«القاضي الجنائي في استطاعته أن يحكم بالبراءة للمتهم أو أن يُدينه، لأن أية قضية لا تخلو من ثغرات، فأية قضية تحمل دائمًا الوجهين؛ لذلك فالقاضي إذا أراد أن يُبرئ المتهم، فإنه سيبحثُ عن ألف سببٍ للبراءة، ولا سلطانَ عليه في أحكامه بنصّ القانون؛ وإذا أردتَ الدليل على صحة كلامي، فانظرْ إلى قضية مبارك؛ فالأدلة التي حصل عليها بالمؤبد هي نفسها التي كانت سبب براءته»، هكذا صرح مستشار في مجلس الدولة رفض ذكر اسمه لـ«ساسة بوست».

في هذا التقرير درس في «الثغرات القانونية»، نشرح لك كيف تمكن دفاع المتهمين من إنقاذ نظام ثار عليه الشعب في أيام الغضب؛ فهل أنت مستعد لهذه الرحلة القانونية؟

قضية «موقعة الجمل»: مبدأ الشك القانوني

«يُفسر الشك لصالح المتهم، ويحكم القاضي بالبراءة، إذا عجز الادعاء العام عن تقديم الأدلة التي تفيد اليقين» *مبدأ الشك القانوني (ثغرة القضية).

تعود أحداث «موقعة الجمل» إلى اتهام النيابة العامة 25 من رموز النظام المخلوع، على رأسهم، «فتحي سرور» و«صفوت الشريف»، رئيسا مجلسي الشعب والشورى المنحلين؛ حيث وجهت لهما اتهامات قتل المتظاهرين السلميين، والاعتداء عليهم في ميدان التحرير بواسطة استئجار مجموعة من البلطجية والمسجلين خطرًا؛ من أجل تحريضهم على فضّ التظاهرات المناوئة لمبارك بالقوة والعنف، وهي الموقعة التي حدثت في الثاني من فبراير (شباط) 2011، وأسقطت 11 قتيلًا وأكثر من 2000 جريح.

أسندت النيابة اتهاماتها في الواقعة وفقًا للأدلة التي جمعتها بمساعدة لجنة تقصي الحقائق التي تشكلت بتوجيه الرأي العام الدولي والمحلي الذي تابع أحداث القضية.

 

وتبدأ أولى ثغرات البراءة من مبدأ «الشك القانوني» الذي يقول: إن «الشك يُفسر لصالح المتهم»، حيث يرى القانون الجنائي أنه «في حالة الحكم بالإدانة يجب أن يُثبت للقاضي على وجه اليقين أن الأدلة تكفي لإدانة المتهم، فإذا شاب هذه الأدلة عوار يشكك في صحتها تعين عليه أن يحكم بالبراءة؛ لأنه خيرٌ للعدالة أن يفلت ألف مجرمٍ من العقاب، من أن يُدان بريء واحد».

لذلك حين بحثت محكمة جنايات القاهرة في أدلة الاتهام التي قدمتها النيابة، وجدت أنه ينقصها ما يفيد اليقين بأن المتهمين لهم علاقة بالجريمة؛ لأن القضية حتى الآن لازالت محلًا سر؛ لذا قضت بالبراءة، وجاء في حيثياتها ما يُفسر مبدأ الشك على النحو الآتي: «المحكمة لا تلتزم فى حالة قضائها بالبراءة بالرد على كل دليل من أدلة الاتهام، ما دام أنها رجحت دفاع المتهم، أو داخلها الريبة والشك فى عناصر الإثبات»، كما اعتبرت أن بعض شهادات الشهود جاءت كيدية، وهو ما لم تطمئن إليه المحكمة لإدانة المتهمين، لذا قضت حكمها في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) في 2012 بالبراءة.

المُلفت للنظر والتساؤل معًا، أن النيابة لم تطعن على الحُكم أمام محكمة النقض من أجل إعادة المحاكمة، إلا بعد مرور شهرين كاملين، فماذا يعني ذلك؟

في التاسع من مايو (آيار) 2013، رفضت محكمة النقض طعن النيابة على حُكم محكمة جنايات القاهرة؛ نظرًا لعدم تقديم الطعن في المدة المحددة له قانونًا بـ60 يومًا، حيث تقدمت النيابة بأسباب الطعن بعد المدة القانونية، وتلك ثغرة أخرى قتلت القضية نهائيًا؛ وبحسب القانون لا يجوز إعادة النظر في القضية بعد فوات مدة الطعن القانونية، وبذلك حُرم المتضررون من الشعب من إعادة المحاكمة، وحتى الآن لم يُعرف السبب الذي جعل النيابة تتأخر في تقديم الطعن.

وبحسب خبراء قانونيين، فإن أدلة النيابة للاعتراض على البراءة كانت قوية؛ نظرًا لأن المحكمة أغفلت شهادات الشرطة، وتلك سابقة لم تحدث من قبل؛ وانتهت القضية ولازالت دماء ضحاياها لم تبرد بعد في نظر الكثيرين.

حسين سالم.. يجوز التصالح في جرائم الاستيلاء على المال العام

مصدر الصورة: (فيتو)

 

«يجوز التصالح في جرائم الاستيلاء على المال العام» *المادة 18 مُكرر من قانون الإجراءات الجنائية (ثغرة قضايا الكسب غير المشروع).

في يوليو (تموز) 2015، أثار تعديل تشريعي يسمح بالتصالح فى جرائم الكسب غير المشروع واختلاس المال العام والرشوة جدلًا كبيرًا بين الفقهاء الدستوريين، حيث وصف البعض القانون بالباب الخلفي الذي يشجع على الفساد، والذي قد يسمح للمسؤولين من ذوي الضمائر الميتة بالعبث بالمال العام، والاستيلاء عليه، بينما اتجه آخرون إلى أبعد من ذلك، حيث اعتبروا أن القانون حالة طارئة لإنقاذ رموز النظام السابق من تهم القضايا المالية التي تهددهم بالسجن، وعلى رأسهم مبارك ورجل الأعمال «حسين سالم».

 

في عام 2011، ألقت الشرطة الإسبانية القبض على حسين سالم، ضابط المخابرات السابق؛ بناءًا على مذكرة توقيف دفعتها مصر إلى الإنتربول الدولي، ومَثل أمام محكمة مدريد التي اتهمته بالرشوة وغسيل الأموال والاستيلاء على المال العام، وقررت تغريمه مبلغ 27 مليون يورو، كما فرضت عليه المحكمة دفع مبلغ 15 مليون يورو، إن كان يود تجنب البقاء في السجون الإسبانية إلى أن يتم تسليمه ومثوله أمام القضاء المصري.

استغل محامي «سالم» ثغرة في الدستور الإسباني، تقضي بعدم تسليم مواطن إلى دولة أجنبية؛ حيث إنه حصل على الجنسية الإسبانية في عام 2008، لذلك تقدم بطعن إلى المحكمة الوطنية يؤكد انتهاك حقوقه الدستورية كمواطن إسباني، وتم إيقاف تسليمه لحين الفصل في الدعوى.

وواجه سالم عدة تهم منها غسيل الأموال، والرشوة، وقضية تصدير الغاز المصري لإسرائيل، والتربح واستغلال النفوذ، لكن تم إلغاء الأحكام الغيابية في قضايا الأموال بناءً على التصالح وانقضاء الدعوى، مثلما حدث في قضية قصور الرئاسة، و«ميدور» إسكندرية، وينتظر سالم حاليًا حكم محكمة الجنايات في قضية غسيل الأموال التي أجلتها إلى الشهر القادم، وهي آخر القضايا التي يحاكم فيها، ويجب التوضيح أنه لم يحضر أية محاكمة، ولم يوكل أحدًا للدفاع عنه، وحصل على البراءة بموجب الاتفاق مع الحكومة.

 

وكان سالم قد تقدم بأكثر من طلب إلى النيابة العامة المصرية، منذ عام 2013، للتصالح في قضايا اتهامه بالفساد والرشوة وغسيل الأموال، وإهدار المال العام، واستغلال النفوذ، مستفيدًا من المادة 18 مكرر في القانون الجنائي؛ وبعد أن أصدرت المحكمة الجنائية عدة أحكام غيابية بحقه، أعلن جهاز الكسب غير المشروع قبول التصالح مع رجل الأعمال مقابل التنازل عن 75% من ثروته، وتم دفع مبلغ خمسة مليارات و 341 مليونًا و850 ألفًا و50 جنيهًا؛ وخاطب النائب العام جهاز الإنتربول الدولي لرفع الحظر عن ممتلكات حسين سالم، بناءًا على مذكرة التصالح مع الدولة.

جديرٌ بالذكر أن المادة 18 ليست مُلزمة للنيابة العامة لإجراء التصالح، بحيث إن النائب العام له صلاحيات قبول أو رفض الطلب المقدم من الشخص المتهم في قضايا الأموال العامة، كما يجب التوضيح أن النيابة العامة قد تقدمت بطعن ترفض فيه تصالح الكسب غير المشروع مع رجل الأعمال الهارب.

لغز قضية تصدير الغاز المصري لإسرائيل

 

«عدم وجود أية مخالفات في اتفاقية بيع الغاز ترتب عليها إضرارًا بالصالح العام» *حيثيات البراءة.

تلك القصة طويلة جدًا نختصرها في أهم الأحداث؛ ففي عام 2005، وقّعت الحكومة المصرية اتفاقية تصدير الغاز إلى إسرائيل، ممثلة في حضور وزير البترول الأسبق «سامح فهمي»، وتقضي  الاتفاقية بتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز الطبيعي لمدة 15 عامًا بسعر ثابت، بثمن يتراوح بين 70 سنتًا و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية، بينما يصل سعر التكلفة في الأصل إلى 2.56 دولار، كما تم إسناد الاتفاقية إلى شركة «غاز البحر المتوسط» لتكون وسيطًا  يشتري من الحكومة المصرية ويبيع للإسرائيلية؛ وتلك ثغرة استند عليها دفاع سامح فهمي، وزير البترول الأسبق.

احتفظ النائب العام المصري بملف الشركة الوسيطة من الهيئة العامة للاستثمار، وهي الجهة التي تحتفظ بملفات كاملة عن تفاصيل تأسيس الشركات والصفقات التي تمت عليها، بالإضافة إلى هيكل الملكيات لكل شركة.

وحصلت جريدة «المصري اليوم» على النسخة الثانية والأخيرة من مكتب رئيس الهيئة، واكتشفت ثغرة قانوينة خطيرة، حيث إن سالم زور الأوراق الرسمية، وسجل شركة وهمية في التعاقد، وذلك مخالفة صريحة للقانون.

 

وداخل قاعة المحكمة أكد دفاع سالم أن الاتفاقية من بنود معاهدة «كامب ديفيد»، بالرغم من أن مصر في ذلك الوقت لم تكن منتجة للغاز، وتلك شهادة مريبة، وبالرجوع إلى نص المعاهدة باللغة الإنجليزية، تبين أنه لا يوجد أي نص يقول بتصدير الغاز لإسرائيل، بحسب السفير «جمال بيومى»، أحد الشاهدين على قرار تصدير البترول لإسرائيل فى عهد الرئيس الراحل «محمد أنور السادات».

وبدأ سير القضية بعد ثورة الغضب في 2011، حيث وجهت النيابة العامة الاتهام لكل من حسين سالم، وسامح فهمي، وزير البترول الأسبق، وخمسة آخرين من قيادات قطاع البترول تهم إهدار المال العام والتربح للغير، عن طريق استغلال مناصبهم الوظيفية، وتصدير الغاز المصري لإسرائيل بأسعار زهيدة.

وتم تشكيل لجنة فنية للبت في عملية تحديد السعر، والتي أكدت أن الأسعار المبرمة في العقد لا تتماشى مع الأسعار العالمية، وأن الجناة أهدروا أموال المصريين، لتخرج محكمة الجنايات بحكمها بالسجن على جميع أطراف القضية بأحكام مختلفة، وتغريمهم مبلغ مليارين وثلاثة ملايين و519 ألف دولار أمريكي، كما ألزمتهم برد مبلغ 499 مليون و862 ألف دولار أمريكي.

وجاءت حيثيات الحكم الأول «أن المحكمة كانت أمام جريمة متتابعة الأفعال اتحد فيها الغرض الإجرامي لدى المتهمين جميعًا، حيث باعوا الغاز الطبيعى للعدو بما يشبه الثمن، وهو ليس بثمن، واتفق المتهمون على هلك الثروة القومية، وكان لكل منهم دور قاتل محدد»؛ ولقراءة حيثيات الحكم كاملة اضغط هنا.

وبعد أن وافقت محكمة النقض على طلب الطعن، تم إعادة المحاكمة مرة أخرى، وتم تشكيل لجنة فنية جديدة قالت «إن اللجنة السابقة أخطأت في عملها؛ مما أدى إلى إلغاء كل نتائجها»، وأكدت اللجنة الجديدة أن السعر المبرم في الاتفاق يتماشى مع الأسعار العالمية، بالرغم من أن شهادات المتهمين في المحاكمة السابقة أكدت تنصلهم من مسؤولية تحديد السعر، حيث أكد دفاع مبارك أنه لم يكن يعلم بتفاصيل تلك الصفقة المشبوهة، بينما أكد دفاع سامح فهمي أن مجلس الوزراء كان يعلم بالصفقة، وأن المخابرات المصرية تابعت الصفقة.

واستمعت المحكمة إلى شهادات رئيس الوزراء الحالي، المهندس «شريف إسماعيل»، باعتباره وكيلًا للوزارة فى ذلك التوقيت، وأحد الموقعين كشاهد على العقد، حيث أكد أن الاقتصاد المصري لم يتضرر بتصدير الغاز لإسرائيل، وأنه لا يوجد ثمة مخالفات شابت التعاقد، وأن السعر المحدد لبيع الغاز، يتوافق مع الثمن العالمي وقت التعاقد، ولقراءة نص الشهادة كاملًا اضغط هنا.

جدير بالذكر أن تلك الشهادة تتعارض مع ما ذكرته إسرائيل في عام 2009، عندما أرادت مصر رفع ثمن الغاز بما يتوافق مع الأسعار العالمية، وعبرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن الغضب الرسمي قائلة: إن «مصر منحتها أسعارًا مخفضة جدًا عند توقيع الاتفاق، دون النظر لأسعار الغاز العالمية وقتها»، مؤكدة على الرفض التام وعدم المساس بالاتفاقية.

وانتهت القضية المثيرة نهائيًا في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بالبراءة لكافة المتهمين، ورفض طعن النيابة المقدم، واستندت محكمة النقض في حيثياتها إلى أنه «لا دليل على حصول مكاسب من جراء هذا التعاقد، ولا توجد معادلة سعرية موحدة لبيع الغاز على مستوى العالم، وأن ما أثارته النيابة العامة غير سديد، وأنها لم تجد فى تلك الطعون ما يستحق الالتفات إليه، وأن البراءة جاءت نتيجة للشك وعدم الاطمئنان إلى الأدلة»، ولقراءة حيثيات البراءة كاملة اضغط هنا.

كيف أفلت الضباط من تهمة قتل المتظاهرين؟

 

«لكل شخص الحق فى استعمال القوة الضرورية لدفع كل عدوان على النفس أو المال بنحو قد يستحيل معه لجوء هذا الشخص إلى السلطات العامة لطلب حمايتها من ذلك الخطر» *قانون الدفاع الشرعي (دليل براءة الضباط).

حصل الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك ووزير داخليته وخمسة من مساعديه على البراءة؛ لأن المحكمة نفت صلتهم المباشرة بإعطاء الأوامر بقتل المتظاهرين، واستندت المحكمة في حيثيات البراءة على انتفاء الدليل وعدم وجود صلة بين الجريمة والمتهمين، حيث «ثبت من شهادة شاهد الإثبات طه حسين محمود مصطفى في تحقيقات النيابة العامة فى أنه على علم بمقتل نجله حسين نتيجة طلق ناري من قوات الشرطة بتاريخ 28 يناير (كانون الثاني) 2011؛ إثر مشاركته في وقفة سلمية بمحيط جامع القائد إبراهيم في محافظة الإسكندرية، واتهم بذلك وزير الداخلية والرئيس الأسبق لإصدارهما تعليمات بإطلاق النار على المتظاهرين». وكان هذا أحد أوجه البراءة؛ إلا أن البعض اعتبره دليل إدانة في قضية أخرى.

فالمحكمة إذن اعترفت بـسلمية المتظاهرين، كما وثقت في حيثياتها استخدام الرصاص الحي والمطاطي، وفي المقابل فإن القضاء برأ 192 ضابط من تهمة قتل 850 متظاهر، وقد حصرت «ساسة بوست» أكثر من 20 قضية براءة تتعلق بقتل المتظاهرين.

https://youtu.be/_79G-4sSk1o?t=33

واستند الدفاع عن المتهمين في تلك القضايا إلى عدة ثغرات في القضية، منها مبدأ حق الدفاع عن النفس؛ فالضباط الذين وثقت الكاميرات جرائمهم بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين الذين احتشدوا أمام الأقسام حصلوا على البراءة بسبب تلك الثغرة؛ لأن المحكمة رأت في حيثياتها أن الجريمة وقعت في محيط القسم، لذلك فدافع استعمال القوة كان بهدف الدفاع عن النفس، وحماية الممتلكات العامة من الخطر؛ إلى جانب ثغرات أخرى في القضية؛ وقد نشرت بعض وسائل الإعلام تسريبًا مصورًا للرئيس «عبد الفتاح السيسي» قبل توليه رئاسة الجمهورية، يؤكد بأنه يجب توفير غطاء قانوني يحمي الضابط من المعاقبة على الأحداث التي تحدث نتيجة إطلاق الرصاص المطاطي أو الخرطوش أو قنابل الغاز؛ مبررًا أن محاكمة الضباط تعني عدم تنفيذ الأوامر بعد ذلك، ولم يفسر ما هي الأوامر.

وكشفت لجنة الدفاع عن الثورة عن قيام مسؤولين بوزارة الداخلية بالضغط على أهالى شهداء ومصابى الثورة لتغيير أقوالهم؛ بهدف حصر المسؤولية الجنائية على الوزارة، وإبعاد الضباط المتهمين عن القضايا.

مبارك: أدلة الاتهام لا تصمد أمام ثغرات القانون

 

«الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى يجب أن يكون صريحًا ومدونًا بالكتابة» *مبدأ قانوني (أحد ثغرات براءة مبارك).

 

في نظر البعض، فإن الشعوب الثائرة لا تحاكم رؤسائها وفق محاكمات جنائية، بل تتم معاقبتهم على الفساد في محاكم ثورية؛ لأن الأولى تحتاج إلى أدلة أُخفيت بالفعل، أما الثانية، فلا تحتاج سوى «الثورة» كدليل على الفساد.

وحتى الآن لا أحد يعرف من أخفى أدلة قتل المتظاهرين، فلا يوجد دليل على أن الشرطة استخدمت القوة المفرطة ضد الثوار؛ لأن «السي دي» الخاص بتسجيلات إدارة الاتصالات بقطاع الأمن المركزي تم إتلافه خلال التحقيقات، وكان يحتوي علي معلومات مهمة كدليل اتهام في القضية، وتمت محاكمة الضابط المسؤول عنه بالسجن مع الإيقاف، كما أن المسئولين عن إدارة المتحف المصري صرحوا بأن الكاميرات لم تصوِّر أحداث الثورة، فكان الشعب في نظر البعض أمام جريمة مكتملة الأركان.

أمر آخر يجب الإشارة إليه، هو أن النيابة العامة بموجب صلاحياتها – يُسمى التكييف القانوني-  قد وجهت لمبارك تهمة «التقاعس عن حماية المتظاهرين»؛ لأن منصبه يفرض عليه منع الضرر، بينما وجهت لحبيب العادلي تهمة «القتل العمد للمتظاهرين لإرضاء النظام» بصفته وزيرًا للداخلية.

لذلك حين أصدر المستشار «أحمد رفعت»، رئيس محكمة جنايات القاهرة، حكمه بالمؤبد على مبارك، وحبيب العادلي في عام 2012، جاء في حيثيات الحكم «أن المحكمة ارتأت أنه إذا لم يتم ضبط جميع مرتكبي جرائم القتل والشروع فيه أثناء الأحداث، أو حتى بعدها فلا يوجد قطع أو يقين في اتهام هؤلاء»، فالقاضي اعتبر أن إخفاء المتهمين الأصليين دليل إدانة.

وعلى الرغم من أن ملف القضية كان خاليًا من أدلة الاتهام وفق حيثيات المحكمة التي جاء فيها «أن أوراق الدعوى وما قدم من مستندات من تسجيلات صوتية، أو أي اتصالات سلكية أو لاسلكية تعتمد عليها المحكمة في الإدانة، كما أن المحكمة لا تطمئن إلى ما تم إثباته في دفاتر مخازن السلاح بقطاع الأمن المركزي، كما خلت أوراق الدعوى من وجود أدلة فنية قطعية تثبت أن وفاة المجني عليهم والإصابات قد حدثت من أسلحة رجال الشرطة»، لذلك اتخذت من إخفاء الأدلة عمدًا، وعدم تقديم المسؤولين الفاعلين دليل إدانة، وجريمة عقوبتها المؤبد؛ ولقراءة حيثيات الحكم اضغط هنا.

الغريب في الأمر أن النيابة طعنت على حكم المحكمة؛ لأنها أرادت حكمًا أشد من المؤبد، كما تقدم فريد الديب، محامي مبارك، بطعن أيضًا؛ لإعادة المحاكمة، وقامت محكمة النقض بقبول الطعنين معًا؛ فكان قبول الطعنين إشارة إلى احتمال البراءة؛ وبدأت مرحلة أخرى في الاستفادة من الثغرات القانونية.

واستغل فريد الديب أحداث 30 يونيو (حزيران) 2013، حيث وجه النظام الحاكم لجماعة الإخوان المسلمين ولحماس، تهمة اقتحام السجون؛ مما جعله يتساءل «إذا كانت الدولة مطمئنة إلى أنهم اقتحموا السجون أثناء الثورة، فلابد أنهم على وجه اليقين هم الذين أطلقوا النيران وقتلوا المتظاهرين»، وهو ما استندت عليه بالفعل حيثيات البراءة التي جاء فيها «الإخوان نسقوا مع حماس وحزب الله لإسقاط الدولة المصرية في جمعة الغضب وأطلقت ميليشياتهم النار على أجسام المحتجين والشرطة»؛ ليتفاجأ الشعب ببراءة مبارك، وجهاز الشرطة في حكم نهائي لا طعن بعده.

 

جدير بالذكر أن كلمة السر في قضية اقتحام السجون هو اللواء «محمد البطران»، رئيس مصلحة السجون، الذي اغتيل بعد ساعات من مكالمة هاتفية مع أخيه جاء فيها «العادلي حرق البلد»، وأكدت أسرته أنه رفض أوامر عليا بفتح السجون، وبحسب تقرير الطب الشرعي، فإن اللواء «البطران» تلقى رصاصة من مسافة قريبة من أعلى بمسدس، وليس سلاحًا آليًّا؛ مما يدل على أن اغتياله جاء على يد ضابط؛ كما أن القتيل دفن دون معاينة من النيابة، أو تصريح بالدفن، أو إجراء تحقيق في الواقعة من وزارة الداخلية.

ما يثير التساؤل كيف اعتمدت المحكمة على حكم في قضية لم يفصل فيها حتى الآن؟

وانتهت القضية بحيثيات البراءة التي جاء فيها «أن جميع الشهود من ضباط شرطة وقوات مسلحة سابقين وحاليين، بالإضافة للصحافي إبراهيم عيسى، والشيخ حافظ سلامة، أكدوا أن الشرطة لم تكن تعتدي على المتظاهرين بالرصاص الحي أو غيره»، وفجرت المحكمة مفاجأة في حيثياتها، حيث قضت بأنه لا يجوز نظر الدعوى، لسابقة صدور أمر ضمني بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية.

ويجب التوضيح هنا أن النيابة العامة لها سُلطة «تسمية» الاتهامات في القضايا الجنائية – مثل قتل عمد أو شروع في قتل أو التحريض- ، قبل إحالة القضية إلى محكمة الجنايات، بحيث لا يملك القاضي إلا أن يحاكمه وفق التهمة التي حددتها النيابة، وفق حق «التكييف القانوني»، فمثلًا لا يجوز للقاضي أن يحاكم مبارك بتهمة الخيانة؛ لأن النيابة لم توجه له تلك التهمة.

ووفقًا لحيثيات البراءة؛ فالنيابة العامة بعد أن تولت التحقيق في القضية أصدرت أمرًا في مارس (آذار) 2011 بإحالة الجناية إلى محكمة الجنايات ضد المتهم حبيب العادلي وزير الداخلية السابق ومساعديه كمتهمين بالقتل العمد، بينما جاء اسم مبارك خاليًا؛ مما يعني عدم جواز نظر الدعوى الجنائية ضده.

وأضافت المحكمة «فتكون النيابة أصدرت فى ذات الوقت أمرًا ضمنيا بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبله يمنعها من العودة لاتهامه بالاشتراك مع أى متهم في الجناية الأولى مادام الأمر لا يزال قائمًا، ولم يلغه النائب العام طبقًا للحق المخول له في المادة 211 من قانون الإجراءات الجنائية»؛ ولقراءة حيثيات البراءة اضغط هنا.

وبالرغم من أن «محكمة القرن» اعتبرت أن طمس الأدلة يعتبر دليل إدانة، إلا أن محكمة النقض قالت في حيثياتها « إن الريب والشكوك تحيط بعناصر الاتهام على نحو تصبح معه الأدلة على اقتراف المتهمين من الأول للخامس للجريمة مقصورة عن اطمئنان المحكمة واقتناعها، لذلك حكمت المحكمة حكمًا نهائيًا بالبراءة».

 

اقرأ أيضًا: لماذا فشل المصريون في ثورتهم؟.. 5 أسباب تشرح لك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد