حين نلقي نظرةً على القرن العشرين لا نرى حدثًا أهم من سقوط الاتحاد السوفيتي 1991، وتحوُّل العالم من حالة الاستقطاب بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي إلى حالة القطب الواحد الذي مثَّلته أمريكا مع نهاية الحرب الباردة.

«لا يوجد تاريخ على الأرجح، وإنما سيرة ذاتية فقط» *رالف إيميرسون

حدث محوري بحجم سقوط الاتحاد السوفييتي، كثيرًا ما اقترن باسم شخصٍ واحد هو ميخائيل جورباتشوف، هذا الشخص الذي كان ذات يوم رئيسًا لإحدى القوتين المتنافستين على قيادة العالم، ثم تحول إلى مجرد رجل مرحلةٍ منتهية، يبذل محاولات يائسة للعودة إلى المسرح، لكن الضوء انسحب من زاويته التي يقف عليها، ولم يعدْ مرةً ثانية، ليتركه بثقل ذاكرةٍ ثقيلة عن حلمٍ انتهى بسرعةٍ غير متوقعة.

خمس لوحات من حياة ميخائيل جورباتشوف

في السيرة الذاتية المفصلة لميخائيل جورباتشوف التي أعدها محررو مجلة التايم، يقول المقدم إن السبب الرئيس لصعوبة كتابة سيرة الرجل هو أنه «ظهر من وضعٍ مغمورٍ نسبيًا إلى السلطة والشهرة نسبيًا»، وفي بداية هذا التقرير يمكن تقديم خمس حكايات قصيرة من سيرة جورباتشوف يمكنها أن تشكِّل إضاءات على مواقفه السياسية وحياته الرئاسية التي ستُعرض لاحقًا.

اللوحة الأولى من مكان ولادته التي كانت في الثاني مارس (أذار)1931، خلال هذه الفترة كان ستالين قد بدأ هجومًا قاسيًا ضد الفلاحين المتوسطين والأغنياء، وقد كان كافيًا أن تملك بقرتين وقطعة أرض صغيرة؛ لتوصف بأنك فلاح ثري، خلال هذه الفترة وفي عام 1938 ألقي القبض على جورباتشوف جد ميخائيل بحجة عضويته في منظمة مقاومة الثورة وستالين؛ كسرت ذراعه جراء التعذيب الشرس، ثم أطلقوا سراحه؛ حين ثبت أنه عكس ذلك.

في ذات هذا المكان، وفي البيت الصغير كان والدا جورباتشوف يملكان «أيقونات» مسيحية، لكنهما اضطرا إلى إخفائها وراء صورتي لينين وستالين؛ بسبب الخوف من الحزب الشيوعي الذي عادى الأديان، واعتبرها تهديدًا للأيديولوجيا.

اللوحة الثانية كانت لفتىً يجلس في المنزل، ولا يستطيع الذهاب إلى المدرسة، لأن والدته عجزت عن شراء حذاءٍ جديدٍ له. ظل على هذا الحال مدةَ ثلاثة أشهر، وحين علم والده الذي كان يقاتل حينها على الجبهة لصالح الاتحاد السوفييتي ضد النازية، طلب من أمه أن تبيع ما هو ثمين في المنزل من أجل شراء حذاءٍ لميخائيل.

(جوزيف ستالين)

اللوحة الثالثة للفتى، وقد أصبح في الرابعة عشرة من عمره، ويبدو أنه أصبحَ كبيرًا بما يكفي ليشارك والده أعباء الزراعة في قريته الفقيرة التي سئل أحد سكانها يومًا: إلى أين أنت ذاهب؟ فأجاب: «إلى السجن، لا أجد شرطيًا يصحبني إلى هناك»، لقد كان الفقر قاتلًا إلى الحد الذي فضَّل فيه الناس السجن حيث يتوفر الطعام على الحياة في الخارج. كان على ميخائيل أن يحتمل درجة الحرارة المتطرفة فيلف القش على نفسه؛ ليمنحه القدرة على العمل.

اللوحة الرابعة تعود لصيف 1951 حيث عاد غورباتشوف من جامعته إلى عائلته في بريفولنوي، بينما عاد صديقه “ملينار” إلى براغ، أرسل ملينار من هناك بطاقةً لجورباتشوف، وقد أدى وصول هذه البطاقة إلى إرباك المسؤولين في وزارة الداخلية المسؤولة عن كافة القضايا الأمنية في الاتحاد السوفييتي، فكل شيء يصل من الخارج هو موضع شبهة حتى لو أتى من دولةٍ اشتراكية صديقة، وقد قال جورباتشوف لصديقه لاحقاً: إن مدير الشرطة قد سلمه البطاقة بنفسه بعد تقدير خطرها على الأمن والتحقيق معه حول مرسلها، وقد تمكن جورباتشوف من إقناع المسؤول بعدم خطورة البطاقة، وضحك الصديقان من الكارثة التي كان يمكن أنت تقع بسبب بطاقةٍ بريدية بريئة.

غير أن هذه العلاقة بين الصديقين ظلت موضع شكٍّ من المحيطين، فقد اعتقد البعض أن تقارب جورباتشوف من ملينار الأجنبي وانتقاده الستالينية أمامه كان بغرض كتابة تقارير إلى الجهات الأمنية حوله، خاصة إذا ما كان أصدقاء الدراسة يؤكدون أن جورباتشوف تمتع بشخصيتين: الأولى كانت منتقدة لمظاهر السياسة السوفييتية، والأخرى ظهر فيها كقائد كومسومولي حريص على خلق انطباع جيد لدى مسؤولي الحزب الذين يراقبون تصرفاته.

اللوحة الخامسة لرجل بلغ في العقد الثامن من عمره، يظهر متواضعًا في مقابلةٍ تلفزيونية في مارس (آذار) 2014، وبنظرة حزينةٍ ووديعة يختصر غايته في الحياة ويقول «لا أريد إلا أن يصفني التاريخ بالرجل الطيب»، فلماذا رأى ميخائيل جورباتشوف أنه يستحق أن يصفه التاريخ بالرجل الطيب؟ يمكن أن نفهم ذلك من خلال المرور على كتابه «البيروسترويكا» الذي ألفه في خريف 1987.

«جورباتشوف المتسامح».. كيف تغير العالم في ستةِ أعوامٍ فقط؟

في عام 1985 أصبح ميخائيل جورباتشوف رئيسًا للحزب الشيوعي الذي يسير الاتحاد السوفيتي بأكمله، وقد كانت الأوضاع في هذه المرحلة شديدة التعقيد على جميع الأصعدة، إذ تكدست الأزمات الاقتصادية مع الأزمات الإدارية والسياسية، بالإضافة إلى تورط الاتحاد السوفيتي في سباق التسلح المرهق مع الولايات المتحدة من جهة، وعلاقاته المتزعزعة بدول العالم الثالث من جهة أخرى، إذ لم تؤتِ معونات الاتحاد المكلفة لهذه البلدان أُكُلها في نشر مبادئ الثورة الاشتراكية.

جورباتشوف الذي اعتُبِر أصغرَ رئيسٍ شاب في تاريخ الحزب كان متحمسًا لتغيير الأوضاع للأفضل على جميع الأصعدة الداخلية والخارجية، ولأجل ذلك أطلق مصطلحين على عملية الإصلاح التي انتواها «البيروسترويكا» والتي تعني إعادة البناء، و«الغلاسنوست» وتعني المكاشفة.

كتاب البيروسترويكا لجورباتشوف يوضح مدى حساسية هذه اللحظة التاريخية، التي عاشها الاتحاد السوفياتي بعد سنوات طويلة من حربه ضد الرأسمالية والنموذج الديموقراطي الغربي بشكل عام، لقد بدا جورباتشوف فيه متسامحًا.

نبع تسامحه هذا ربما من واقع الأزمات المأساوي، حيث يصبح التسامح خيارًا «براغماتيًا» لا توصيفًا أخلاقيًا، وربما ينبع من افتقار جورباتشوف للإيمان الكافي بواقعية المبادئ الاشتراكية، خاصةً إذا عرفنا أن الصحف لطالما انتقدت النمط الحياتي لزوجته «رايسا»، والتي بدت وكأنها تنتمي إلى النمط الغربي في أزيائها ومغالاتها في التأنق، وهو ما لم يكن معتادًا في الاتحاد السوفيتي، بل أكثر من ذلك كان ظهورها الواضح أثناء اجتماعٍ له مع «مارغريت تاتشر»، حين قال: كلنا نتمني إلى الطبقة العاملة، فقاطعته بجرأةٍ انتقدتها الصحف قائلة «لا، لسنا كذلك، ورد عليها جورباتشوف موافقًا».

(جورباتشوف وزوجته رايسا)


أيَّاً كان سرُّ هذا التسامح، فإنه يمكننا اعتبار كتاب البيروسترويكا نموذجًا للخطاب الإصلاحي المتسامح الذي يكون أحد الحلول في حالات الأزمة؛ حين يعتقد المنظِّرون أنه بالإمكان الخروج بأقل الخسائر عبر التصالح مع الواقع ومحاولة احتوائه، لا مقاومته، لكنَّ هذا الخطاب، وبالرغم مما قد يتصف به من جاذبية، غالبًا ما يكون غير قادرٍ على الاستمرار أو إثبات فعاليته على أرض الواقع، خاصةً إذا ما وُضِع في مواجهة الخطابات الراديكالية أيًّا كانت جذورها.

خطاب جورباتشوف كان فيه الكثير من التوتر في نظر البعض، الذي أدى به في النهاية إلى الفشل، وهو ما سنتبعه هنا في ملاحظات سريعة:

– رأى جورباتشوف مساوئ واقعه بقوة وركَّز نظرته عليها؛ ففي كتابه هذا يسرد ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في الاتحاد السوفيتي، فبالرغم من أن الاتحاد كان أكبر منتج في العالم للصلب والمواد والوقود والطاقة حينها، فإنه يواجه نقصًا فيها بسبب الاستخدام التبديدي أو غير الكفء، وبالرغم من أنه من أكبر منتجي الحبوب للغذاء، كان عليه أن يشتري ملايين الأطنان من الحبوب في العالم للعلف، وبالرغم من وفرة المستشفيات، إلا أنه كان هناك نقص في الخدمات الطبية، وبالرغم من التطور التكنولوجي يرى جورباتشوف أن هناك نقصًا في استخدام المنجزات العلمية للحاجات الاقتصادية، وأن الأجهزة المنزلية السوفيتية من نوع رديء.

لم يكن جورباتشوف رجلًا يجيد الادعاء على ما يبدو، ولا ندري إذا ما كان هذا هو العيب الذي أدى في النهاية إلى فشل سياسته الإصلاحية المقترحة، فقد أظهر أن كل الدعايات السابقة لنجاحات الاتحاد السوفييتي كانت مدعاة، ورأى أن تقديم الواقع (الخالي من المشاكل) أدى إلى سريان الفساد في الأخلاقيات العامة، وتسرب الضعف إلى المواطنين الذين كانوا يشعرون بالتضامن أوقات الثورة البطولية والخطط الخمسية الأولى، وزيادة إدمان الخمور، وزرع القوالب الثقافية الجاهزة التي أدت إلى هبوط الذوق، والجدب الأيديولوجي، وبشكلٍ عام رأى أن هناك تدهورًا تدريجيًا في القيم الأيديولوجية والمعنوية للشعب.

لقد كان جورباتشوف يتحدث عن واقعه كما لو كان في موقع المعارضة لا السلطة، وربما لو كان حينها معارضًا لكان أخذ الوقت الكافي لمثل هذا التنظير دون تحمل مسؤولية البدء في تنفيذه، وتحمل عواقب هذا التغيير الجذري المفاجئ.

– وبسبب كل هذه المساوئ اقترح سياسته الإصلاحية (البيروسترويكا والغلاسنوست)، ويعرف جورباتشوف البيروسترويكا بأنها التخلص الحازم من العمليات الراكدة وتحطيم الكبح وبناء «ميكانيزم» متين وفعال لتسريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وإضفاء ديناميكية كبيرة عليها، وأنها الإبداع الحي للجماهير، وفي هذا التعريف لا يتخلص من بلاغيات وعموميات الدعوات الإصلاحية العاطفية، لكنه يفصلها في مواضع أخرى ويبين طريقة الوصول إلى هذه التنمية بالاعتماد على تشجيع المبادرات الفردية وتعزيز الانضباط والنظام واحترام كرامة الفرد، ولذا يصفها «غريغروف» بأنها ذات طابع إنساني مثالي.

أما «الغلاسنوست» فتعتمد على توسيع الاتصالات المباشرة بالجماهير، وقد اعتنى جورباتشوف بالرسائل التي تصل إليه من القاعدة بصفتها التغذية الراجعة التي تربطه بالجمهور، وقد سمحت هذه السياسية بفتح المجال أمام الحريات العامة والتعبير عن الرأي، ففتحت دور السينما لعرض أفلام كانت محظورة سابقًا، وتم عرض قضايا محرمة للنقاش عبر التلفزيون، مثل التحقيق في كارثة «تشرنوبل».

النتائج العكسية للتسامح

غير أن كلتا السياستين الإصلاحيتين أدَّتا إلى نتائج عكسية، أو إلى الفوضى، فقد أعاقت البيروقراطية المؤسساتية التي قام عليها الاقتصاد السوفييتي لسنوات إصلاح الاقتصاد، إذ كان من الصعب تحويل الاقتصاد من طبيعته المركزية إلى اقتصاد مرن يقارب قوانين السوق، أما سياسة الغلاسنوست فقد فتحت المجال أمام الحريات بشكلٍ غير تدريجي ومعه بدأت أصوات الجماهير تعلو بكل ما كانت قد أسَّرته خلال سنوات طويلة من الرضوخ للحزب الشيوعي.

بدأت النقاشات العرقية والتحررية والمطالبات بالاستقلال والانتقاد للاشتراكية والقمع الستاليني وتشكلت أحزاب جديدة على أسس مختلفة؛ وهو ما أدى بالنهاية إلى تفكك الاتحاد السوفييتي واستقلال الدول.

(سقوط جدار برلين الذي شكَل صدعًا لتماسك الاتحاد السوفيتي)

لا ندري هل سيصف التاريخ جورباتشوف بالرجل الطيب، أم سيصفه بالرجل الذي أسقط قوة عظمى بقدر الاتحاد السوفييتي.

لم يكن جورباتشوف واضحًا في خطابه؛ فعلى الرغم من أن سياسته الإصلاحية كانت تنتقد علاقات الإنتاج القائمة، وتقترح علاقات جديدة تعلي من قيمة الفرد وإحساسه بملكيته لنشاطه الإنتاجي، وبالرغم من انتقاده للأسس التي قام عليها الاقتصاد الاشتراكي مثل نقده لسياسة مساواة الأجور، التي يرى أنها أتاحت للعامل الرديء أن يحصل على ما يكفيه لحياة معقولة ومريحة، وأن بعض الناس يستغلون مزايا الاشتراكية، فيعملون بتكاسل ويتهربون ويتعاطون المسكرات بكثرة، بينما الصناديق الاجتماعية تتكفل بحماية الناس ضد تقلبات الحياة، وظل مصرًا مصِّرًا أن سياسته الجديدة هي من روح الاشتراكية، فهل هي كذلك حقًا؟

على الرغم من أن سياسته الإصلاحية قائمة على المزيد من الديموقراطية، والتقليص من مركزية السلطة، وتفعيل دور الفرد وإحساسه بذاته، إلا أن جورباتشوف يرى أنه يبحث عن إجابات أسئلة الواقع من داخل الاشتراكية، وليس خارجها، وأنه يقيم النجاحات والأخطاء على السواء بمعايير اشتراكية.

يبدو هذا النوع من الإصرار على الجذور الاشتراكية للخطة الإصلاحية – على الرغم من أن الخطة ليست كذلك – شبيهًا بما يقوم به بعض المصلحون الإسلاميون اليوم، من حيث محاولة ليِّ عنق النص التشريعي الديني، وتسخير مواقف التراث في خدمة فكرة أيديولوجية لا يمكن أن تنتمي للمنظومة الإسلامية، وهذه هي الاستراتيجية التي لا تنمُّ عن شيء ـ ربما ـ بقدر ما تنم عن أن المنظومة الفكرية قد بلغت حدًا من العجز يتعذر معه أن تكون واقعية، لكن يتم رفض الإقرار بهذا العجز لأسباب هوياتية، ويتم اختيار احتواء الواقع الجديد كبديل عن مقاومته أو الاستسلام له.

على الرغم من أن جورباتشوف كان رئيسًا للقوة العظمى التي تنافس الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه في تنظيراته كان يبدو كمفكِّرٍ إنساني، لا كسياسي يحتل أكثر المناصب السياسية خطورةً في تلك الفترة، فهو يرى أن المخرج الوحيد هو جعل العلاقات الدولية أكثر إنسانية، وأنه من الجوهري أن يرتفع جميع الأطراف فوق الخلافات الأيديولوجية، ويقرر كل طرفٍ خياره الخاص، الذي يجب على الجميع احترامه.

وببلاغة مفكِّرٍ إنسانيٍّ ورِع يستغرب جورباتشوف عدم إدراكنا أننا جميعًا نمثل جنسًا بشريًا واحدًا، وأننا نتشارك في مصير واحد، وعليه يرى أنه علينا تعلم أن نكون جيرانًا متحضرين فوق كوكبنا، فقد ورثت أجيال اليوم من الماضي المواجهة السوفيتية الأمريكية، ويتساءل جورباتشوف «هل قدرٌ علينا أن نستمر في العداوة؟» ثم يعرض التقارب بينه وبين الولايات المتحدة؛ لأن «الاغتراب شر» برأيه.

لا يمكن الحكم حقيقةً فيما إذا كان هذا الخطاب يليق بالرئيس الند لـ«ريغان» الذي سخَّر آلته الإعلامية لشيطنة الدب الروسي، أم يليق ببابا «الفاتيكان» في خطبةٍ حول مآسي الصراعات البشرية بما يكتنفه من ألفاظ توحيد البشرية، بعبارات مثل: جنس بشري واحد، ووحدة المصير البشري، وكوكبنا، وقدر العداوة، وقيم الشر والخير.

يحذِّر جورباتشوف كثيرًا من سباق التسلح النووي، الذي تسيطر عليه ذات الخيالات التي تسيطر على كاتب سينمائي هوليودي عن احتمالية قيام حربٍ نووية، فيرى أن تكديس الأسلحة – لا سيما الصواريخ النووية – يجعل من اندلاع حربٍ عالمية، حتى وإن يكن دور قرارٍ من أعلى أو بطريقة عفوية، احتمالًا متزايدًا باستمرار، ويمكن أن يحدث نتيجة خلل تكنيكي أو لقابلية الإنسان للخطأ، ومع ذلك فسوف تحل الكارثة بكل ما هو حي على ظهر الأرض.

في الحقيقة تبدو فكرة دمار الكوكب بسبب خطأ تقني، أو خطأ، أو بطريقة عفوية فكرة سينمائية جيدة، واحتمالًا يليق بخيال روائي جيد، أو مواطنٍ قلق في القرن العشرين، لكن هناك شكًّا في مدى مناسبتها لرئيس إحدى أكبر قوتين متنافستين في القرن العشرين.

ويبدو أن هذا الهاجس لا زال مسيطرًا عليه حتى الآن، ففي مقاله المنشور في مجلة الـ«تايم» الأمريكية في 17 يناير (كانون الثاني) 2017 يحذر جورباتشوف من أنه ليس هناك مشكلة أكثر إلحاحًا اليوم من عسكرة السياسة وسباق التسلح الجديد، وأنه لابد أن يكون وقف وإلغاء هذا التسلح على رأس أولوياتنا، فالوضع الراهن خطير جدًا على حد تعبيره.

اقرأ أيضًا: سباقات التسلح: وسيلة الدول العظمى الأسرع لتدمير العالم


في كتابه يخلط جورباتشوف بين ما هو منطقي وما هو سياسة واقعية، فلكي يسوق الحجج المقنعة لوقف سباق التسلح، يقول إنه «حتى لو انهمك أحد البلدين في تعزيز الأسلحة باطِّراد، بينما لم يفعل الآخر شيئًا، فإن الجانب الذي يسلِّح نفسه لن يكسب مع ذلك شيئًا؛ فقد يفجِّر الجانب الأضعف ببساطة كل شحناته النووية، ولو فوق أراضيه، وهذا يعني الانتحار بالنسبة له والموت البطيء بالنسبة للعدو. ولهذا السبب فإن أي مسعى للتفوق العسكري يعني أن يدور المرء في حلقةٍ مفرغة، ولا يمكن استخدام ذلك في السياسة الواقعية»، بحسبه.

إن ما يقوله جورباتشوف منطقيٌّ بالفعل، لكن هل يمكن أن يكون صحيحًا في الحسابات السياسية؟

تقول التجارب التاريخية إن السياسة لا تتبع المنطق، وأنها ليست عقلانية في كل الأحوال، إنها خادعة ومراوغة وتنظر لما بعد الحدث وليس إلى ما قبله، فسباق التسلح لم ينشأ بغرض الاستعمال أصلًا، بقدر ما كان غرضًا من أغراض المنافسة على السيادة على النظام الدولي وفرض الهيمنة، وهو في حساب السياسة الواقعية – حينها – مؤشرٌ على ذلك أكثر من أي شيء آخر.

– النهاية القاسية لحياة جورباتشوف السياسية.

في 25 ديسمبر (كانون الأول) 1991 قدم جورباتشوف استقالته من رئاسة الاتحاد السوفيتي الذي لم يعد له وجودٌ أصلًا، وقال في خطابٍ وداعي أن النظام القديم قد انهار قبل أن يبدأ النظام الجديد، لكنه لم ييأس تمامًا، ففي عام 1996 ترشح للرئاسة في روسيا، وحصل على 1% فقط من الأصوات!

لم يغب جورباتشوف نهائيًا عن المشهد، ظل يطل عبر مقالاته في التايم الأمريكية ليصرح بمخاوفه بشأن السياسة الدولية الحديثة، تبدو هذه التصريحات غريبةً أحيانًا، ففي مرةٍ أكد أن العالم على شفا حرب باردة جديدة، ومرة أكَّد أن الولايات المتحدة بحاجة إلى البيروسترويكا.

مهما يكن من أمر جورباتشوف، يبدو أنه كان يفكر بعقلية مفكر إنساني أو رجلٍ ثوريٍّ في المعارضة، لكنه لم يكن نداً لخصمه جورج بوش الأب، الذي علَّق على مشهد انهيار الاتحاد السوفيتي قائلًا «شعرت بشحنةٍ هائلة وأنا أراقب الانهيار النهائي للاتحاد السوفيتي، لقد خصَّني القدر بامتياز أن أكون رئيسًا في زمن شكَّل آخر فترات الحرب الباردة»، وبالرغم من أن غسان كنفاني قال ذات يوم «لا تمت قبل أن تكون ندًّا»، فإنه يمكن التساؤل إذا ما كان التاريخ سيعتبره رجلًا طيبًا كما تمنى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد