منح الملك محمد السادس خلال الأيام الأخيرة، الضوء الأخضر، للبدء في تحرير صرف الدرهم المغربي، ليعلن مباشرة بنك المغرب أن البلاد ستتجه نحو تحرير العملة

منح الملك محمد السادس خلال الأيام الأخيرة، الضوء الأخضر، للبدء في تحرير صرف الدرهم المغربي، ليعلن مباشرة بنك المغرب أن البلاد ستتجه نحو تحرير العملة تدريجيًّا، خلال الأشهر القادمة، ما أثار نقاشًا محتدمًا حول جدوى هذه الخطوة الهيكلية بالنسبة للاقتصاد المغربي.

ما الذي يعنيه تحرير العملة؟

تحرير العملة أو تحرير سعر الصرف، هو مصطلح اقتصادي يروج في الأوساط المالية، ويعني ترك تحديد قيمة العملة لقاعدة العرض والطلب، بدل سعر الصرف المحدد سلفًا، الذي تفرض الدولة التعامل على أساسه.

ويرتبط صرف العملة غير المحررة بسعر عملة مرجعية أخرى، حيث يساوي الدرهم المغربي عادة 60% من الأورو و40% من الدولار، ومن ثم فانخفاض قيمة الأورو أو ارتفاعها سيؤثر تناسبيًّا في قيمة الدرهم المغربي.

لكن تحرير صرف الدرهم المغربي، سيفك ارتباطه بالعملات المرجعية، ويجعل قيمته تتحدد وفق العرض والطلب في السوق كباقي العملات المحررة.

خلفيات تحرير العملة المغربية

القرار الجديد بتحرير سعر صرف العملة المغربية، لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، التلميح إليه منذ نهاية 2015، حينما صرَّح بأن «المغرب ينوي الاتجاه نحو نظام صرفٍ مرن، وأنه يجري الإعداد للعملية بطريقة متأنية».

وبالفعل استغرق المشروع شهورًا طويلة من التحضير، تخللها عدة لقاءات بين الجانب المغربي وخبراء صندوق النقد الدولي، للتباحث حول طريقة الانتقال من نظام سلة العملات (تحديد العملة وفق العملات المرجعية) إلى نظام صرف مرن. وكان عبد اللطيف الجواهري، قد قام بزيارة إلى واشنطن، للقاء مسؤولين عن كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، معلنًا اتجاه المغرب نحو تحرير الدرهم المغربي.

https://www.youtube.com/watch?v=RHL6mQ47gXc

ويأتي هذا الإجراء الاقتصادي كحلقة من حلقات «الإصلاحات الليبرالية» التي تنادي بها المؤسسات المالية الكبرى، كصندوق النقد الدولي، وتطالب البلدان النامية بتبنيها، وطرحت الفكرة سابقًا في ثمانينات القرن الماضي، ومرة أخرى في التسعينات، في إطار ما كان يسمى «التقويم الهيكلي»، إلا أنها رفضت من قبل السلطات المغربية آنذاك، غير أنه أعيد طرحها في الألفية الجارية، لتقبل مؤخرًا.

وسيعتمد المغرب على الانتقال التدريجي للمرور إلى نظام الصرف المرن، تجنبًا لأي مخاطر متوقعة، حيث ستضع الدولة في المرحلة الأولى، الممتدة طوال النصف الأول من سنة 2017، حدودًا عليا ودنيا لسعر صرف الدرهم، وتتدخل في حالة تجاوزها.

ثم في المرحلة الثانية، التي ستبدأ مع النصف الثاني لسنة 2017، سيدخل المغرب دخولًا كاملًا في نظام تحرير سعر الصرف، حيث سيخضع الدرهم المغربي إلى قانون العرض والطلب، بدل تحديد قيمته سلفًا وفق العملات المرجعية.

كيف سينعكس تحرير صرف العملة على الاقتصاد المغربي؟

يُعد قرار تحرير صرف العملة، من وجهة نظر خبراء الاقتصاد الدوليين، إجراءً ضروريًّا، حيث يجعلها أكثر انفتاحًا وشفافيةً، بحيث تظهر العملات المحلية قيمتها الحقيقية في السوق، وليس القيمة المحددة من قبل البنوك المركزية للدولة؛ مما يجعل الاقتصاد قابلًا للنمو بصورة أكثر واقعية.

كما أن تحرير سعر الصرف يقود عادةً إلى انخفاض العملة المحلية، ومنها انخفاض أثمنة السلع الوطنية؛ مما يزيد الإقبال عليها من المستهلك المحلي من جهة، ويزيد من فرص تصديرها نحو الخارج من جهة أخرى، بالإضافة إلى أن هذا الإجراء يعزز فرص الاستثمار نتيجة رخص العمالة وعمليات الإنتاج والتصدير، كما يغري السائحين الأجانب.

غير أن المسألة ليست بالسهولة التي يمكن تطبيقها بالنسبة للاقتصادات الهشة، غير القادرة على المنافسة، إذ يعمل تحرير سعر الصرف على زيادة الربح على مستوى الصادرات، ويرفع الخسارة على مستوى الواردات، وبالتالي فإن البلدان التي تفتقد القدرات التنافسية على مستوى الإنتاج والتصدير، تتعرض لمخاطر اقتصادية صعبة، الأمر الذي يحتّم دراسة حيثيات الإجراء من كل الجوانب، قبل تنفيذه.

وعلى هذا المقياس، يرى الخبير الاقتصادي المغربي، نجيب أقصبي، أن «استفادة الاقتصاد المغربي من قرار تحرير سعر صرف الدرهم المغربي، رهينة تحسين القدرة الإنتاجية للمغرب، والرفع من قيمة صادراته وتنويعها».

لكن من المعلوم أن الاقتصاد المغربي، ما يزال هشًّا، وغير قادر على منافسة الاقتصادات الأخرى في سوق التجارة الخارجية، بحكم أن البلاد تستورد ضعف ما تصدر؛ مما قد يجعل قرار تحرير العملة ذا أثرٍ عكسي، وهو ما يثير حفيظة مراقبين.

في هذا الصدد، يجيب عن هذا الإشكال والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، بأن المغرب سيتجه تدريجيًّا لنظام الصرف المرن. وبالموازاة مع ذلك، سيتم إعداد المقاولات والفاعلين الاقتصاديين المحليين لمواكبة هذا التحول الاقتصادي الهيكلي، وتعزيز قدراتهم التنافسية، معتبرًا أن المغرب يتوفر على احتياطي كافٍ من العملة الصعبة، يستطيع معالجة المخاطر.

بيد أن هذا التطمين لا يبدو مقنعا بالنسبة للبعض، إذ يرى المالي محمد مرين، أن «اللجوء إلى هذه الخطوة سيساهم في فقدان العديد من الإيجابيات الحالية التي تساعد المغرب على تفادي العديد من التقلبات التي يظل الاقتصاد المغرب في غنى عنها»، محذرا إلى أن هذا الإجراء يؤذن بنهاية قدرة الدولة على التحكم في التضخم و سعر الصرف ذاته.

من جهته، انتقد مركز الحريات والحقوق القرار الاقتصادي الجديد، وقال إنه ينذر بعواقب وخيمة على القدرة الشرائية لعموم المغاربة، الشيء الذي قد يشعل أزمات اجتماعية تهدد السلم الاجتماعي الهش. ما يدفع بعض المراقبين الاقتصاديين إلى مطالبة الدولة المغربية بمواكبة هذه «الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية»، التي تنخرط فيها المملكة، بإصلاحات اجتماعية، تحمي حقوق العمال والمستهلكين، وتوسع مجال التغطية الاجتماعية.

بلدان انتهجت تحرير صرف العملة

اعتمدت البرازيل تحرير عملتها منذ سنة 1999م، حيث انخفضت قيمة الريال البرازيلي حينها انخفاضًا كبيرًا؛ مما أدى إلى ارتفاع السلع المستوردة وزيادة التضخم، ما أثر سلبا على الطبقات الكادحة والمتوسطة، قبل أن يعتدل سعر العملة البرازيلية في 2004، مع الإصلاحات الاقتصادية، التي باشرها الرئيس البرازيلي السابق، لولا دا سيلفا، لتتعزز قدرات البرازيل التنافسية.

واستفادت كل من الصين والهند استفادة كبيرة من نظام الصرف المرن، بفضل الصادرات المرتفعة ورخص منتوجاتها، ما عزز الإقبال عليها خارجيا ومحليا، وجذب الاستثمارات الأجنبية، نتيجة انخفاض سعر العملة الهندية والصينية، ومنه رخص العمالة وعمليات الإنتاج والتصدير بالنسبة للمستثمرين الأجانب.

بينما لا يتوقع أن يعود بنفس الفائدة لمصر، التي اضطرت إلى تحرير سعر الصرف بعد أن عانت من نقص حاد للعملة الصعبة، فيما تحاول كل من تونس والأردن البحث عن آليات جديدة لضبط سعر الصرف.

وتنجح عادة البلدان ذات القدرات التنافسية من حيث الإنتاج والتصدير في الانتقال إلى نظام الصرف المرن، في حين تعاني الاقتصادات الهشة من مخاض عسير، خلال طور انتقالها، خاصة بالنسبة للطبقة الاجتماعية الفقيرة.

عرض التعليقات