في خضم موجة العنف التي تواصل اجتياح كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن، تحول انتباه المجتمع الدولي مؤخرًا إلى شبه جزيرة سيناء مجددًا. فقد تصدرت سيناء نشرات الأخبار مجددًا بعد وقوع سلسلة من الهجمات ضد قوات الأمن خلال السنوات القليلة الماضية، وكان آخرها سلسلة هجمات متزامنة أودت بحياة عشرات الجنود المصريين في أواخر شهر يناير الماضي.

حكاية من سيناء

ظلت سيناء مهمشة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا منذ عقود. حيث جرى إقصاء البدو، الذين يشكلون حوالي 55% إلى 70% من سكان سيناء، من الحياة السياسية والاجتماعية المصرية. وبينما تزدهر صناعة السياحة في جنوب سيناء، لا يشكل البدو سوى حصة هامشية من القوة العاملة في تلك الصناعة. فلا يحق لهم امتلاك الأراضي أو الالتحاق بقوات الأمن في شبه الجزيرة.

لفتت المنطقة انتباه العالم في منتصف العقد الأول من الألفية، عندما استهدفت سلسلة من الهجمات المنتجعات السياحية في طابا ودهب وشرم الشيخ. فشنت قوات الأمن حملة اعتقالات واسعة، مما أدى إلى تدهور الأوضاع السيئة أصلًا لقبائل سيناء. ورغم أن الهجمات حملت بصمات الجهاديين، إلا أن بصمات الإسلاميين بدت واضحة في العنف الذي تلا ثورة 2011، مع ظهور مجموعات مثل أنصار بيت المقدس.

ومع تراجع قبضة الدولة بعد الثورة وتولي محمد مرسي الرئاسة، جرى إقامة محاكم شرعية لسد الفراغ القانوني في سيناء، مما شكل نوعًا من دولة داخل الدولة في شمال شبه الجزيرة. وقد اكتسبت تلك المحاكم الشرعية احترامًا لأنها كانت أقل فسادًا وأكثر فعالية من النظام القضائي البيروقراطي المصري.

يعتبر هذا التطور غريبًا بالنظر إلى أنه قبل سنوات قليلة فقط، كان مجتمع القبائل يعتبر “جاهليًّا” في نظر السلفيين. ولكن بعد نزوح العديد من السلفيين للعيش في سيناء في أعقاب مذبحة الأقصر التي وقعت في عام 1997، تطور إحساس بالهوية المشتركة بين الطرفين، حيث نظر البدو والسلفيون إلى بعضهم على أنهم مجموعات مهمشة في مصر. وبعد أن تشارك آلاف البدو زنزانات الاعتقال مع الإسلاميين المتشددين، اندمجت أفكار المقاومة المحلية للبدو بشكل تدريجي بالفكر الجهادي.

اندماج المقاومة المحلية بالفكر الجهادي

لم تندمج المصالح والهويات فقط بين السلفيين والبدو، لكن رد البدو على العنف الحكومي الممنهج كان بتبني الأفكار المتشددة بشكل كامل، الذي ربما يكون قد لعب دورًا في تحويل المعارضة السياسية إلى عنف مسلح. وهكذا، بينما كان الوضع المتأزم في سيناء واضحًا لأهلها، تمكنت الأفكار الجهادية في تطويع مطالب أهل سيناء إلى نوع محدد من الأفعال لمقاومة الإقصاء الممنهج وعنف الحكومة.

وعليه، تجاوزت نتائج هذه التطورات مجرد تشكيل “جماعات مسلحة عشوائية”، بل خلقت جماعات تقاتل لما هو أكثر من مجرد إنهاء حالة القمع. ركزت معظم هجمات تنظيم ولاية سيناء على الجيش والشرطة، فضلًا عن بعض المرافق الحكومية (مثل خط الغاز المتجه إلى إسرائيل). لكن الجماعة أضافت أهدافًا أخرى مثل المتاحف والسياح. كما أنها أعدمت متعاونين مزعومين مع إسرائيل ذبحًا على طريقة داعش، لذا فقد توسعت أهداف الجماعة من مجرد التحرر إلى إقامة الخلافة.

ولمواجهة هذه الجماعة، واصلت قوات الأمن انتهاج استراتيجيتها المعتادة التي تشمل الاعتقالات الواسعة والعقاب الجماعي وإعلان حالة الطوارئ. وتماشيًا مع سياستها القائمة على القضاء على أي حركة إسلامية، تلقي الحكومة باللائمة على الإخوان المسلمين عند وقوع أي حادثة عنف سياسي. وقد كثفت الحكومة المصرية من اتباع نفس التكتيكات التي ساهمت في إقصاء البدو. وعلى المستوى الدولي، جرى انتقاد الحلول الأمنية على استحياء.

وهكذا، وفي خضم التهميش الاقتصادي والاجتماعي والتهديد المستمر بعمليات عسكرية، يبدو الجهاديون الأمل الوحيد المتبقي لأهل سيناء. لكن على ضوء استهداف تلك المجموعات لأهداف مدنية، يظل مدى حرصهم على مصالح البدو محل شك، وهو بالضبط الفخ الذي وقع فيه سكان سيناء.

ما يمكن تعلمه من سيناء عن العراق

ثمة تشابهات كبيرة بين الأوضاع في سيناء وبغداد. فكلا البلدين يخضعان لحكم استبدادي يتبع سياسات انتقائية تجاه السكان. في العراق، قلب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الطاولة سريعًا لصالح الشيعة، فقد أدت سياسات المالكي الطائفية بتشكيل قوى أمنية من الشيعة في المناطق ذات الأغلبية السنية مثل الموصل إلى استياء العشائر السنية. وبعد قيام الحكومة بفض اعتصام السنة في الرمادي في ديسمبر 2013، تحالفت العديد من عشائر الأنبار مع تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام الصاعد حديثًا على قتال حكومة المالكي.

وتشير التقارير الواردة من الموصل إلى أن نصف مليون عراقي فروا من المدينة بعد سيطرة داعش عليها في يونيو 2014؛ خوفًا من هجوم مضاد من الجيش العراقي. ولكن لم يكن ذلك سبب خوفهم الوحيد، بل إن المالكي وبعض رجال الدين الشيعة دعوا إلى تشكيل ميليشيات لصد تقدم داعش. ومعظم تلك الميليشيات تسعى إلى الانتقام فقط من السكان السنة بسبب الجرائم التي ارتكبها تنظيم الدولة. والحال نفسه ينطبق على البيشمركة الكردية، التي تسعى إلى توسيع مساحة إقليم كردستان الساعي للاستقلال وذلك عبر التطهير العرقي للأودية متعددة الأعراق في شمال العراق بحجة ألا تسقط مجددًا في أيدي داعش.

وقد جرى تبني نفس السياسات الطائفية والعرقية في سيناء. فقد بررت أمريكا مرارًا تقديم مساعدات عسكرية إلى مصر بالإشارة إلى جهود الحكومة في محاربة الإرهاب في سيناء، متجاهلة العدد الهائل من القتلى من المدنيين من تلك الحملة. ولهذا فمن الصعب أن يتخلى السنة في العراق أو البدو في سيناء عن تنظيم الدولة أو ولاية سيناء، بما أن العنف المرتكب من قبل الجيشين المصري والعراقي لا يختلف كثيرًا. كما بات بعض المدنيين المتضررين من عمليات مكافحة الإرهاب ينضمون إلى تلك المجموعات لأخذ الثأر لأنفسهم.

القليل الذي تبقى

بالنظر إلى تلك الجماعات الجهادية، فضلًا عن الجهات التي بدأت تتصدى لتقدمها في العراق وسوريا وسيناء اليوم، لم يتبقَ سوى القليل من الأمل لمواجهة ظاهرة التشدد على المستوى المنظور.

فمن ناحية، كرست الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من قواتها الجوية وقدراتها التدريبية لحملتين مفتوحتين في بلدين غير مستقرين، وتواصل شحن المعدات العسكرية إلى دول تقاتل مسلحي داعش على أراضيها. وهكذا تكرس واشنطن مصادر هائلة لقتال الجهاديين في المنطقة، ولكنها ترفض في نفس الوقت الكف عن إعادة إنتاج الظروف التي تغذي ظهور التشدد. ربما يكونون بصدد القضاء على داعش، لكنهم يقومون بتغذية التشدد على نطاق واسع.

الأكثر من ذلك، أن الحكومات العربية التي انضمت إلى حملة القضاء على داعش لا تختلف كثيرًا عن حكومة بغداد والقاهرة. فالسعودية على سبيل المثال، تواصل قطع رقاب من يخالفها الرأي من الناس مثلما تفعل داعش، كما ساعدت جارتها البحرين، إحدى أعضاء حلف مواجهة داعش، على إخماد احتجاجات واسعة في عام 2011، على عكس سوريا التي ردت على الاحتجاجات الشعبية بعنف؛ مما أشعل الحرب الأهلية الدائرة الآن التي ظهر على إثرها تنظيم داعش وجبهة النصرة. ومعظم دول الخليج قدمت مساعدات مالية ضخمة لتلك المجموعات التي تتعهد بقتالها الآن. كما أن الكيفية التي سيواجه بها مثل هذا التحالف تلك التنظيمات من حلب وحتى الفلوجة تبدو غامضة على أقل تقدير.

ما يثير القلق أكثر هي حقيقة أن المجتمعات المهمشة التي أمدت المجموعات الجهادية بمعظم الدعم المحلي لا تعول كثيرًا على تلك المجموعات، فلم تعد أهدافهم تتقاطع مع أهداف تلك المجموعات منذ مدة طويلة. وسواءً واصل تنظيم ولاية سيناء هجماته المتكررة ضد القاهرة وإسرائيل، أو استمرت داعش في التطبيق الشاذ لقوانين الشريعة، فقد أصبح المسلحون الإسلاميون بمثابة الجني الذي خرج من مخبأه ولا يعتزم العودة إليه قريبًا. ففي نهاية المطاف، أظهر المتشددون مرارًا أنهم يتبعون منطقًا سياسيًّا بل وحتى استراتيجيًّا، وليس مجرد دوافع دينية.

وهكذا، حتى إذا حدث تحول كبير ردًّا على التشدد الإسلامي، فلن يزيد عن كونه مجرد حدث منعزل. وبينما تشتد المواجهة بين الجهاديين في مصر والعراق وأعدائهم المحليين والدوليين، فلن يتغير الكثير بالنسبة إلى الملايين من البشر الذين يعيشون هناك. والأمل الضعيف المتبقي هو أن يلاحظ صناع السياسات والحكومات يومًا ما أن الحقوق السياسية والتطور الاجتماعي والاقتصادي والمؤسسات الشرعية هي السياسة الأفضل لمواجهة التشدد. وحتى ذلك الحين، سيظل الاستبداديون والجهاديون هم المتحكمون.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد