية والإذاعية العالم الغربي منذ قرن من الزمن؛ ما جعل الإعلام العالمي يراكم خبرة غزيرة جعلته يقطع أشواطًا من التطور في الأداء وحرية التعبير، حتى صار الإعلام اليوم منبعًا يفيض فنًا وثقافة وسياسة وعلومًا.

لكن المشهد في المغرب يختلف، إذ يبدو حال الإعلام بالبلد في مراحله الجنينية الأولى، بالرغم من أن الصحافة دخلت المملكة منذ زمن الاستقلال، إلا أن التصور الرسمي والشعبي تجاه الإعلام عامة حال دون تطور هذا القطاع.

فحتى اليوم، بحسب تقرير النقابة الوطنية للصحافة، لا يشاهد المغاربة قنوات مغربية خاصة؛ لكون الإعلام البصري محتكرًا من قبل السلطات الرسمية، كما لا يزال القضاء المغربي يحكم على الصحافيين المدانين بتهم متعلقة بحرية التعبير بالقانون الجنائي، ويودعون السجن، كما تشكو الصحافة الوطنية من غياب صحافة التحقيقات والتحليلات وقلة الحوارات والنقاشات التفاعلية.

ومن جانب آخر، يعاني قطاع الإعلام في المغرب من غياب جمهور فعال؛ إذ لم يسجل أي احتجاج شعبي للتضامن مع صحافي معتقل أو إغلاق صحيفة، كما يحدث في كثير من البلدان، إضافة إلى ذلك يغيب مطلب حرية الصحافة والتعبير في شعارات كافة المظاهرات الشعبية؛ مما يحيل إلى أن الصحافة والإعلام لا تشكل أهمية تذكر لدى الوعي الجمعي بالمجتمع المغربي.

وهكذا تمنع الصورة الذهنية المترسخة عن الصحافة والإعلام، كمجال موصوم بالكذب والتفاهة، في تطور هذا القطاع بالمغرب، ومنه يشح الإنتاج الفني والثقافي في غياب إعلام حر وقوي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد