الرسالة التي لطالما أردت كتابتها

عشر سنوات مرت منذ أن غادرت منزل عائلتي، وبالرغم من مرور كل هذا الوقت، وبلوغي سن الثلاثين والحصول على وظيفة ومسكن مستقل، إلا أن زياراتك المتكررة لي في أحلامي لم تتوقف، لعل السبب وراء ذلك هو عدم قدرتي على التخلص بشكل كامل من أعراض الخوف والضيق التي تركتها لدي.

لقد رحلت بعد أن أرغمتيني على الزواج من رجل غريب من الهند، هذا الزواج الذي لم أرغب به يومًا، وطالما صرحت لكي ولأبي مرارًا وتكرارًا بعدم الرغبة فيه، ولكن ذلك لم يوقفك عن إجباري على الزواج عبر تهديدك المتكرر بالانتحار إذا لم أوافق على هذه الزيجة، الأمر الذي جعلني أقبل بالزواج.

أنا لا أتذكر ما حدث في يوم الزفاف، كل ما أتذكره شعوري بوعكة صحية قبيل موعد الزفاف أدت إلى فقداني الكثير من الوزن، ألا تتذكرين ذلك؟ لقد تم تشخيص الحالة لاحقًا على أنها مرض “اضطراب ما بعد الصدمة”، لذا حمدًا لله أن عقلي استطاع بطريقة ما محو معظم الذكريات التي تسببت لي بهذه المحنة. ولكنني أذكر أنه كان حدثًا ضخمًا في الهند حضره مئات الضيوف، وارتديت يومها فستانًا مفصلًا مع الحلي الخاص بالعروس.

كانت تلك الأيام العشرة التي قضيتها في الهند قابعة في المنزل هي الأكثر ترويعًا في حياتي، حيث شعرت خلالها كما لو كنت قد فقدت كل شيء، كاستقلالي العاطفي والفكري والجسدي، ذلك قبل أن أعاود أدراجي إلى موطني لندن وأنا مطلقة، وهو الأمر الذي أنقذ حياتي.

لقد مرت عشر سنوات على تلك الأيام وأنا صامدة طوال تلك الفترة الطويلة، حققت النجاح بفضل الكثير من المساعدة، ولكن أيضًا كانت هناك أوقات عانيت فيها من الاكتئاب الحاد، فحاولت إيذاء نفسي وتدمير كل ما يحيط بي. كما أني أصبحت أجد صعوبة بالغة تجاه الالتزام بالعلاقات العاطفية.

وبالرغم من محاولتي تفسير دوافعك مع العديد من الأطباء المعالجين، إلا أن سلوكك ما زال يثير الدهشة بالنسبة لي، ولعل أكثر ما يؤلمني هو إحساسي بأنك لم تحبيني أو تهتمي لأمري يومًا، وإلا ما كنتي لتفعلي بي ذلك أبدًا.

أنا أعلم أنك كنتِ في الـ17 فقط من عمرك عندما تزوجتي بأبي، الرجل الذي كان قاسي القلب معظم الوقت، وأنك انصعتي بكل ثبات للثقافة والتقاليد التي نشأت عليها في الهند، ولكن ما لا أستطيع تفسيره حتى الآن هو لماذا هذا الافتقار إلى الحب؟ لماذا كان أسهل عليكي التضحية بابنتك في سبيل الحفاظ على شرف العائلة؟

على مدار السنوات القليلة الماضية بدأت حملتي بشأن حالات الزواج القسري – بالإكراه- التي تتم بغية حماية عفة وشرف الأسرة، فكتبت عن هذه الحالات على نطاق واسع، فكم كنت أتمنى وقت زواجي لو أدركت حجم الظلم الفادح الذي أتعرض له، ولكنني كنت شديدة البراءة وفكرة الهروب تصيبني بالذعر الشديد، لذا عندما أتحدث مع النساء هذه الأيام أقول لهم إن وجع الاغتراب أفضل من التضحية بنفسك من أجل إرضاء عائلتك، فالزواج من رجل لا ترغبين به سوف يؤذيكي بشكل لا يمكنك تخيله بعد.

أنا لا أستطيع تخيل أي علاقة تربطني بك، فبالرغم من كوني كاتبة، إلا أني أمامك قد أفقد الكلمات، كما أني لا أستطيع تخيل عالم مليء بالمحادثات الهاتفية التي تجمعنا بين الحين والآخر، أو تناول الغداء كل يوم أحد سويًا، فأنا في الحقيقة عاودت بناء حياتي من جديد بشق الأنفس بعد أن كانت تحطمت فيما مضى، وبالتالي لا أعلم ما إذا كنت مستعدة لانضمامك إليها يومًا ما، فبعد مرور فترة من الزمن كان عليّ تقبل حقيقة كوني ذا قيمة كبيرة، وأن حياتي أهم من أسرة لن تتمكن يومًا من أن تتقبلني أو تحبني بصدق.


من ابنتك، الباقية على قيد الحياة   

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد