لعقود طويلة ظل اسم لي بينغ، رئيس الوزراء الصيني، يبث الرعب في نفوس كُل مردد له، ويُثير مخاوف واسعة عند الإشارة لمهام الرجل في تاريخ البلاد، والتي قادت إلى الذبح على المشانق.

تنبعث هذه المخاوف من تشدد السطات الصينية تجاه أي استدعاء لسيرة الرجل، الذي كان مُهندسًا لكثير من المذابح التي شهدتها بلاده، كان أبرزها «مذبحة تيانانمين» التي جرت وقائعها قبل 30 عامًا.

لم ينته هذا الخوف عند موت الرجل الشهر الماضي بعدما تحول إلى أيقونة للدولة، تروج له، وتسجن كُل مخالف للرواية الرسمية التي تبثها على شاشاتها بعدما محت وقائع هذه المذابح من أرشيفها.

في التقرير التالي نستعرض بعض محطات الرجل بالمعروف بـ«جزار بكين» عقب وفاته عن عمر ناهز 91 عامًا، وماذا تبقي من سيرته الرسمية وغير الرسمية.

«بيزنس إنسايدر»: يعذب المسلمين ويحرق الإنجيل.. لماذا يحارب رئيس الصين كل الأديان؟

السيرة الرسمية لجزار بكين.. رئيس مجلس الدولة و«قامع الثورة المضادة»

في دول رسخت نُظم حكمها بالدكتاتورية مثل الصين تتحول المعلومة حول أوضاع سكانها لجريمة يحال مروجها للسجن، وتُصبح رواية الدولة هي الرواية الوحيدة المُعتمدة للتداول بين مواطنيها حال أردوا البقاء على قيد الحياة.

بهذه الطريقة تحول تاريخ رموز الصين بين الرواية الرسمية التي تروجها الدولة عن صاحبها متناسية وقائع بعينها كان مسئولًا عنها في بلد شهد من المذابح والإعدامات الكثير، وبين رواية أخرى غير رسمية يرويها أبطال الواقعة المشتركة بعدما يفرون خارج البلاد ويطمئون نسبيًا.

من بين أشهر رموز بكين الرسمية التي انتقت كُل معلومة تذكرها عنه لي بينغ، رئيس الوزراء الصيني السابق، الذي تندر المعلومات التي تقولها الوكالة الرسمية الصينية عنه كحال أغلب أخبارها، مكتفية بسرد بعض الوظائف التي تنقل بينها.

إذ ذكرت الرواية الرسمية أن لي بينغ تنقل بين مناصب رسمية داخل الدولة، رئيس لمجلس الدولة، وعضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للجان المركزية 13 و14 و15، للحزب الشيوعي الصيني، وعضو المكتب السياسي، وعضو سكرتارية «اللجنة المركزية 12» للحزب الشيوعي الصيني.

وقالت عنه «وكالة شينخوا» الرسمية في نعيها له: إن الرجل الذي شغل منصب رئيس الحكومة من 1988 إلى 1998 «اتخذ خطوات ضرورية لإنهاء الاضطرابات وقمع عنف الثورة المضادة».

للي بينغ مهام أخرى بالتوازي مع أدواره السابق ذكرها في رسم مبادئ أساسية لاقتصاد بلاده في مرحلة زمنية كانت تشهد أفولًا لعصر الانفتاح الاقتصادي؛ إذ أطلق ما سمي «اقتصاد سوق اشتراكي»، ساهم في تغييرات جريئة في النظام الاقتصادي.

كان لهذه التغييرات أثر كبير في تجاوز بكين للعثرات الاقتصادية التي مرت بها بلدان النظم الاشتراكية في أواخر الثمانينات أوائل التسعينات، كما أنها تجاوزت بقية الاقتصادات الآسيوية التي تعتمد على التصدير مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا، بعدما سمحت للشركات العالمية الكبرى بالعمل فيها من أجل التصدير.

والأهم من هذه الطفرة هو نجاح الصين في تجاوز الأزمة الآسيوية، التي كانت أبرز آثارها التضخم، وذلك في أوائل التسعينات، ليبدو لي بينغ مُهندسًا جديدًا لسياسة بلاده الاقتصادية التي نجحت ضبط السلطات لاسعار المواد الغذائية وتشديد السياسة النقدية، ولنمو كبير لاحقًا.

جزار قتل الآلاف الطلبة في «تيانانمين».. تاريخ لي بينغ غير المروي

خلافًا لما هو مذكور عن لي بينغ، كمسئول رسمي شغل مناصب عليا في الثمانينات والتسعينات، تبرز صورة أخرى للرجل، تتجنب الصين الإشارة لها، والتي كان أبرزها ضلوعه في مذبحة تيانانمين، التي أدت لمقتل الآلاف من الطلبة الذين احتشدوا بالميدان ذائع الصيت بالعاصمة الصينية، في 4 يونيو (حزيران) 1989.

كان لي بينغ مُهندس فض اعتصام ميدان تيانامين الذي رُفعت فيه لافتات الإصلاح والتغيير السياسي بواسطة آلاف من طلاب الجامعات. مع تجمع الآلاف في أيام الاعتصام الأولى، بدأ لي بينغ في نشر أفراد الأمن لفض الاعتصام عبر استخدام العصا والرصاص الحي قبل أن تكثر الأعداد وتفشل هذه المحاولات أمام صمود المتظاهريين الذين طالبوا بالتغيير الديمقراطي لسبعة أسابيع متصلة.

بعد مرور هذه الفترة الزمنية، كان لي بينغ عند الموعد، وأصدر قرار بنزول دبابات للجيش الصيني، ومئات العربات المدرعة، التي فتحت النار على الحشد ومرت على أجسادهم في الميدان. وقد تم إحراق الجثث لاحقًا، فيما فر الباقون، قبل أن يتبع ذلك سجن مئات من قادة الحركة الطلابية، ويصير الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان محظورًا.

عند من عاشوا هذه المذبحة تُمثل ذكرى موت لي بينغ حدثًا «سعيدًا» كحال ووئر كايكسي، أحد زعماء الاحتجاجات الذي يعيش خارج الصين، الذي وصفه في تصريحات لـ«بي بي سي» بأنه كان «جزارًا لمذبحة 4 يونيو، وهكذا يجب أن يتذكره العالم والتاريخ، ونأمل أن يأتي اليوم الذي تذكره فيه كتب التاريخ الصينية بنفس الطريقة»، مضيفًا أن الذين فقدوا أحبتهم ما زالوا ينتظرون العدالة.

شاهد آخر على مذبحة الرجل، هو فانج تشانج، رئيس مؤسسة التعليم الديمقراطية غير الربحية، ومقرها في تايوان، الذي تذكر وقائع المذبحة في شهادة أمام مجموعة حقوقية، قائلًا: «في لمح البصر كانت الدبابة تقترب من الرصيف لتطبق عليّ»، مضيفًا: «بدا الأمر وكأن فوهة مدفع الدبابة على مسافة سنتيمترات من وجهي. لم أستطع أن أتحاشاها في الوقت المناسب. ألقيت بنفسي على الأرض وبدأت أتدحرج. ولكن الأوان كان قد فات. سقط الجزء الأعلى من جسدي بين عجلات الدبابة، ودُهِسَت ساقاي». ليستعيد فانج وعيه بأحد المستشفيات المحلية، وقد بترت ساقاه، لينجح في مغادرة البلاد لاحقًا.

لم تقف أدوار الرجل عند هذه المذابح بحق كُل مُطالب بالديمقراطية، بل امتدت لهندسة نظام ديكتاتوري منضبط عبر إعادة تأسيس للحزب الشيوعي الصيني الحاكم، وإطلاق سلسلة قوانين صارمة بحق كُل مخالف؛ ليصير عدد أعضائه وفقًا لهذه السياسة مقدرًا بنحو 90 مليون عضو، عبر تعديلات في ميثاق الحزب أتاح للطبقات الجديدة الناشئة الانضمام إليها، ليحكُم الحزب قبضته على مفاصل الدولة الصينية.

هذا الدور تؤشر عليه الإحصاءات الرسمية التي تشير إلى أن أكثر من 80% من الأعضاء الحاليين للحزب الشيوعي الصيني انضموا للحزب بعد الدورة السنوية الثالثة للجنة المركزية 11 للحزب الشيوعي الصيني في عام 1978، وهي الفترة الذهبية للي بينغ، الذي كان من أرفع مسؤولي بلاده.

كما لعب أدوارًا رئيسة في نمو المشاعر القومية التي حضت عليها وسائل الإعلام الحكومية مع التركيز على تأليه الحاكم.

كيف محت السلطات الصينية ذكرى مذبحة جزار بكين؟

أمام هذه الأدوار الاستثنائية للي بينغ في تاريخ الصين، والذي كان خلالها مُهندسًا لكثير من التحولات النوعية في سياستها الداخلية والخارجية، سعت السلطات لمحو سيرة الرجل في أرشيف البلاد من مهامه في تصميم سياسة بلاده الحديدية، والتي أدت إلى وقوع مذابح ضد كُل محتج عليها، كان أبرزها «مذبحة تيانانمين»، التي جرت وقائعها قبل 30 عامًا.

على رأس الوسائل التي استخدمتها السلطات الصينية لمحو أي شيء يتعلق بإدانة الرجل هو حظر الحديث تمامًا عن ذكرى المذبحة، كما تم تشديد الرقابة على الإنترنت في الفترة القريبة من هذا التاريخ، وتم حجب أية إشارة مبطنة لهذه الذكرى من جميع وسائل التواصل الاجتماعي بصورة أوتوماتيكية، واستخدام أيقونة الشمعة التعبيرية التي ترمز لهذه المذبحة.

امتدت هذه الوسائل إلى إخضاع الناجين من أحداث تيانانمين وأفراد أسرهم الذين لا يزالون في الصين لمراقبة صارمة، ومنعهم من الحديث إلى الصحافيين الأجانب.

وسيلة آخرى استخدمتها السلطات الصينية لمحو صورة الرجل المسؤول عن أشهر مذبحة شهدتها بكين بإعطاء الناجين من المذبحة وعودًا بمنحهم درجات جامعية، وفرصًا وظيفية مقابل التزامهم الصمت.

بحسب ما ذكره العالم المتخصص في علم الحضارة الصينية ميشيل بونين، فقد بات التطرق لأي أمر يتعلق بأحداث الرابع من يونيو مؤذِنا بـ«بناء عصر جديد يستند إلى فقدان الذاكرة الجمعية».

شهود عيان يروون لـ«ساسة بوست» تفاصيل مجزرة الأبيض وما فعلته قوات الدعم السريع

المصادر

تحميل المزيد