دخلت بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط كسائر دول العالم في «السوق الليبرالي» منذ الثمانينات، حينما قامت بتعديل اقتصاداتها تدريجيًّا وفق النظام المالي العالمي، حتى وصلت اليوم إلى تعويم عملاتها ورفع يدها عن الدعم العمومي، وهذه الإصلاحات لاقت سخطًا شعبيًّا تجاهها، إذ لم تنجح في تحسين معيشة عامة المواطنين بشكل كافٍ، كما أنها فشلت في خلق إقلاع اقتصادي بالمنطقة العربية.

في الوقت الذي فيه صنعت نفس هذه الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية نهضةً تنموية في مناطق أخرى، مثل كوريا الجنوبية وسنغفورة والهند، كان وضعها الاقتصادي والاجتماعي خلال فترة الستينات من القرن الماضي يكاد يكون أسوأ من جل دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط آنذاك. فلماذا إذن لم تسفر «السوق الليبرالية» في المنطقة العربية عن نتائج إيجابية؟

بداية كيف يشتغل الاقتصاد العالمي اليوم؟

تشكل النظام المالي العالمي اليوم، الآخذ في التطور، نتيجة لتحولات الفكر الاقتصادي والأحداث التاريخية الفارقة التي عاشتها البشرية في الثلاثة قرون الأخيرة، إذ بدأ هذا النمط الاقتصادي الجديد مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، حين تكفلت الولايات المتحدة الأمريكية بإصدار أموال العالم من عملة الدولار، تبعًا لمقدار احتياطي الذهب لدى كل دولة على حدة، بغرض تسهيل تداول التجارة العالمية.

ثم بعدها ألغى الرئيس الأمريكي نيكسون ارتباط الدولار بالذهب سنة 1971، وأصبح لكل دولة الحرية في طباعة أموالها متحملة مسؤوليتها في تبعات التضخم، مع الاحتفاظ بالدولار عملةً دولية بجانب اليورو والين الياباني للتجارة العالمية، وبدأت الأسواق الحرة تجتاح شيئًا فشيئًا بقاع العالم تحت توجيه المنظمات المالية الدولية، الأسواق التي تخضع كل شيء في الدوامة الاقتصادية لقاعدة العرض والطلب بما في ذلك العملات النقدية نفسها، حتى عدنا نعيش اليوم في نظام اقتصادي عالمي موحد لا يعرف حدودًا فاصلة.

هل ينبغي للدولة أن تسهر على إدارة كل الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وتقدمها للمواطنين على نحو متساوٍ في مجتمع لا طبقي؟ أم أنه على الدولة أن تتراجع للوراء وتترك المهمة للأسواق الحرة، القائمة على قانون العرض والطلب والملكية الفردية، في إدارة المجتمع؟

كان هذا الإشكال هو صلب الصراع بين النظام الاقتصادي الرأسمالي، والنظام الاقتصادي الشيوعي، حول صلاحية وفعالية كل منهما في تدبير شؤون المجتمع، ونتيجة ذلك انقسم العالم خلال مرحلة من القرن العشرين إلى نظامين اقتصاديين، واحد ينشد الحرية، والآخر ينشد الاشتراكية. لكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1991، وتهافت التجربة الاقتصادية الشيوعية في روسيا والصين، تحولت جميع دول العالم تدريجيًّا إلى النظام الرأسمالي الليبرالي، بما في ذلك روسيا والصين.

في الواقع، لا توجد اليوم أو سابقًا دول ليبرالية بشكل مطلق، يخضع فيها كل شيء للسوق الحر، وإنما هناك تقاسم للنفوذ بين الدولة والأسواق، فالدولة تتكفل بتوفير الصحة والتعليم والأمن لجميع المواطنين، وتسهر على سيادة القانون، مستمدة ميزانيتها من الضرائب والاقتراض، في حين تتكفل الأسواق الحرة تلقائيًّا بإدارة كافة مناحي الحياة الاقتصادية للمواطنين وفق قاعة العرض والطلب، عبر الأموال المتداولة بين المنتجين والمستهلكين والحكومة، بالإضافة للديون.

لذا فإن اقتصادات دول العالم اليوم هي خليط بين الليبرالية والاشتراكية بدرجات متفاوتة، على سبيل المثال، تمثل نيوزيلندا أقصى النمط الاقتصادي الليبرالي، إذ تحتفظ فيها الدولة بصلاحيات بسيطة، وتفرض ضرائب قليلة مقابل سيطرة القطاع الخاص على إدارة شؤون المجتمع، في حين تمثل السويد أقصى النمط الاقتصادي الاشتراكي، حيث تتجاوز فيها الدولة أدوارها التقليدية وتفرض ضرائب أكثر على الشركات والأغنياء، وتوفر لمواطنيها خدمات إضافية مثل المساعدات الاجتماعية، كما تتدخل في إنتاج الشركات، فتفرض مجموعة من القوانين البيئية والصحية على المنتجين، وتتكفل بإدارة موارد الدولة الطبيعية، لكنها تبقى محافظة على ركائز الأسواق الليبرالية، كحرية التجارة والاستثمار والحق في الملكية الفردية.

لماذا إذن تفشل الإصلاحات الليبرالية في البلدان العربية؟

بالرغم من أن معظم البلدان العربية بدأت بتبني مجموعة من الإصلاحات الليبرالية منذ عقدين من الزمن بضغط من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلا أنها لم تفلح في دفع قاطرة اقتصاداتها نحو التنمية الشاملة، كما حصل في كوريا الجنوبية أو الهند مثلًا، يفسر خبراء الاقتصاد بأن النظام المالي الحالي لا يمكنه أن يشتغل بشكل جيد إلا في ظل الديمقراطيات الحرة، وذلك للأسباب الآتية:

· البيئة التنافسية الحرة

يعود سر التطور المستمر للأسواق الحرة بدرجة أساسية إلى خاصية التنافسية الحرة بين الشركات، إذ تتسابق بينها في تقديم الخدمات والمنتجات، ما يخلق تنافسًا في السعر والجودة، وبما أن المواطنين المستهلكين يفضلون عادة الخدمات والمنتجات الأرخص والأكثر جودة، ويبتعدون عن المنتجات الرديئة، فإنهم بذلك يدفعون السوق باستمرار نحو إنتاج خدمات أفضل وبسعر أقل، كما يسمح السوق الحر بدخول كل المقاولات الراغبة في الاستثمار موفرًا المزيد من فرص الشغل؛ مما يقود في الأخير إلى وفرة اقتصادية في المجتمع كمًّا ونوعًا.

بالمقابل، في الدول العربية لا تتوفر أسواق حرة بمعناها الحقيقي، إذ رغم أن قوانينها تنص على التجارة والمنافسة الحرة، إلا أنها على أرض الواقع سوق غير حرة، وذلك بسبب تداخل السياسة مع الاقتصاد في هذه البلدان، فتجد بها النخب المتوغلة في السلطة أو المقربة منها تحتكر القطاعات الاقتصادية، وتمنع بطريقة أو بأخرى الشركات والمقاولات المحلية أو الأجنبية التي تحاول دخول قطاعات نفوذها الاقتصادية، وتعمل جاهدة على تقليص فرص حصتها من السوق، موظفة أدوات السلطة من قضاء وإدارات وقوانين.

ولذلك، في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط تستحوذ عادة شركة واحدة أو بضع شركات على قطاعات اقتصادية بأكملها، مثل الاتصالات، أو المحروقات، أو المواد الغذائية، أو المناجم. وعندما تغيب التنافسية الحرة في الأسواق، فإن الاقتصاد يستمر في ركود يمنع نموه، كما يفقد المواطنون امتياز حرية اختيار الخدمة والسعر المناسب لهم، في ظل الخيارات القليلة التي تفرضها الشركات المحتكرة أمامهم، حتى بات المواطنون في المغرب ومصر والأردن يشترون المواد الغذائية، بثمن يفوق نظيراتها الأكثر جودة التي تباع في أوروبا، رغم أن الدخل الفردي للمواطن الأوروبي يضاعف نظيره المصري، أو المغربي أكثر من 17 مرة.

· البيئة المستقرة المشجعة على الاستثمار

لا تتوفر سنغفورة على موارد طبيعية، ولا تملك شركات تكنولوجية عملاقة، كما أن عدد سكانها لا يتعدى 5.5 مليون نسمة، يعيشون في مساحة لا تتجاوز 140 كلم مربعًا فقط، إلا أنها رغم ذلك تعتبر رابع أهم مركز مالي في العالم، وخامس أغنى دولة من حيث احتياطات العملة الصعبة، ودخول موطنيها بلغت درجات قياسية، كل ذلك بفضل الاستثمارات الأجنبية.

عندما بدأت سنغفورة نهضتها في سبعينات القرن الماضي، أسست هيئة حكومية تدعى «مجلس التنمية الاقتصادي»، غرضها الرئيسي هو التفكير في كيفية جلب رؤوس الاستثمارات الخارجية، فأقرت سنغافورة آنذاك حزمة من الحوافز الاستثمارية، منها إلغاء جميع الرسوم، لتتحول بعد ذلك إلى مشتل لرؤوس الأموال والاستثمارات والمراكز التجارية والبنكية الكبرى في العالم.

ولأن الاستثمار مقرون دائمًا بالاستقرار، فإن البلدان التي لا تحظى بالاستقرار تصبح بيئة طاردة لاستثمارات الأجنبية، مثل بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، التي تعيش في ظل احتقان سياسي واجتماعي دائم يهدد استقرارها، بالإضافة إلى «العنف الجهادي» الذي ينخر مجتمعاتها، وحوّل بعضها إلى «دول فاشلة»، وهو ما تعاني منه تونس اليوم، إذ تراجعت السياحة وامتنع المستثمرون عن القدوم، بعدما ضربت تونس «عمليات إرهابية» متوالية خلال السنوات الأخيرة، فعمقت الأزمة الاقتصادية للبلاد.

علاوة على العراقيل القانونية والسياسية، بالإضافة إلى البيروقراطية المرهقة، التي تضعها الأنظمة الحاكمة في العالم العربي أمام الشركات الأجنبية الراغبة في الاستثمار، وبالتالي تفقد اقتصاداتها كثيرًا من الاستثمارات، التي كان من شأنها أن تضخ مزيدًا من الضرائب لميزانية الدولة، وتشغل الكثير من المواطنين.

· الشفافية والنزاهة

وفرة المعلومات وتدفقها بمرونة هي أحد تجليات النظام المالي الجديد، والتي جاءت بفضل تطور وسائل النقل والاتصال والقياس، إذ بات بإمكان المواطنين والشركات في الديمقراطيات الحرة التي تحترم سيادة القانون، الاطلاع بسهولة على كافة التعاملات المالية الموجودة في البلد بالتفاصيل، بداية من تعاملات السوق، وميزانية الدولة، إلى السجلات الضريبية والمعاملات البنكية، ما يجعل الأسواق مرئية أمام الجميع، وبالتالي قابلة للرقابة والمحاسبة سواء من قبل السلطات، أو الإعلام.

بينما البلدان التي تفتقد للاستقلالية القضاء، ووسائل المحاسبة والشفافية في المعلومات، كالمنطقة العربية، يشيع فيها الفساد المالي بكافة ألوانه، من تهرب ضريبي، وتزوير وتهريب أموال، ورشوة، ومحسوبية، وغش مالي، ونهب للمال العام، فتتحول أسواقها الاقتصادية إلى مستنقعات مظلمة حافلة بالممارسات المالية غير الشرعية، تعرقل نمو الاقتصاد الوطني، وتهدر الكثير من ثروات البلاد، والأسوأ من ذلك أنه يصعب رصدها نتيجة نقص حرية التعبير، وحق الصحافة في الوصول إلى المعلومات.

· حقوق العمال والمستهلكين

في الاقتصادات الليبرالية تقف الدولة بعيدًا عن السوق، وتمنح بذلك الشركات حرية امتلاك وسائل الإنتاج والربح منه، لكن في نفس الوقت تلتزم الدولة بحفظ حقوق العمال، من أجل منع استغلالهم من طرف مشغليهم، أو التعدي على حقوقهم، تطبيقًا لعهد حقوق الإنسان للأمم المتحدة، إذ «لكل عامل الحق في أن يكسب أجرًا لائقًا، وفي العمل في ظل شروط ملائمة، وأن يمثل في النقابات».

كما تسن الديمقراطيات الحرة معايير صحية وبيئية وقوانين لمحاربة الاحتكار، تُلزم الشركات باحترامها من أجل تجنب الإضرار بالمستهلكين، ما يضمن لمواطني هذه الدول المحظوظين الحصول على خدمات ذات جودة، وصحية، وبسعر مناسب، وصديقة للبيئة.

بعكس دول العالم العربي، حيث تغيب فيها بحسب المراقبين شروط حماية حقوق العمال وحقوق المستهلكين، وإذا ما توافر البعض منها فإنه يظل على الورق بدون فائدة، فتجد العمال يتلقون أجورًا زهيدة، ويشتغلون في ظروف غير لائقة، وبدورهم المستهلكون يحصلون على خدمات ومنتوجات رديئة بسعر مرتفع، وغير مضمونة السلامة.

وذلك بسبب ضعف نشاط النقابات العمالية في هذه البلدان من جهة أولى، ومن جهة أخرى تفتقد هذه الدول لسيادة القانون واستقلالية القضاء، فعادةً ما تكون النخب المالية المالكة لوسائل الإنتاج بها متوغلة في السلطة، أو مقربة منها، وبالتالي يسهل على الشركات التابعة لها انتهاك حقوق العمال والمستهلكين، مستغلة قوة السلطة.

وعندما تتبنى بعض دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية بدون تعزيز حقوق العمال والمستهلكين، فإنها بذلك تجعل حياة الفقراء أكثر بؤسًا، وتترك لمالكي الشركات مراكمة الثروات على حساب جيب وصحة المواطنين، ومجهود العمال.

· الإبداع وكفاءة التعليم

يزداد النظام المالي اليوم تعقيدًا وتخصصًا، ولذلك توظف حكومات الديمقراطيات الحرة أطرًا خبيرة في الاقتصاد لمساعدتهم على تدبير ميزانية الدولة، ومعالجة المشاكل الاقتصادية، من بطالة وتضخم وكساد وفقر، وعادةً ما يكون هؤلاء الخبراء دكاترة في جامعات عالمية مرموقة، وعملوا في مؤسسات بنكية دولية وشركات كبرى، مثل المرشح الرئاسي الفرنسي، مانويل ماكرون، خريج جامعة باريس، الذي سبق له أن عمل في مصرف «روتشيلد » المشهور، قبل أن يصبح وزيرًا للاقتصاد.

من ناحية أخرى، تحتاج الأسواق الحرة إلى اليد العاملة الماهرة والمبدعة، لكي تستطيع الشركة مسايرة للشركات الأخرى المنافسة لها، التي قد تقدم خدمات أفضل بسعر أقل، وبالتالي تسرق منها المستهلكين وتعرضها للإفلاس، ومن ثمة تظهر الحاجة لكفاءة التعليم، وبيئة الإبداع لتوظيف العاملين المهرة، وهو ما تركز عليه دول العالم الأول.

في حين، يعتمد وزراء المالية في الحكومات العربية على قدراتهم الارتجالية في تدبير ميزانية الدولة ومواردها، وحل أزمات قوت المواطن، بل لا يعيرون اهتمامًا لطلب المساعدة من ذوي الاختصاص، باستثناء بعض دول الخليج التي تلجأ إلى توظيف الشركات الأجنبية المتخصصة في الاستشارات المالية.

تفتقد البلدان العربية أيضًا العمالة الماهرة، بسبب ركاكة أنظمة التعليم والتكوين بها، وأيضًا بسبب البيئة السياسية والثقافية غير المشجعة على الإبداع؛ مما يؤدي في الأخير إلى جيوش من المتخرجين غير المناسبين للأسواق التنافسية، التي تتطلب قدرًا من المهارة المهنية، وحس الإبداع.

وبالتالي غدا نمو الاقتصادات الحرة اليوم رهينًا بمدى ديمقراطية الدول وشفافيتها، فكلما ترسخت الديكتاتورية والاضطرابات السياسية، قلت فرص الوصول إلى مجتمع الرفاه والعيش الكريم، والعكس صحيح.

المصادر

Developing ‘free market economies’ in Africa
؟What are the problems with Free Markets
Crash Course Economics
عرض التعليقات
تحميل المزيد