رجلٌ في العقد الرابع يكسو رأسه الشيب، يمسك هاتفه المحمول وسط جمع من أصدقائه في ماليزيا، داخل مطعم ذي لافتة بحروف لاتينية، في مثل هذا الوقت من اليوم  اعتاد أن يتحدَّث مع عائلته في مصر، يضع السماعات في أذنيه في انتظار المكالمة، ولكنه اليوم أكثر هدوءًا وصمتًا، يسرح بخياله بعيدًا عابرًا الحدود والمسافات، يقطع صمته ضوء هاتفه إيذانًا بإشعاراتٍ وصلت للتو.

ينظر  إلى هاتفه في لهفة ويزداد صمته وطأةً ثم تظهر علي وجهة ابتسامة،ثم دموع، لم يستطع السيطرة عليها بالرغم من محاولته التماسك، إلا أنه فشل، لا جدوى من التماسك. يقول حسين المصري – الهارب من ملاحقات أمنية لنشاطة السياسي في مصر – لمن حوله: «أرسلت إلىَّ أمي رسالة فيديو في عيد الأم»، يضع الهاتف وسط المنضدة ويرفع الصوت ليسمع وزملاءه الفيديو لتبدأ الكلمات البسيطة: «أزيك يا حسين عامل ايه وحشني يا ابني، أولادك وزوجتك طوال اليوم معي، كان نفسي تكون معانا»، تبدأ والدته في البكاء، ويبكي الجميع.. فالكل يحمل من الذكريات الكثير.

دموع هنا وصمت هناك، أحزان وأوجاع، حسين، ومحمد، وسعد، وأسماء، وإيمان، وغيرهم. لا حصر للأسماء وإن كانت القصص متشابهة؛ مصريون هاربون أو معتقلون كانوا، في الخارج منفيون أو داخل زنازين صمَّاء باللون الرمادي الكئيب، يفتقدون الأم في يوم عيدها بالتوقيت المصري 21 مارس (أذار) من كل عام، رسائل هاتفية أو مقاطع فيديو أو انتظارًا لموعد زيارة السجن لتقديم هدايا بدائية الصنع لمحاولة التخفيف من الوجع وكسر حاجز المسافات.

يتصنَّعون الصلابة والقوة يشيحون بوجهم لحظة البكاء، رافضين أن يكونوا ضعفاء ويظهر عليهم الاشتياق لحضن يشعرهم بالأمان، ولم يكن غير أمهاتهم ليشعروهم بذلك، «ساسة بوست» حاول نقل صورة ليوم حزين ومشاهد مبكية مكررة للعشرات والمئات ممَّن سافروا هربًا من أحكام قضائية أو ملاحقات أمنية، أو المرغمين علي البقاء خلف القضبان تواصلنا مع بعضهم عبر الهاتف لنتعرف علي ترتيبهم ومشاعرهم وحكاياتهم في ذلك اليوم.

اقرأ أيضًا: «في طي النسيان».. ألفا معتقل في السجون المصرية تخطوا فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي

 دكتورة ليلي سويف والدة علاء عبدالفتاح أثناء نظر إحدى قضايا ابنها

قهر الرجال في الزنزانة

الجميع بملابس بيضاء، تجلس الأغلبية وسط الغرفة الصماء ذات الفتحة الوحيدة للتهوية، افترشوا الأرض ممسكين في أيديهم بورق وخيوط وكرتون يصنعون، ما يبدو أنه هدايا غير أن ذلك الشاب الثلاثيني ينزوي في أحد الأركان ينظر لزملائه في الزنزانة وعيناه تمتلئ بالدموع، فقد تلقي منذ فترة خبر وفاة والدته ولم توافق إدارة السجن علي حضوره الجنازة.

في الواقع لم نتحدث إلى الشاب،الذي أطلقنا عليه اسم أحمد، ولكن زميله في الزنزانة، سعد، نقل لنا الصورة (نحتفظ بالأسماء الحقيقة كما لا ننشر صور لبعض الهدايا بطلب من السجناء).

يقول سعد لـ«ساسة بوست»: «زميلي أحمد توفيت والدته منذ مدة ورفضت إدارة السجن أن تسمح له بحضور الجنازة، ونشعر خلال الأيام الحالية بالحرج البالغ عندما بدأنا في صناعة هدايا للأمهات اللاتي من المقرر أن نراهم خلال الزيارة القادمة، ففي بعض المرات يجلس وحده بعيدًا عنا وينظر لنا والدموع واضحة في عينيه».

سعد، كان يعمل في مجال الإعلام ومحبوس احتياطيًا منذ شهور يقول: إن الجميع يفتقد والدته، وإن كان البعض لديه أمل في رؤيتها في الزيارة القادمة، ويشير إلى أن البعض يقوم بصناعة هدايا بدائية للأمهات وفي المناسبات للأبناء والزوجات من بينها نسيج لبعض ملابس السجن عليها كلمة «إليك يا أمي، أحبك» وأحد الزملاء صنع من بعض المكرونة والحجارة سبحة لوالدته وآخر قام بصناعة مجسم للكعبة من الكارتون وعلب الكبريت؛ لأنه كان يستعد قبل سجنه للسفر مع والدته في عمرة لبيت الله الحرام.

زنزانة سعد ليست وحدها من استعدت لاستقبال الأمهات، ويبدو أن الأمر منتشر بين المعتقلين في محاولة منهم للتخفيف على والدتهم. أجرينا اتصالًا بشخص آخر وفي سجن أخر ويدعي – عزيز – ويصف مكان تواجده بالأكثر حرية مقارنة ببعض السجون الأخرى واستطاع هذا العام تقديم رشوة لعدد من العساكر ليشتر له أحدهم «بوكيه من الورد» سيقدمه لوالدته وبعض زملائه اشتروا الورق الملون للف هدايا، من بينها ساعة وأساور وحلي والبعض الآخر اشترى بالون، وكتب عليه «بحبك يا أمي».

وبالرغم من الخلاف الكبير بين السجناء – خاصة ذوي الميول الإسلامية السلفية- على شرعية الاحتفال، إلا أن عزيز يرى الأمر محاولة لكسر الحزن لدى الأم وابنها الأسير، بحسب وصفه.

ووفقًا لحقوقيين فإن هناك أكثر من 360 مقر احتجاز وسجون عادية وأقسام شرطة للاحتجاز في أنحاء مصر منذ يونيو (حزيران) 2013. بعض المعتقلين لم يلتق عائلته منذ سنوات.

اقرأ أيضًا: كيف انهارت مكانة مصر الدولية في عهد السيسي.. 15 موقفًا يشرح لك

دموع أم في المحكمة: يا قاضي افرج عن ابني وانا امسحلك البلاط

الأمهات الجدد في المنفي

بين طفلين تحمل أحدهم علي كتفها والآخر تركته يلعب علي أرضية المنزل تجلس أسماء الخطيب، الصحافية المصرية التي تعيش في تركيا حاليًا متذكرة والدتها، تستعرض الصورة الخاصة التي تجمعها بوالدتها وتتحدث لأطفالها عن جدتهم تعلم أن أطفالها لن يفهموا حديثها، ولكنها كما تقول بأنها تفتقد الثرثرة مع والدتها.

أسماء، محكوم عليها بالإعدام في قضية التخابر مع قطر ولذلك من المستحيل أن تسافر لمصر لرؤية والدتها، التي لم تكن تهتم كثيرًا بعيد الأم – وفقًا لقول أسماء – لترسخ مفهوم الأمومة المستمر غير المرتبط بيوم أو مناسبة في ذهن أبنائها.

تقول أسماء بصوت حزين: «أرغب في وجود والدتي بجانبي، لم يكن لدي خبرة في التعامل مع الأطفال وكنت انتظر من والدتي أن تكسبني خبرتها ولكن الظروف حالت دون ذلك، وحاليًا، أنا زوجه وأم وأعمل صحافية من المنزل، زوجي يساعدني كثيرًا فعائلتنا الصغيرة نتبادل فيها الأدوار وفي الغربة يمثل زوجي كل شيء، ربنا يبارك فيه وفي الأولاد وينتهي ما يحدث في مصر ونعود لبلادنا».

وبعيدًا عن تركيا وبالذهاب إلى لندن ولأكثر من 12 ساعة كنا ننتظر رد إيمان عبد المنعم، الصحافية المصرية، ولكنها أجابت أخيرًا: «آسفة لم أكن أرغب في الرد في البداية، وخاصة في نفس يوم عيد الأم، كنت أرغب في نسيان اليوم أو بمعني أدق تناسي أنه يوم عيد الأم وأنا بعيدة عن أمي».

إيمان كانت صحافية سابقة في عدد من الجرائد المصرية وعملت كمندوبة لوكالة الأناضول في رئاسة الجمهورية خلال تولي محمد مرسي، وفترة من حكم عدلي منصور، حتى توقف الوكالة وقررت الخروج من مصر ابتعادًا عن أية ملاحقة أمنية قد تطولها، وهي زوجة ولديها فتاة صغيرة.

وتعود إيمان لتقول: «كنت أعلم أن الهروب من محاولة تذكر عيد الأم أمر غير مجدي، ولكنها محاولة لأنسى طقوس ذلك اليوم، كنت أشتري لعائلتي وصديقات والدتي أيضًا وصديقاتي هدايا، وكان بيني وبين إخوتي اتفاق دائم على شراء كعكة يوم عيد الأم».

تصمت إيمان، ثم تعود بصوت يحاول التماسك، هذا رابع عيد أم، أقضيه بعيدة عن والدتي وعن حضنها؛ الأمر صعب يكفي ذلك.

في الواقع لا يمتلك أي مركز حقوقي قدرة على إحصاء عدد المطاردين أمنيًا خارج مصر، ولكن أعدادهم وفقًا لتوقعات البعض تتجاوز العشرين ألف او أكثر، يتمركز معظمهم في السودان وتركيا وبعض دول الخليج وماليزيا وبعض الدول الأوربية.

مشهد لأم تحتضن ابنها المعتقل

اقرأ أيضًا: تعامل الدولة المصرية مع الصحافيين والباحثين.. إسماعيل الإسكندراني نموذجًا

أطفال وإن كنَّا رجالًا

أبو بكر خلاف، نقيب الإعلام الإلكتروني المصري السابق، يقول: «لم أعد أعرف شخصيًا هل خروجي من مصر كان مفيد أم مضر، لم يعد التواصل بيني وبين والدتي إلا عبر مواقع التواصل الاجتماعي وانتهت فترة اللقاءات، هل تسامحنا أمهاتنا على هذا التقصير، فالمطاردون أمثالنا لديهم الكثير من التفاصيل لوطن يسجل على الناس أنفاسها وكلماتها حرفًا حرفًا».

خرجنا يومًا في 25 يناير (كانون الثاني) 2011 لبناء وطن حقيقي لأبنائنا بحظوظ كنا نظن أنها أفضل، ولكن انقلب الأمر وأصبحنا مطاردين بتهمة نشر أخبار كاذبة، مطاردين بدون الأم والعائلة والأبناء.

أما أدهم حسنين، مصري يعيش في تركيا، وملاحق أمنيًا أيضًا فيقول: «أمي كان لها من الأولاد اثنان، بالإضافة لأبي لم أكن أتوقع يومًا أن تمرضي فتستعين عائلتي بغريب، بدلًا عن زوج وأبناء مطاردين خارج مصر».

ويضيف أدهم أن عيد الأم يذكره بأنه في تركيا وأمه في مصر، وضيق ذات اليد يمنع سفرها لتلحق به، فعيد الأم يذكره أنه طفل، حتى وإن كان رجلًا أو شاب يافع، يقول إنه سيظل طفلًا ينتظر أن يهرب إلى حضن أمه، كما كان يفعل من قبل، وما أحوجه للهروب الآن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد