رسائل من البرازيل.. ما على المتظاهرين في لبنان أن يتذكروه من تجربة «السامبا»

بينما انزلق حوالي 200 ألف لبناني مؤخرًا إلى ما دون خط الفقر، لينضموا إلى مليون فقير كانوا يعيشون في هذا المستوى المتدني سابقًا، حسب تقديرات البنك الدولي، نجا أكثر من 29 مليون برازيلي من براثن الفقر، وتراجَع التفاوت في الدخل بين المواطنين بشكل كبير، خلال فترة التقدُّم الاقتصادي والاجتماعي التي شهدتها البرازيل بين عامي 2003 و2014. 

وفي حين ارتفع عدد العاطلين عن العمل هنا في لبنان إلى ما بين 250 و300 ألف مواطن، معظمهم من الشباب غير المهرة، ويتوقع أن تؤدي الأزمات الحالية إلى تفاقم أوضاع الفقر بين المواطنين اللبنانيين، بالإضافة إلى زيادة عدم المساواة في الدخل. على الجانب الآخر انخفض معامل جيني (لقياس عدالة توزيع الدخل القومي) هناك في البرازيل بنسبة 6.6% (من 58.1 إلى 51.5)، ليرتفع مستوى دخل 40% من الشريحة الأفقر بمعدل 7.1% بين عامي 2003 و2014، مقارنة بزيادة 4.4% في دخل السكان ككل. 

في المقابل، يعاني لبنان من التأثير الاقتصادي والاجتماعي للأزمة السورية التي دخلت عامها التاسع الآن. فوفقًا لمصادر حكومية ومستقلة، لجأ ما يصل إلى 1.5 مليون سوري، وهو ما يعادل ربع السكان اللبنانيين، إلى لبنان منذ اندلاع النزاع في مارس 2011. أدى ذلك إلى إجهاد الموارد المالية العامة وتقديم الخدمات والبيئة في لبنان. 

في هذه البيئة المليئة بالتحديات، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي في لبنان خلال عام 2018 نسبة 0.2% فقط، مقارنةً بنسبة 0.6% خلال عام 2017، ويرتبط تباطؤ النشاط الاقتصادي بتضييق السيولة استنادًا إلى السياسات العامة، وتحديدًا وقف الإقراض المدعوم من البنك المركزي (مصرف لبنان) والذي كان يوجه عبر البنوك التجارية إلى القطاع العقاري، في الغالب، ما أتاح مصدرًا نادرًا لتحفيز النمو منذ عام 2012.

وارتفع معدل التضخم في عام 2018 ليبلغ في المتوسط 6.1% لهذا العام، مقابل 4.7% في عام 2017، لكنه ما زال على مسار منخفض. وتدهور وضع المالية العامة تدهورًا حادًا عام 2018. واتسع عجز الموازنة العامة بحوالي 4.5 نقطة مئوية ليصل إلى 11.5% من إجمالي الناتج المحلي، وتحول الرصيد الأولي من فائض قدره 2.3% من إجمالي الناتج المحلي إلى -1.8%. 

هذه المقدمة المدعومة بالإحصائيات تطرح تساؤلًا هامًا: ما هي الدروس التي يمكن أن يتعلُّمها لبنان من التجربة البرازيلية؟ بَيْدَ أن الشعار المفعم بالدلالات «كلن يعني كلن»، يُحَتِّم ألا تركز السطور التالية على النصائح الموجهة للساسة الذين وضعهم المتظاهرون في سلة واحدة وكتبوا عليها «كلهم لصوص»، بل أن نبحث في التجربة البرازيلية عما لا ينتبه إليه عادة القابعون في الأبراج العاجية، النائمون داخل جيتوهاتهم الخاصة، وتحديدًا: (1) الطبقة العمالية؛ التي كان لها دور في أزمة الديون البرازيلية، ويمكن البناء على نضالها التاريخي في لبنان لتسهم في الخروج من الأزمة الراهنة.
(2) شريحة الفقراء؛ الذين بمجرد أن اعتبرتهم البرازيل رافعةً اقتصادية وليس مجرد عبء على الدولة؛ تغيَّر المشهد تمامًا، ولبنان أحوج إلى هذا النهج اليوم من البرازيل بالأمس.

لن نسدد الديون.. نضال طبقة العمال من البرازيل إلى لبنان

كانت أزمة ديون أمريكا اللاتينية في جوهرها أزمة في العلاقة الطبقية؛ لأنها كانت أحد مظاهر عجز رأس المال عن إدارة الطبقة العاملة بنجاح. بيدَ أن الطبقة العاملة في البرازيل لم تكن سلبية تجاه تصاعد أزمة الديون وتطورها، بل لعب العمال دورًا نشطًا وحاسمًا في كل منعطف رئيسي من الأزمة، وأجبر نضالهم المجتمع المالي الدولي على شطب جزء من المستحقات المالية، وقبول تخفيض الديون بعد عام 1987. 

في 5 دول.. العمّال العرب في مواجهة «صندوق النقد»

هذا لا يعني أن العمال لم يواجهوا مصاعب كبيرة بل ونكسات. في الواقع، مع اندلاع أزمة الديون في عام 1982، انخفض مستوى المعيشة في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، بما في ذلك البرازيل. لكن على الرغم من ذلك، كانت الطبقة العاملة هي البطل الرئيسي في تطور الأزمة.

وفي حين تذهب معظم التحليلات إلى القول بأن الأزمة كانت قصة صراع بين الحكومات والهيئات التشريعية، وبين صناع السياسات والمصرفيين، وبين الدول القومية والمؤسسات المالية الدولية، يرى البعض أن العامل الحاسم، كان كامنًا خارج مكاتب جميع هذه الجهات الفاعلة لكنه حدد تطور حججهم واستراتيجياتهم، وهو: الطبقة العاملة نفسها، التي عملت بالنيابة عن نفسها، ودافعت عن مصالحها. 

وعندما تتحرك الطبقة العاملة خارج الإطار الذي يرسمه صناع السياسات، أي عندما تعمل باعتبارها موضوعًا مستقلًا ضد رأس المال أو خارج حدوده، فإنها تصبح قادرة على بناء مشاريعها الخاصة، وإجبار صناع السياسات على الاستماع لمطالبها إن لم يستطيعوا قمعها. 

وإذا كان للطبقة العمالية البرازيلية إنجازات ملحوظة، فللطبقة العمالية اللبنانية أيضًا نضالات شهيرة؛ خاضت خلالها المعركة تلو الأخرى، منذ الإعلان عن قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، ضد المخططات الاستعمارية والمتعاونين معها. وأشرس المعارك خاضتها ضد الجمعيات المختلطة التي أوجدها المستعمر الفرنسي بذريعة تحسين أوضاع العمال، ثم المعركة ضد حزب العمال الكبير الذي أسسه المستعمر الفرنسي ليكون عونًا له في شرعنة استعماره وتبرير وجوده. 

وبينما كانت الحركة العمالية تشارك في المعركة الوطنية ضد المستعمر الفرنسي لنيل الاستقلال الوطني عام 1943 وتثبيت مكتسباته لاحقًا، كانت تحارب في الوقت ذاته على جبهة أخرى دفاعًا عن حقوقها، فأسست الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في العام التالي مباشرة، وأطلقت موجة إضرابات اجتاحت عام 1946 دفاعًا عن زيادة الأجور والتعويضات العائلية وحماية الحريات النقابية. صحيحٌ أن العمال دفعوا ثمن هذه المعاركة من دمائهم- حيث سقطت وردة بطرس «أول ضحية من الطبقة العاملة» تحت نيران الدرك- لكن الدماء والعرق العمالي كان السبب في إقرار مجلس النواب قانون العمل، الذي يعتبر انتصارًا لنضال الحركة النقابية والعمالية في لبنان.

مؤخرًا، حين حاولت الحكومة وضع العبء الكامل لمطالب البنوك الدولية على الطبقة العاملة، توحَّد العمال عبر جميع الانتماءات الدينية- على الرغم من الارتباك المتعمد الذي ولده تقسيم لبنان لأغراض انتخابية إلى ثمانية عشر طائفة معترف بها رسميا- وخرج الشعب في كل مدينه ومحافظه تقريبًا، مطالبين باستقالة الحكومة ووضع حد للفساد الذي يعم كل جوانب الحياة في البلاد. 

وإذا كان العمال بالأمس انتفضوا ضد الاستعمار وذيوله، فهم اليوم ينتفضون ضد إثراء النخبة المالية اللبنانية التي تستفيد من وضع البلد باعتبارها ملاذًا ضريبيًا للأغنياء؛ فنسبة واحد في المائة فقط من الناس يملكون 85 في المائة من ثروات لبنان، في حين أن أفقرهم يملكون أقل من واحد في المائة. ويعيش حاليًا أكثر من 14 مليون لبناني خارج البلاد، أي أكثر من ضعف عدد السكان البالغ ستة ملايين نسمة.

وإذا كان نفوذ القوى الدولية والإقليمية الكبرى، وفساد النخب الحاكمة في الداخل، قد بلغ حدًا من القوة في لبنان لم يبلغه من قبل، فإن مطالب الإصلاح هي الأخرى بلغت مستوى غير مسبوق، حتى طالب الكاتب جين شاول، عبر موقع الاشتراكي العالمي، بـ«التعبئة الثورية للطبقة العاملة؛ من أجل إسقاط المؤسسة السياسية، ومصادرة ممتلكات المليارديرات التي تدير البلد، وتحويل القطاعات الرئيسية للاقتصاد إلى مرافق عامه».

جذور أزمة الديون في البرازيل.. دروس في التعامل مع الطبقة العاملة

في المقابل، تُعَلِّمنا التجربة البرازيلية أن التركيز على مغازلة العمال من أجل تحقيق مكاسب سياسية قصيرة النظر؛ سوف يؤدي إلى تفاقم الأزمة ما لم يواكبه إصلاح اقتصادي حقيقي، وتغييرات هيكلية في مختلف مؤسسات الدولة، ولتوضيح هذه النقطة، نعود بعقارب الساعة إلى الوراء لنتتبع جذور أزمة الديون في البرازيل.

أين وصل القطاع المصرفي اللبناني؟ ولماذا يحتج اللبنانيون على «حكم المصرف»؟

كان عام 1974 نقطة تحوُّل سياسية واقتصادية واجتماعية في تاريخ البرازيل المعاصر. إنه العام الذي استعاد فيه الجناح الليبرالي للجيش السيطرة على الحكومة وبدأ عملية التحرير السياسي (distensão)، كما أنه عام أول صدمة نفطية، بدأت في أكتوبر من عام 1973. إذ كان اقتصاد البرازيل آنذاك يعتمد على النفط، واعتمد على الواردات لتوفير أكثر من 80% من الاستهلاك المحلي للوقود. 

الأهم من ذلك أن عام 1974 كان عام الانقلاب الكبير في سياسة الاقتصاد الكلي، إذ تخلت الحكومة البرازيلية عن تعديل انكماشي للصدمة النفطية، واتخذت بدلًا من ذلك قرارًا استراتيجيًا طويل الأجل بالاعتماد على سياسة النمو السريع والديون العالية للاستثمار الممول من الديون المتضمنة في خطة التنمية الوطنية الثانية، وهو ما أصبح قانونًا في ديسمبر 1974. 

وكان هذا التحول في السياسة في نظر كثيرين هو السبب المباشر وراء أزمة الديون. فبعد عام 1974، كانت هناك زيادة كبيرة في معدل تراكم الديون الخارجية، بالإضافة إلى تغيير ملحوظ في موقف الحكومة من تراكم الديون، تجسد في التخلي عن مجموعة متنوعة من الضوابط المفروضة على تدفق رأس المال أو تخفيفها. 

وكانت الحكومة قد اختارت اتباع سياسات النمو المدفوعة بالديون، لاستعادة دعم العمال أو قبولهم وتجنب المزيد من تآكل شرعيتها. لكن الأموال المقترضة ذهبت لاسترضاء الطبقة العاملة، وليس إلى الاستثمار. أو على حد تعبير أحد المعلقين، ذهب الكثير منها إلى أشياء «ذات قيمة إنتاجية ضئيلة أو معدومة».

ويوضح روبرت سولومون (1981) أن البرازيل كانت «تقترض لمجرد الحفاظ على الاستهلاك في مواجهة ارتفاع أسعار النفط». وبالفعل، تُظهِر بيانات بنك التنمية للبلدان الأمريكية (IDB) أن الأموال ذهبت إلى الاستهلاك أكثر من الاستثمار، ففي حين نما الاستهلاك بنسبة 8.1% في 1975-1979، انخفض إجمالي الاستثمار بنسبة -0.1%. من وجهة النظر الماركسية، كان هذا انهيارًا في العلاقة الطبقية، أي أنه يمثل عجزًا عن إدارة مطالب الطبقة العاملة بنجاح، وبدلًا من ذلك محاولة «شراء الوقت». 

بالعودة إلى لبنان، نجد أن المتظاهرين لم يتراجعوا عن شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، حتى بعدما أعلن وزير الاتصالات اللبناني محمد شقير تراجع الحكومة عن فرض ضرائب جديدة على اتصالات الإنترنت؛ لأن اللبنانيين يدركون أن مأزق بلادهم يتجاوز الدولارات الأمريكية الستة التي كانت الحكومة تريد فرضها عليهم رسومًا شهرية عن خدمة المكالمات الصوتية عبر بروتوكول الإنترنت، وبالتالي لن يبتلعوا الطعم الذي يلقيه إليهم السياسيون لكسر حدة احتجاجاتهم بهدف البقاء على كراسيهم. 

داء أم دواء؟ شروط صندوق النقد بين الإنقاذ والإغراق

مع بداية الثمانينيات، اقترضت البرازيل من صندوق النقد الدولي، ونفذت شروطه، أملًا في الوصول إلى حل لأزمتها الاقتصادية، لكن ما لم يكن في الحسبان هو أن هذه الشروط أدت إلى تسريح ملايين العمال، وخفض أجور باقي العاملين، ناهيك عن إلغاء دعم طلاب المدارس، ووصل الأمر إلى تدخل دول أجنبية في السياسات الداخلية للبرازيل، وفرض البنك الدولي على الدولة أن تضيف إلى دستورها مجموعة من المواد، تسببت في اشتعال الأوضاع السياسية الداخلية.

وعلى الرغم من أن الأزمة استمرت 12 عامًا، لحين تمكن البرازيل من سداد القروض بالكامل، إلا أن آثارها امتدت، وأصبح 20% فقط من البرازيليين يمتلكون نحو 80% من أصول الممتلكات، و1% فقط يحصلون على نصف الدخل القومي، ما أدى إلى هبوط ملايين المواطنين تحت خط الفقر، نتيجة أن نصف الشعب أصبح يتقاضى أقل من نحو 80 دولارًا شهريًا، الأمر الذي دفع البرازيل إلى الاقتراض من الصندوق مرة أخرى بواقع خمسة مليارات دولار، للخروج من الأزمة.

ومن المعلوم من تجارب الشعوب المختلفة حول العالم أن شروط الصندوق لقاء منح القروض تزيد من نسبة البطالة في الغالب، كما أنها تضر بأسواق العمل، وتتسبب في تقلص الإمكانيات الصحية، من خلال الإصرار على عدم توجيه الدعم والقروض إلى الميزانيات الأساسية للدول، كما أنها تصر على مشروعات بعضها مفيد للصندوق ويضمن حقه ولكنه غير مفيد للدولة والمجتمع ويهدر طاقاتهما وجزءًا من إمكاناتهما، كما يؤكد شاهد من أهل صندوق النقد الدولي، أستاذ الاقتصاد السابق بجامعة عمان، أحمد عبد الجواد.

بهذه الخلفية، يتحسس اللبنانيون جيوبهم؛ إذ يحث جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد- الذي يطلق عليه البعض في لبنان تندرًا «صندوق النَّكَد»- على تنفيذ بعض الإصلاحات التي طال انتظارها بقطاعي الطاقة والاتصالات «وفقًا لجدول زمني مفصل جدًا». 

في الواقع، وفي ظل مثل هذه الحلول المُعَلَّبة والنصائح الفوقية والتدخلات الدولية والإقليمية، بلغت ديون لبنان الخارجية في العام الماضي 79.3 مليار دولار، مقارنة بنحو 74 مليار دولار في 2017، وناهز كل لبناني من تلك الديون 11 ألفًا و661 دولارًا، ومثلت الديون الخارجية 140% من حجم الاقتصاد اللبناني، والمقدر قيمته بـ56.6 مليار دولار.

وقصّة لبنان مع صندوق النقد الدولي ليست وليدة الأزمة الأخيرة، بل بدأت في عهد الاستقلال. وإذا كان أرشيف الصندوق يوثق سوء إدارة الطبقة الحاكمة منذ تدشين لبنان لنظامه النقدي، فإن تجارب الدول الأخرى مع صندوق النقد لا تشجع اللبنانيون على اتباع نصائحه للتخلص من ديونهم التي تبلغ نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي 152 في المائة، وهو ما يجعلها في المركز الثالث بين الدول الأكثر مديونية في العالم بعد اليابان واليونان. 

وإذا كانت الفوائد على الديون تلتهم نصف إيرادات الدولة تقريبًا، فكيف إذا كان صندوق النقد نفسه يتوقع عجزًا ماليًا بنسبة 9.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، و11.5 في المائة العام المقبل؟

يوم أعلنت البرازيل وقف سداد فائدة الديون للبنوك الأجنبية

من المحطات الفارقة في تاريخ البرازيل، أن الدولة لم تسدد أيًا من ديونها التجارية منذ العاصفة المالية التي ضربت البلاد في عامي 1982 و1983، وفي أواخر العقد علّقت الحكومة البرازيلية، التي كانت تكافح من أجل حماية إمدادها المتناقص بسرعة من العملات الصعبة، دفع الفائدة على ديونها للبنوك الأجنبية، حسبما يظهر في نسخة رقمية من أرشيف المطبوعات التابع لصحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 21 فبراير 1987.

لكن الرئيس خوسيه سارني، أكد في خطاب مدته 15 دقيقة إلى الأمة أن الحكومة لا تتبنى «موقف المواجهة»، وأعرب عن أمله في التوصل إلى «حل نهائي ودائم» لمشاكل ديون البرازيل. قائلًا: «نريد التفاوض على صيغة للوفاء بالتزاماتنا دون المساس بتنميتنا، صيغة تتجنب عدم الاستقرار السياسي الذي سيتبع حتما أي ركود جديد أو بطالة أو أزمة اجتماعية».

أثار هذا الإعلان، الذي أطلقه أكبر مدين في العالم النامي، عاصفة من القلق في الأوساط المصرفية. ولا غروَ، فمن إجمالي الدين الخارجي البالغ 108 مليارات دولار، تدين البرازيل بحوالي 81 مليار دولار للبنوك الخاصة، بما في ذلك 24 مليار دولار للبنوك الأمريكية. 

بأسعار الفائدة آنذاك، كان الدائنون التجاريون الأمريكيون يتلقون عادة حوالي 500 مليون دولار من البرازيل كل ثلاثة أشهر. بيد أن القلق الوحيد لم يكن ينحصر في إعادة هيكلة ديون البرازيل، بل امتد ليصل إلى أن أي صفقة خاصة سيتم التوصل إليها مع البرازيل يمكن أن تشكل سابقة في مفاوضاتٍ أخرى، وآخر ما يريده نادي المقرضين الدولي هو أن يتجرأ آخرون على تحدّي قبضته.

هذه الخطوة الجريئة، لم يكن بإمكان الرئيس سارني اتخاذها إلا لأنها حظيت بدعم الزعماء السياسيين والعسكريين في البلاد، لذا كان حريصًا على استصحاب «تأييدهم بالإجماع» للتدابير التي اتخذها، والتأكيد في بيانه على أن هذه هي اللحظة المناسبة لتفشي روح «الوطنية المسؤولة». مضيفًا: «نحن بحاجة إلى التفاوض مع سلطة دولة ذات سيادة»، وحكومة مدعومة من الشعب.

لكنه وعد أيضًا باتخاذ تدابير تقشفية محلية لاستكمال الإجراءات الخارجية، وتعهد بأن تنفق الحكومة على مدى الأشهر الستة المقبلة بقدر ما تتلقاه فقط، وألا تستثمر الشركات الحكومية بأكثر من إيراداتها، وأن تخضع المجموعة الكاملة من الإعانات للمراجعة، وأكد مرة أخرى أن البرنامج يهدف إلى الحفاظ على النمو والعمالة، لكن رغم أن سارني عزف ببراعة في إعلان الشهير على وتر المشاعر القومية، فإنه لم يسلم من انتقاد زعماء المعارضة من اليمين واليسار متهمين رؤيته بـ«عدم الكفاءة والقصور».

بالعودة إلى الساحة اللبنانية، وعلى النقيض من إعلان سارني، نجد أن وزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة يكرران تأكيداتهما بأن لبنان لم ولن يخل بأي من التزاماته المالية، حتى لو ذكرتهما وكالة رويترز بأن تكلفة التأمين على ديون لبنان السيادية ارتفعت إلى مستوى قياسي، وأظهرت بيانات «آي.إتش.إس ماركت» أن عقود مبادلة مخاطر الائتمان اللبنانية لخمس سنوات ارتفعت إلى 990 نقطة أساس، بزيادة 33 نقطة أساس عن الإغلاق السابق.

ورغم إغراء تحدّي الدائنين، إلا أن ثمة إشكالية يفرزها نهج الإخلال بالالتزامات المالية الدولية لا بد من وضعها في الاعتبار، حتى لا تقفز البلاد إلى المجهول: ففي العديد من البلدان النامية، تعوق قوانين الإفلاس التي عفا عليها الزمن قدرة الدائنين على تحصيل مستحقاتهم من الشركات المتعثرة ماليًا، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تثبيط الإقراض مستقبلًا.

 لتجنب هذا السيناريو، في محاولة لتحسين وصول الشركات إلى التمويل الخارجي؛ سنَّت الاقتصادات الناشئة، مثل البرازيل والصين، قبل سنواتٍ قوانين جديدة تتصدى لحالة الإفلاس لزيادة الحماية القانونية للدائنين وإنقاذ الشركات المتعثرة القابلة للحياةـ، ومع ذلك، نادرًا ما توضع هذه القوانين قيد التطبيق بكفاءة، حتى في بعض الاقتصادات المتقدمة، ناهيك عن البلدان النامية التي لا تتمتع محاكمها بخبرات كافية للتعامل مع قضايا الإفلاس، ما يتطلب سد الفجوة بين الإصلاحات القانونية وجودة التنفيذ. 

النجاة من مخالب صندوق النقد والبنك الدوليين

بين عامي 1982- 2000 سددت دول أمريكا اللاتينية 1.45 تريليون دولار، خدمة لديونها فقط، أي أكثر من أربعة أضعاف مجموع الدين عام 1982، لكن البرازيل لجأت إلى صندوق النقد الدولي من جديد عام 2002 للحصول على قروض حتى لا تتخلف عن سداد ديونها المتراكمة عليها. في ذلك الوقت كان معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2003 يبلغ حوالي 1.1%، والناتج المحلي الإجمالي للفرد عند مستوى سالب 0.2، بينما بلغ معدل التضخم 14.7%، وبلغ معدل البطالة 13.7%.

وخلال عهد الرئيس كار دوزو، وصلت البرازيل عام 2002 إلى حد الإفلاس، حيث بلغ الدين الخارجي 250 مليار دولار، نتيجة لاعتماد رئيسها على سياسة السوق الحر والاستدانة من البنك وصندوق النقد الدوليين، حتى انتخب الرئيس لولا دا سيلفا في أواخر ذلك العام ليتخذ قراره التاريخي بسداد جميع الديون للصندوق قبل موعدها بعامين، لتبدأ مؤشرات الاقتصاد في التحسن تدريجيًّا، ويستحق لولا دا سيلفا بذلك لقب «السياسي الأكثر شعبية على كوكب الأرض» الذي أطلقه عليه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، حتى رشحه لتولي منصب رئيس البنك الدولي. 

خلال فترة وجوده في منصبه، ضخ لولا مليارات الدولارات في البرامج الاجتماعية، ويمكن القول إنه ساعد في عكس اتجاه عدم المساواة التاريخية في البرازيل. وعن طريق زيادة الحد الأدنى للأجور إلى مستوى أعلى بكثير من معدل التضخم، وتوسيع نطاق مساعدة الدولة إلى المواطنين الأكثر فقرًا من خلال مشروع منح العائلات، ساعد حوالي 44 مليون شخص. وإن جادل بعض المعلقين بأن البرنامج فشل في معالجة المشاكل الهيكلية التي تشكل أساس الفقر، مثل نقص التعليم.

بالعودة إلى الصعيد اللبناني، نجد الرئيس ميشال عون- رغم أنه يدرك مغبة الإملاءات التي تفرضها المؤسسات الدولية، ويعترف بخطورة وضع لبنان على مذبح المقرضين، وما يمكن أن يفرضوه على بلاده من خطط اقتصادية ومالية قاسية- نجده يثير احتمال اضطرار لبنان إلى اللجوء لصندوق النقد الدولي للحصول على المساعدة إذا لم تثمر جهود الإصلاح التي تبذلها الحكومة لتحسين المالية العامة للدولة بالقدر الكافي.

وبينما تستهدف الحكومة اللبنانية تقليل تكاليف خدمة الدين بنحو تريليون ليرة لبنانية (660 مليون دولار) من خلال إصدار سندات خزانة منخفضة الفائدة بالتنسيق مع مصرف لبنان المركزي، انبرى صندوق النقد محذرًا من أن شراء السندات الحكومية اللبنانية المقترحة ذات الفائدة المنخفضة سيؤدي إلى تدهور ميزانية المصرف المركزي وتقويض مصداقيته.

الطريق إلى المدخرات في البرازيل.. مواجهة تحدي الدين غير المستدام 

كانت استعادة الاستدامة المالية هي أكثر التحديات الاقتصادية إلحاحًا بالنسبة للبرازيل. ولمعالجة ديناميات الدين غير المستدام، سنّت الحكومة التعديل الدستوري 95/2016، الذي يحد من ارتفاع الإنفاق العام، ويفرض تعديلًا ماليًا قدره 4.1% من الناتج المحلي الإجمالي حتى عام 2026، ويثبِّت الدين عند نسبة 81.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023. لكن تنفيذ هذا التعديل المالي يتطلب تعديل آليات الإنفاق العام وتخصيص الإيرادات، بما يجعل أكثر من 90% من الإنفاق الأساسي للحكومة الفيدرالية إلزاميًا.

ويتوقع البنك الدولي أن يولِّد هذا الإصلاح في البرازيل مدخرات متراكمة تصل إلى 9% من إجمالي الناتج المحلي حتى عام 2030، وإلى جانب قاعدة الإنفاق، فإنه سيؤدي إلى استقرار إجمالي الدين العام للحكومة عند مستوى 81.7% من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2023. 

كيف تتعامل مع الفقراء؟ دروس هامة من البرازيل 

حين تحوَّلت النظرة إلى الفقراء، من كونهم عبئًا على عاتق الدولة إلى اعتبارهم رافعة حقيقية لاقتصاد البلاد، بدأ التعامل مع 95 مليون يد عاملة باعتبارهم «كنز البرازيل الحقيقي».

 وفق هذه الرؤية الجديدة، ركز دا سيلفا على الإجراءات التي تدعم الفقراء لينهضوا بالاقتصاد؛ فمنح الأسر الأكثر فقرًا راتبًا شهريًا مقابل تعليم أطفالها، وأطلق برنامجًا للتدريب المهني وأنشأ المدارس المهنية ودشن جامعات التطوير التقني في مختلف أرجاء البلاد، ودعم صناعة السيارات  والأسلحة والإلكترونيات، وزاد الاستثمار في النفط والغاز والحديد، فوفر أكثر من 20 مليون فرصة عمل، أدخلت الفقراء إلى سوق العمل، وغطت حوالي 46 مليون شخص أي ما يعادل ربع سكان البلاد.

مع خروج البرازيل من عباءة البنك والصندوق الدوليين، وتشجيع الصناعة، وزيادة الإنفاق على القطاعات الاقتصادية، وفتح علاقات جديدة مع الاتحاد الأوروبي، وتشجيع السياحة والزراعة، تحسنت القوة الشرائية للفقراء، وازداد الطلب على السلع، وزادت الصادرات من 60 مليار دولار إلى 152 مليار دولار سنويًا، وارتفعت الاستثمارات في الإسكان من 7 مليارات دولار إلى 63 مليار دولار سنويًا، وحقق الإنتاج الإجمالي قفزة هائلة من نصف تريليون دولار إلى ما يزيد عن 2,5 تريليون دولار سنويًا. 

لكن ينبغي التنويه في الختام إلى أن هذا النوع من المعارك مستمر ولا يتوقف في مرحلةٍ ما؛ ذلك أن نجاح بعض الخطط الإصلاحية ليس ضمانة للتمتع بثمارها للأبد، وإلا فالبرازيل نفسها شهدت في عام 2015 انكماشًا في الناتج، وتعثرًا في الإيرادات الضريبية، وتدهورًا سريعًا في جدارة البرازيل الائتمانية، وتجاوز عجز الموازنة 9% من الناتج المحلي الإجمالي،  وتجاوز التضخم عتبة الـ10%. ونتيجة ضعف سوق العمل والاستثمارات المؤجلة بسبب عدم اليقين بشأن الانتخابات والإضراب العام لسائقي الشاحنات؛ توقفت الأنشطة الاقتصادية في مايو (أيار) 2018. 

اقتصادالاشتراكيةالبرازيلالثورةالديونالعمالصندوق النقدلبنان

المصادر