من عادة مشجّعي نادي ليستر سيتي الإنجليزيّ مشاهدة رئيس الفريق، التايلاندي فيشاي سريفادانابرابها وهو يحطّ وسط ملعب الفريق بمروحيّته الزرقاء المزيّنة بشعار نادي الثعالب قبل كلّ مباراة، فقد أصبحت هذه الحركة إحدى الطقوس المقدّسة في السنوات الأخيرة منذ شراء فيشاي للنادي سنة 2010. لكن ليلة 27 أكتوبر (تشرين الأوّل) 2018 كانت مختلفة، فبعد مباراة الثعالب ضد ويست هام، والتي انتهت بتعادل جاء في الدقيقة الأخيرة، طار فيشاي رفقة أربعة من مساعديه على مروحيته كالعادة من أجل تجنّب الزحام الحاصل بعد كلّ مباراة؛ إلاّ أنّها كانت «الرحلة الأخيرة» لفيشاي ورفاقه؛ فسرعان ما تحطّمت المروحيّة وتحوّلت إلى كرة من لهب بالقرب من الملعب، لتنتهي حياة كلّ المسافرين على متنها.

رئيس نادي ليستر سيتي، رجل الأعمال التايلاندي الذي تقدّر ثروته بحوالي 3 مليار دولار، وتتركّز استثماراتها في قطاع الأسواق الحرّة (Duty-free shop) بالإضافة إلى امتلاكه أسهمًا في شركة «Air Asia» للطيران، وعدّة استثمارات أخرى، والأهم من ذلك، الرجل الذي يقف خلف تحقيق نادي ليستر سيتي لقب بطولة البريمرليج الأسطوريّة سنة 2016، لقي مصرعه في حادثة تحطّم المروحيّة التي اعتاد التنقّل على متنها إلى ملعب «الكينج باور».

ليستر سيتي.. نادي الإنجاز الأشهر في حِداد

عندما اشترى فيشاي نادي ليستر سيتي سنة 2010 بمبلغ لم يتجاوز 39 مليون جنيه استرليني؛ لم يكن يحلم بأنّه سيرفع بعدها بستّ سنوات كأس البريمرليج عاليًا، تلك الكأس التي لم تخرج منذ رُبع قرن عن خمس أندية كُبرى تتداول على حملها، إذ لم يفُز أيّ نادٍ بخلاف مانشستر يونايتد وأرسنال وتشلسي ومانشستر سيتي وبلاكبيرن بالدوري منذ تأسيس البريمرليغ سنة 1992، لكن كلّ شيء كان سيتغيّر بمكالمة هاتفيّة في صيف 2015، من طرف مدير أعمال المدرّب الإيطالي كلاوديو رانييري، مُحاولاً إقناعه بقبول عرض هذا النادي المجهول الذي يُدعى ليستر سيتي، والذي صعد منذ 2014 فقط إلى الدرجة الأولى البريمرليج وتفادى السقوط للدرجة الثانية بأعجوبة في الموسم السابق.

Embed from Getty Images

رانييري كان الرجل المثاليّ لنادٍ مثل ليستر، فقد كان المدرّب الذي كثيرًا ما اقترب من تحقيق المجد، لكن دون الوصول إليه بالفعل، إذ أنّه لا تستطيع أن تتجاهل سيرته الذاتيّة التي تحمل فوزًا بكأس الملك وكأس السوبر الإسبانيّتين مع نادي فالنسيا؛ بالإضافة إلى الكأس الإيطاليّة مع فيورنتينا، ومركزٍ ثانٍ في البريمرليج مع تشلسي قبل 15 سنة. سيرة ذاتيّة لا يُمكن تجاهلها، وفي نفس الوقت لا ترقى لأن تمنحه وظيفة في أحد أندية القمّة، وهو ما جعل إدارة ليستر بقيادة التايلاندي فيشاي تستقدم «العجوز الإيطالي» بداية بنوع من التشكّك والريبة في احتماليّة نجاحه في المهمّة المنشودة، على تواضعها: ضمان البقاء في الدرجة الأولى.

موسم 2016 بالنسبة لجماهير ليستر، بل لجماهير كرة القدم في العالم سيبقى محفورًا في التاريخ، إذ استطاع النادي الذي كان يصارع للبقاء في الموسم الماضي أن يحقّق لقب البريمرليج الأوّل في تاريخه ضدّ كل التوقّعات، بعد موسم حافل بالإنجازات واللحظات الكرويّة الذهبيّة، والتي أوصلت إلى العالميّة أسماء لاعبين مجهولين قبلها: جايمي فاردي ورياض محرز، والحارس كاسبر شمايكل ووسط الميدان الدفاعي نجولو كانتي وغيرهم. كان ذلك بأساليبه الغريبة في التدريب، التي تضمّنت تعاون الفريق في صُنع البيتزا بعد كل مباراة، ومن خلال مجموعة من اللاعبين المتكوّنين من أسماء متواضعة وأخرى غير معروفة وبميزانيّة مجهريّة، استطاع النادي تحقيق المستحيل.

Embed from Getty Images

في كرة القدم هنالك نوعان من مُلاّك الأندية: النوع الأوّل هم رجال الأعمال من غير المهتمّين بكرة القدم، إذ يملكون استثمارات في عدّة مجالات وبالتالي فهم أكثر انشغالًا من متابعة أخبار النادي ومشاكله ونتائجه، ونادرًا ما تشاهدهم في مدرّجات الملعب، وهنالك النوع المولع بكرة القدم والذي يتابع كل صغيرة وكبيرة تجري في ناديه ويحرص على مشاهدة كلّ مباراة لفريقه. فيشاي كان من النوعيّة الأخيرة، إذ أنّه كان يملك فهمًا عميقًا لمشاعر الأنصار وتعلّقهم بألوان الفريق، فكثيرًا ما تراه هو وابنه على مدرّجات الملعب يتابعون الفريق ونتائجه بشكل دوري باعتبارهم مشجّعين فعليين قبل أن يكونوا مُلاّكًا للفريق.

وإلى جانب استثمار فيشاي بأكثر من 100 مليون دولار منذ سنة 2014 من أجل تدعيم الفرقة بلاعبين يقدّمون الإضافة، فقد كان حضوره الشخصي للمباريات وقربه الشديد من اللاعبين بنفس أهميّة مساهماته المالية، وقد زاد هذا الاهتمام بشكل استثنائي خلال الموسم التاريخي 2016 وبعده، ذلك الموسم الذي قرّر فيشاي بعده مكافأة لاعبيه بإهداء كل واحد منهم سيّارة «BMW» من طراز i8 ذات تكلفة 100 ألف دولار.

ردود أفعال تضامنية واسعة مع فيشاي

شهدت الليلة قبل الماضية ترقّبًا شديدًا من طرف أنصار النادي، بعد تواتر أخبار عن تحطّم مروحيّة رئيس الفريق واحتماليّة إصابة رئيس الفريق ومن معه، وبعد تأكّد خبر وفاة السيد فيشاي مالك النادي، تجمّع المئات من مشجّعي الفريق ولاعبيه ليضعوا أكاليل من الورود أمام الملعب، تعبيرًا عن تضامنهم ومشاعرهم المتعاطفة مع مُصاب النادي.

عاشت بلدة ليستر الصغيرة قبل سنتين فقط إحدى أجمل لحظاتها الكرويّة بعد تتويج نادي المدينة باللقب، وقد بلغت شُهرة المدينة بذلك العالميّة، وهي تشهد الآن لحظات من الحُزن والأسى بعد وفاة فيشاي، الذي كان جزءًا مهمًّا من تحقيق الحلم الكروي، حلم سيعيش سنوات طويلة بعد وفاته.

ردود أفعال اللاعبين والمجتمع الكروي في إنجلترا جاءت مليئة بمشاعر التضامن والأسى على هذه الحادثة، إذ أضاءت جامعة ليستر مبانيها باللون الأزرق والأبيض تضامنًا مع الحادثة، وتحوّلت الساحة المحيطة بالملعب إلى مكان لتلقّي التعازي ووضع أكاليل الورود والرسائل تخليدًا لذكراه، وقد عبّر عدّة لاعبين وشخصيّات عن أساهم وتضامنهم مع الضحايا، من بينهم جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»،ألكسندر تشيفرين رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا».

ومن اللاعبين،غرّد مهاجم النادي جايمي فاردي قائلاً: «أعجز عن إيجاد الكلمات المناسبة. بالنسبة لي أنت أسطورة، رجل خارق ذو قلب كبير، أنت روح نادي ليستر سيتي. شكرا على كل شيء فعلته لي ولعائلتي، وللنادي. سأفتقدك بشدّة».

لاعبو ليستر سيتي أثناء تقديم تعازيهم

و نشر اللاعب السابق لليستر سيتي والمنتخب الانجليزي جاري لينيكر قائلاً: «لقد ساعد في صنع المعجزة السحرية بالفوز باللقب التاريخي للنادي، شكرًا لك على كل ما فعلته لنادينا». وقال قائد الفريق، فيس مورجان عن الحادثة: «قلبي منكسر وحزين بسبب الأخبار المتعلّقة برئيسنا، الرجل الذي أحببناه».

وغرّد  محمد صلاح مهاجم المنتخب المصري ونادي ليفربول قائلاً: «إنه فعلاً يوم مُحزن لكرة القدم». وكتب رياض محرز، اللاعب السابق لليستر سيتي ومهاجم المنتخب الجزائري عبر «فيسبوك» قائلاً: «تعازيّ الخالصة للمشجعين وللنادي ولسكّان ليستر، وللعائلة. نم بسلام يا ريّس».

أما رئيس حزب العمّال جيريمي كوربين فنشر عبر «تويتر»: «أرسل أعمق تعازيّ إلى عائلات ضحايا الحادثة وأحبائهم، نقف معك في هذه اللحظات الصعبة والحزينة».

 الأمر وصل للحكومة البريطانية نفسها، عندما بعثت رئيستها تريزا ماي تعازيها لأسر ضحايا الحادث، وقالت: «مظاهر الألم الكبيرة، هي إشارة للكيفية التي كان يؤثر بها هؤلاء الذين كانوا على متن المروحية في حياة الكثير من الناس»، فيما  أعرب الأمير ويليام دوق كامبريدج الرئيس الشرفي للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، عن حزنه من الحادثة، مشيدًا بقيمًا حميدة لمسها في شيفاي خلال معرفته المسبقة به، عندما قال: «كنت محظوظًا بمعرفته خلال عدة سنوات، كان رجل أعمال يتمتع بقيم قوية جدًا، وهو مرتبط بعائلته، وفعل العديد من الأعمال الخيرية»

 الأمر وصل للحكومة البريطانية نفسها، عندما بعثت رئيستها تريزا ماي تعازيها لأسر ضحايا الحادث، وقالت: «مظاهر الألم الكبيرة، هي إشارة للكيفية التي كان يؤثر بها هؤلاء الذين كانوا على متن المروحية في حياة الكثير من الناس»، فيما  أعرب الأمير ويليام دوق كامبريدج الرئيس الشرفي للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، عن حزنه من الحادثة، مشيدًا بقيمًا حميدة لمسها في شيفاي خلال معرفته المسبقة به، عندما قال: «كنت محظوظًا بمعرفته خلال عدة سنوات، كان رجل أعمال يتمتع بقيم قوية جدًا، وهو مرتبط بعائلته، وفعل العديد من الأعمال الخيرية»

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!