واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه المجتمعات العربية في الفترة الراهنة هي البطالة بأشكالها المختلفة؛ إذ ينتهي الفرد من مراحل تعليمه بالجامعة ليجد نفسه بانتظار الانضمام لأعداد هائلة بلا وظيفة مناسبة، ولا دخل مناسب، فيشعر بالفراغ الذي يلتهم كل وقته من الصباح وحتى المساء؛ مما يشعره بالثقل على من حوله، فيبدأ في تجريف الوقت بلا فائدة من أجل أن يصل سريعاً لعمل حتى لو كان بغير مجال تخصصه الدراسي، وحتى إن كان يراه أقل مما يستحق، فيتقدم إلى أكثر من وظيفة تعتذر عن قبوله إما لاكتفائها بالعاملين بها أو لافتقاده المهارات الأساسية المطلوبة بها.

بمرور الوقت يتحول إلى طاقة مهدرة عاجزة عن تلبية احتياجاته الأساسية فيتحوّل من مورد اقتصادي بالأساس إلى عبء إضافي على الهيكل الاقتصادي حين يعجز عن تقديم إنتاجية حقيقية، وفي هذا التقرير نستعرض تجربة دولتين لا تمتلكان قدرات اقتصادية هائلة، ولا تصنفان باعتبارهما من دول العالم الأول.

1- رواندا.. المعجزة الأفريقية

من المتوقع أن يكون أول ما يتبادر إلى ذهنك عند سماع اسم دولة روندا هو الإبادة الجماعية أو الحرب الأهلية التي مزقت البلاد خلال عقد كامل من الزمان. لكن قد يكون غير المتوقع هو أن أقرب وصف لها: «المعجزة الاقتصادية».

فبعد حرب أهلية دمرت اقتصاد البلاد خلال تسعينات القرن الماضي. قامت الحكومة الرواندية بتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي حول البلاد بعد عقدين من الزمن إلى أحد أسرع الاقتصادات الأفريقية نموًا، إذ نما الاقتصاد الرواندي بنسبة 8.9 سنة 2017 المعدل الذي استطاعت روندا الحفاظ على استدامته خلال الأعوام الأخيرة.

لا تتوفر رواندا على حقول نفطية عملاقة، ولا على مناجم مليئة بأطنان من المعادن الثمينة، لكن روندا راهنت على السياحة وقطاع الخدمات تحت مظلة سياسة رشيدة للحكومة التي قامت بإعداد استراتيجيات خمسية محكمة حققت إنجازات منقطعة النظير.

ويرجع الفضل في هذا إلى السياسة الاقتصادية التوسعية التي تبنتها الحكومة، إذ ركزت هذه السياسة على الحد من الفقر، والرفع من كفاءة النظام التعليمي، وتقوية البنى التحتية وتوفير الظروف الملائمة للاستثمار المحلي والأجنبي.

تخطط الحكومة إلى الاستمرار في تحقيق معدلات نمو مرتفعة وخلق فرص عمل ملائمة لتخفيض معدلات الفقر عن طريق تقليل اعتماد الاقتصاد على الفلاحة وتوجيهه ليصبح رائدًا إقليميا في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إذ تهدف الحكومة إلى الانضمام لنادي الدول ذات الدخل المتوسط مع حلول عام 2020.

ولكن كيف أمكن روندا إذًا أن تحقق ذلك؟

كلمة السر: توفير المناخ الملائم للاستثمار

صنف البنك الدولي رواندا في المرتبة 29 عالميًا والثانية أفريقيًا في مؤشره الشهير عن سهولة ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2018. هذا المؤشر الذي يراقبه المستثمرون المحليون والأجانب عن قرب لمتابعة مناخ الاستثمار في مختلف دول العالم. هذا الإنجاز المتميز كان نتيجة العمل على حل المشاكل الأكبر التي تؤرق بال المستثمرين.

تبنت الحكومة الرواندية خلال العقد الماضي موقفًا صارمًا ضد الفساد والكسب غير المشروع.  وذلك من خلال إطلاق مبادرة وطنية ضد الفساد عام 2012 تهدف إلى جعل رواندا دولة خالية من الفساد مع تعزيز النزاهة والحكم الرشيد. رؤية لم تبق حبرًا على ورق، بل تحولت إلى واقع يشهد به الجميع. فحسب النسخة الأخيرة من مؤشر إدراك الفساد احتلت رواندا المرتبة الثالثة في لائحة أقل الدول فسادًا في أفريقيا.

إضافة إلى ذلك، سعت رواندا إلى تبسيط الإجراءات التي يجب أن يقوم بها المستثمرون لإنشاء مشروعاتهم، حيث أن الإجراءات اللازمة لإنشاء مشروع في رواندا اليوم لا تتعدى مدة القيام بها ست ساعات. هذه الخطوة ساهمت أيضًا في محاربة الفساد عن طريق جعل التصريح بالضرائب وسدادها تتم عبر نظام إلكتروني؛ مما يجعل تسجيل الشركات، والتصريح بالضرائب وسدادها، عمليات خالية من الدواعي التي تدفع الموظفين الحكوميين والمستثمرين لدفع الرشاوي والقبول بها.

قد تبدو بعض المشاكل الاقتصادية كالبطالة معقدة وعصية على الفهم، وقد يرى البعض أن الحل هنا أن تقوم الحكومة بخلق فرص عمل مباشرة؛ لكن التجارب الاقتصادية المختلفة تبين لنا أن أهم ما يمكن أن تقوم به الحكومة هو توفير مناخ ملائم للاستثمار كتوفير البنية التحتية اللازمة، ومحاربة الفساد وتبسيط الإجراءات المرهقة التي تخلق مشاكل أكثر مما تحل. وهذه رواندا تشهد على ذلك. حيث انتقلت من دولة تمزقها الحرب الأهلية إلى إحدى أكثر الدول الافريقية نجاحًا في تحقيق النمو الاقتصادي وتخفيض معدلات الفقر. أما البطالة فهي اليوم لا تتجاوز 1.4% حسب بيانات البنك الدولي.

2- التشيك.. الدولة التي تفوقت على ألمانيا!

بالعودة إلى العام 2004 وتحديدًا وسط القارة الأوروبية حيث تقبع دولة جمهورية التشيك غارقة في معدلات بطالة مرتفعة تتجاوز 8.3% من قوة العمل في البلاد. وبنظرة أحدهم الآن لذلك البلد لابد أن علامات الدهشة سوف ترتسم على وجهة حين يعلم أن التشيك أضحت من أقل دول الاتحاد الأوروبي في معدلات البطالة حتى أنها تفوقت على جارتها ذات الاقتصاد الأضخم في القارة الأوروبية وصاحبة السمعة الجيدة فيما يتعلق بالفاعلية والنظام وانخفاض البطالة وهي ألمانيا. فتشير الإحصاءات إلى أنه منذ العام 2015 أضحى سوق العمل التشيكي هو الأقوى في القارة الأوروبية بمعدل للبطالة بلغ 2.8% فقط في 2017 في حين كانت في ألمانيا 3.7% وفقًا لبيانات البنك الدولي.

فكيف تمكن البلد الشيوعي السابق من التغلب على مشكلة البطالة بهذا الشكل؟ ربما يرجع البعض هذا الانخفاض إلى العمالة الرخيصة، إذ بلغ متوسط تكلفة العمل في الساعة عام 2016 حوالي 11 يورو وهو أقل من متوسط الاتحاد الأوروبي البالغ 25 يورو ولكن يبدو أن ذلك لا يفسر كيف انخفض معدل البطالة بشكل كبير في تلك الدولة؛ إذ إن هناك دول مجاورة لديهم تكاليف عمل أقل أيضًا مثل بلغاريا والمجر وبولندا ومع ذلك لم يتمكنوا من تخفيض معدل البطالة لديهم كما أن الأجور في التشيك كانت بدأت في الارتفاع بداية من العام 2017 حيث ارتفعت الأجور الأسمية بنحو 5.3% وهو الأمر الذي يسبب زيادة في معدل البطالة بصورة نظرية، إلا أن العكس هو ما حدث.

ولكن بالتدقيق يظهر السبب الحقيقي لانخفاض معدلات البطالة؛ إذ تدين التشيك بنجاحها في هذا الأمر إلى وظائف المصانع. وهي إحدى الاستراتيجيات الاقتصادية المتبعة في العديد من الدول حيث تعمد الحكومة إلى تهيئة مناخ الاستثمار بصورة جدية لجلب أباطرة الصناعة في العالم، ومن ثم فتح الباب على مصراعية للتوظيف.

هذا ما حدث تحديدًا في التشيك، فتمثل الصناعات التحويلية في الدولة الواقعة في وسط أوروبا أكبر نسبة من اقتصادها مقارنة بغيرها من دول الاتحاد الأوروبي، وتلتهم تلك الصناعات أكثر من ثلث جميع العمالة. فعلى سبيل المثال تلعب صناعة السيارات دورًا حاسما في الاقتصاد التشيكي الآن وتمثل أحد أكبر الصناعات في تلك الدولة حيث يتم إنتاج السيارات فيها من قبل عمالقة تصنيع السيارات في العالم مثل تويوتا، وبيجو، وسيتروين وهيونداي وغيرها.

بالعودة إلى التسعينات فقد دفعت الحوافز الحكومية التي كانت تشمل الإعفاءات الضريبية للشركات الجديدة والعديد من المزايا الأخرى بهدف خلق فرص عمل جديدة؛ دفعت مستويات الاستثمار الأجنبي فيها إلى مراكز متقدمة. فكما يقول ديفيد ماريك كبير الاقتصاديين في شبكة ديلويت، وهي من أكبر شبكات الخدمات المهنية في العالم، أن معدل البطالة في التشيك منخفض لسببين: الأول كان إنشاء المصانع التجميعية، وهو أمر كان سهلًا على الحكومة نظرًا لرخص الأيدي العاملة منذ أكثر من عقد تقريبًا، كما جذبت الحوافز الحكومية شركات التصنيع العالمية. والأمر الثاني مرتبط بدورة الأعمال في الاتحاد الأوروبي فحين يصبح اقتصاد الدول الأوروبية قويًا وناميًا ينعكس ذلك على الاقتصاد التشيكي فيقول ماريك: «حينما تقوم أوروبا بعمل جيد، فإن الجمهورية التشيكية تعمل بشكل أفضل».  

كم يخسر العالم العربي بسبب البطالة؟     

بعد استعراض تجربة دولتين في التقليل من معدلات البطالة بعد تفاقمها فيهما وهو بمثابة دليل موجز للتأكيد على قدرة الدول العربية على التقليل من معدلات البطالة فيها والتي أصبح بعضها يتصدر قائمة أعلى الدول في معدلات البطالة في العالم، مثل: ليبيا، واليمن، والسودان؛ كان ينبغي التعريج على تبيان تكلفة البطالة على الاقتصاد، فهي تعد بمثابة المرض العضال الذي ينخر في جسد أي اقتصاد دولة.

ورغم أن الاقتصاديين يعترفون بوجود مستويات طبيعية للبطالة، إلا أن النسب المرتفعة منها لها تكاليف كبيرة على الفرد والمجتمع والدولة بأسرها، والأمر السيئ أن معظم تلك التكاليف هي من نوع الخسارة المفقودة، لا يمكن تعويضها. فحين يفقد شخص ما وظيفته؛ تتأثر العائلة، وعندما يفقد الكثير من الناس وظائفهم؛ تتأثر الأمة كلها في نهاية المطاف. هنا يفقد العمال الدخل في حين تفقد البلاد الإنتاج والإنفاق الاستهلاكي. مع مثل ذلك التأثير العنيف؛ يعد معدل البطالة وسيلة رئيسة لقياس حالة الاقتصاد.

ينظر إلى ارتفاع معدلات البطالة بأنه مؤشر على ضعف الاقتصاد مع بطء النمو وقلة الإنفاق، فحين يفقد أحدهم وظيفته يكون هناك شخص يدفع ضرائب أقل وسوف يلجأ إلى تخفيض إنفاقه غير الضروري نظرًا لانخفاض دخله. هنا تظهر معضلة حكومية، وهي انخفاض الايرادات الضريبية، ومن ثم تفقد الدولة قدرتها على سداد التزاماتها وديونها، ويؤدي عدم الاستقرار المالي داخل الدولة إلى فقدان البنوك، والنظام المالي بالكامل، الثقة التي تترجم إلى تراجع في الاستثمارات ونزوح رؤوس الأموال ومن ثم المزيد من الركود، فالمزيد من معدلات البطالة.

وتعد البطالة واحدة من من أكبر أسباب الفقر داخل المجتمعات العربية، ويمكن لفترات طويلة من البطالة دفع الأسر إلى الديون وزيادة معدلات الفقر النسبي. كما تسبب البطالة ارتفاع معدلات التشرد بسبب فقدان الناس للدخل الكافي لتغطية تكاليف السكن، كما أنها تشوه مستقبل العاطلين عن العمل وهو ما يعرف بتأثير التباطؤ  «hysteresis effect»؛ إذ يعاني العاطلون من صعوبة الحصول على عمل في المستقبل.

وتسبب البطالة التوتر والمشاكل الصحية للعاطلين فتبين الدراسات التي أجريت على الرجال العاطلين عن العمل أن علامات الاكتئاب والقلق النفسي والمشاكل الصحية الأخرى كانت أعلى لديهم بشكل ملحوظ. ويفتقد الاشخاص العاطلين إلى التدريب أثناء العمل، وهو مكون رئيس في رأس المال البشري ومهارات العمل، ومن ثم فمعدلات بطالة عالية تقلل من الإنتاجية، فإذا كان الشخص عاطل عن العمل لمدة عامين مثلًا فيصبح أقل إنتاجية حين يعثر على العمل بسبب فقدانه أحدث ممارسات العمل.

بالإضافة لذلك نرى البطالة دائمًا في أغلب المجتمعات عنصرًا جوهريًا لتشكيل عوامل وأسباب الجريمة فهي تُعطي الفرد الحافز والدافع لجرائم كالسرقة والنصب والاحتيال؛ إذ يتحوّل شعوره الدائم بالفراغ والملل إلى جنوح لما يجد فيه تقدير الذات والشعور بالاكتفاء، فيجد الفرد نفسه على الهامش دون توظيف لإمكاناته حتى مع امتلاكه الخبرة العلمية والمهارة العملية أحيانًا بما يدفعه، إما للهجرة إلى الخارج، أو للانخراط بالداخل فيما لن يكون بالضرورة في صالح تنمية المجتمع.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد