تصدَّر حزب العدالة والتنمية الإسلامي الانتخابات المغرب البرلمانية، التي جرت الجمعة 7 أكتوبر (حزيرانالثاني) 2016، متبوعا بحزب الأصالة والمعاصرة

تصدَّر حزب «العدالة والتنمية» ذو المرجعية الإسلامية، انتخابات المغرب البرلمانية، التي جرت الجمعة، السابع من أكتوبر (تشرين الأوّل) 2016، متبوعًا بحزب «الأصالة والمعاصرة»، ثم حزب «الاستقلال»، وهي الأحزاب الكبرى المتوقَّع سلفًا حصولها على أكبر عددٍ من المقاعد.

ما هي نتائج الانتخابات؟

تمكَّن حزب العدالة والتنمية، من ضمان استمراره لولاية ثانية على رأس الحكومة، بعد أن فاز بـ125 مقعد برلماني من أصل 395؛ إذ حجز 98 مقعدًا في الدوائر الانتخابية المحلية، و27 مقعدًا على اللائحة الانتخابية الوطنية؛ ليجمع 125 مقعدًا.

تلاه حزب الأصالة والمعاصرة، خصمه السياسي اللدود، الذي جمع 102 مقعدًا برلمانيًا، منها 81 مقعدًا محليًا، و21 مقعدًا وطنيًا، فيما فاز حزب الاستقلال بـ46 مقعدًا داخل قبل البرلمان.

وحلَّ حزب «التجمع الوطني للأحرار»، في المركز الرابع، بحصوله على 37 مقعد، ثم «الحركة الشعبية» بـ27 مقعد، أما حزب «الاتحاد الاشتراكي» فقد حقق 20 مقعدًا، ليليه حزب «الاتحاد الدستوري» بـ19 مقعدًا. ونال حزب «التقدم والاشتراكية» 12 مقعدًا.

وتذيلت الترتيب، «الحركة الديمقراطية الاجتماعية»، بثلاث مقاعد، و«فيدرالية اليسار الديمقراطي» بمقعدين، ومقعد واحد لكل من حزب «الوحدة والديمقراطية» وحزب «اليسار الأخضر المغربي».

ووصف وزير الداخلية المغربية، «محمد حصاد»، الظروف التي جرت فيها العملية الانتخابية بـ«العادية»، نافيًا بأن تكون هناك أية خروقات تؤثر على النتائج النهائية للانتخابات التشريعية لدورة 2016، في حين اشتكت بعض الأحزاب، مثل حزب «التقدم والاشتراكية»، من مخالفات انتخابية قلَّلت من رصيد سجلها من المقاعد البرلمانية، متوعدة بلجوئها إلى القضاء.

من تقدم ومن تراجع؟

حافظ حزب «عبد الإله بنكيران»، رئيس الوزراء المغربي، على الصدارة للولاية الثانية، مُحققًا زيادة بـ22 مقعدًا إضافيًا على حصيلته في انتخابات 2011 الماضية، كما تقدم حزب «الأصالة والمعاصرة» بـ55 إضافيًا مقارنة بما حققه في الانتخابات التشريعية السابقة.

بينما كان الخاسر الأكبر هو حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي فقد 19 مقعدًا برلمانيًا دفعة واحدة. وخسر حزب «التجمع الوطني للأحرار» 15 مقعدًا، وفقد حزب «الاستقلال» هو الآخر 14 مقعدًا من حصيلته السالفة في انتخابات 2011.

لكن ما فاجأ المتابعين للمشهد الانتخابي في المغرب، هو فشل فيدرالية اليسار الديمقراطي في تحقيق النتائج المتوقَّعة منها، إذ لم تحصل سوى على مقعدين برلمانيين، وهي أول مشاركة لها في العملية الانتخابية، بعد أن قاطعت انتخابات 2011 التشريعية.

وكانت فيدرالية اليسار الديموقراطي، بقيادة «نبيلة منيب»، قد حظيت بدعم واسع على شبكات التواصل الاجتماعي، خلال الحملة الانتخابية، كما نالت ثقة نخبة من الشخصيات الثقافية والإعلامية والفنية المرموقة، إلا أن هذا التعاطف النخبوي، والإلكتروني، لم يُمكّن الفيدرالية من منافسة الأحزاب الأخرى شعبيًا على أرض الواقع.

ما حجم المقاطعة لهذه الانتخابات؟

قاطع أكثر من نصف المغاربة الانتخابات البرلمانية لدورة 2016، إذ صرّح وزير الداخلية بأن نسبة المشاركة بلغت %43، بعدما قفزت من 10% عند الظهيرة إلى النسبة المذكورة عند إغلاق مكاتب التصويت، الأمر الذي شكَّكت فيه جماعة العدل والإحسان الإسلامية، معتبرةً أن نسبة المشاركة المعلنة رسميًا «يعتريها الكثير من النفخ والتلاعب على عادة المحطات الانتخابية السابقة».

وتجدر الإشارة إلى أن نسبة المقاطعة البالغة 57%، حسب وزارة الداخلية، تهم المسجلين فقط في اللوائح الانتخابية، وعددهم 15 مليون مسجل، بينما عدد الأشخاص الذين يحق لهم التصويت يناهز 26 مليون، ما يعني أن النسبة الحقيقية للمشاركة في هذه العملية الانتخابية لا تتجاوز %25 في أحسن الحالات.

يُؤكد ذلك ضعف المشاركة الانتخابية، وعدم توافقها مع المعايير الدولية، التي تضع نسبة 50% كحد أدنى للنسبة المشاركة في أي انتخابات ديمقراطية؛ إذ إن ربع السكان فقط، أي ستة ملايين، هم من انخرطوا في عملية التصويت، من بين ساكنة يقدر عددها 36 مليون نسمة، وبذلك يكون الحزب الفائز الذي سيشكل الحكومة، حاصلًا على 7% فقط من أصوات المغاربة الذين يحق لهم التصويت، والبالغ عددهم 26 مليون فرد.

ويفسر المحللون هذا العزوف السياسي الحاد، ولاسيما في المدن، بغياب ثقافة التصويت من جهة، نظرًا لارتباط المخيلة المغربية بـ«المخزن»، كراعٍ وصيٍّ على الناس، ومن جهة ثانية، لعدم إيمان كثير من المواطنين، بخاصة في فئة الشباب، بجدوى العملية الانتخابية في ظل ما يعتبرونه فساد في الحياة السياسية، ومركزية للحكم الملكي في النظام السياسي المغربي.

وكان كل من حزب النهج الديموقراطي اليساري، وجماعة العدل والإحسان الإسلامية، قد دعوا المواطنين إلى مقاطعة الانتخابات التشريعية، واصفين إياها بـ«اللعبة العبثية في ظل النظام المخزني القائم».

ما هي السيناريوهات الممكنة في تشكيل الحكومة؟

يُنتظر، بعد إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية المغربية لدورة 2016، أن يُعين الملك «محمد السادس» رئيس الحكومة من بين أعضاء الحزب الفائز بالحصة الكبرى من المقاعد البرلمانية، ثمَّ بعد ذلك سيختار رئيس الحكومة المعيَّن تشكيلته الوزارية بالتشاور مع العاهل المغربي، طبقًا لما ينص عليه الدستور.

وبالرغم من حصول حزب العدالة والتنمية على المرتبة الأولى بقيادة عبد الإله بنكيران في الانتخابات التشريعية بـ125 مقعد برلماني، فإنه لا يستطيع تشكيل حكومة ذات أغلبية برلمانية، لعدم وصوله إلى النصاب القانوني لنيل ثقة البرلمان، المحدد في 198 مقعد، ما سيضطره إلى التحالف مع أحزاب أخرى.

في هذا السياق، صرح عبد الإله بنكيران قائلًا:«نحن منفتحون على جميع الأحزاب، باستثناء حزب البام»، وبدوره أكد إلياس العماري، زعيم حزب الصالة والمعاصرة (البام) باستحالة انخراط حزبه في حكومة العدالة والتنمية، مُؤكدًا أنه اختار التموقع في المعارضة، الأمر الذي سيصعب مهمة حزب العدالة والتنمية في بناء ائتلاف حكومي، فيظل حصول الحزبين الخصمين، على أغلبية المقاعد البرلمانية، وضعف حصيلة الأحزاب الأخرى.

وعليه، يلزم على حزب العدالة والتنمية، التحالف مع ثلاثة أحزاب أو أربعة؛ ليتمكَّن من تشييد أغلبية حكومية. ويتوقع أن يلجأ إلى التحالف مع حزب الاستقلال وحزب التجمع الوطني للأحرار، مع الإبقاء على حليفه السابق حزب التقدم والاشتراكية.

ويعتبر «محمد مدني»، أستاذ العلوم السياسية، أن القصر هو المحدد للتشكيلة الحكومية المقبلة، باعتبار أن المسألة «لا تتعلق بمهارات البيجيدي في فن التحالف أو التفاوض، بقدر ما يتعلق الأمر بموقف القصر منه كحزب ومن رئيسه عبد الإله بنكيران، كون بعض الأحزاب الإدارية تتطلب موافقة القصر لدخول أي ائتلاف حكومي».

وإذا لم ينجح حزب العدالة والتنمية في تشكيل حكومته، فإن الدستور المغربي لا يطرح حلول أمام هذه المعضلة، الأمر الذي قد يقود إلى حكومة تكنوقراط، أو ربما نشهد إحدى غرائب المشهد السياسي، بتحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الأصالة والمعاصرة.

هل هي محطة تغيير؟

تميزت هذه الانتخابات البرلمانية، بحسب محمد مدني، ببروز تأثير المواطن على العملية السياسية، الذي يقول مدني، إنه (أي المواطن) «أصبح يفرض تطلعاته على الأحزاب السياسية والقصر معا، خلافا لما كان عليه الحال سابقًا، حيث كانت تبدو نتائج الانتخابات شبه محسومة قبل موعدها».

كما تأكد بالواقع أنه لم يعد بإمكان الدولة العميقة اللعب بالعملية الانتخابية بشكل فاضح، رغمبعض الخروقات المسجلة في هذه الدورة الانتخابية، نتيجة الضغط الشعبي والسياسي، ولاسيما على الشبكات الاجتماعية، وبالتالي أصبح من الممكن التغيير من داخل المؤسسات، كما يُشير أستاذ العلوم السياسية المغربي.

من جهة أُخرى، لا يتفاءل طرف آخر بالصورة إلى هذه الدرجة، انطلاقًا من وجهة نظر ترى أن القصر لا يزال مركز النظام السياسي في المغرب، في الوقت الذي لا تُبدي فيه أية أحزاب سياسية مغربية، إجراء «إصلاحات, سياسية دستورية في نظام الحُكم.

ورغم ما قد يراه البعض بُطئًا في تطور العملية السياسية نحو الديمقراطية، في المغرب، إلا أن الاستقرار السياسي الذي تشهده البلاد، يُعد ميزة مفقودة في معظم دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

المصادر

تحميل المزيد