أصدرت وحدة التحاليل والأبحاث في صحيفة «الإيكونوميست» البريطانية، مؤشرها العالمي لمحاربة التجارة غير المشروعة لعام 2018، ذلك المؤشر الذي تضمن 84 دولة في العالم، وتذيلته دولتان عربيتان، هما: ليبيا والعراق، نبحث في هذا التقرير عن أسباب وصولهما لذلك الوضع في التجارة غير المشروعة.

معايير المؤشر

ويعتمد المؤشر في تصنيفه وترتيبه للبدان على أربعة معايير رئيسية لقياس بيئة التجارة غير المشروعة في الدولة محل الدراسة، وتتمثل هذه المعايير في: سياسة الحكومة، والعرض والطلب، والشفافية والتجارة، والبيئة الجمركية.

وتحصل كل دولة محل دراسة على درجة من صفر إلى 100 في كل معيار على حدة، على أن تحصل على درجة إجمالية لكافة المعايير تتراوح من صفر إلى 100، وكلما اقتربت الدولة من 100 دلّ ذلك على قوة محاربتها للتجارة غير المشروعة، والعكس صحيح؛ فكلما اقتربت درجة الدولة من الصفر، دلّ ذلك على زيادة تهاونها في التعامل مع التجارة غير المشروعة وما ينتج عنها من آثار سلبية على البلاد.

خريطة المؤشر الذي تذيّلته ليبيا والعراق

وتصدّرت فنلندا المؤشر بحصولها على درجة إجمالية بلغت 85.6، وهي نحو 10 أضعاف الدرجة التي حصلت عليها ليبيا التي استقرت في ذيل ترتيب المؤشر، بدرجة إجمالية بلغت 8.6، بفارق ليس كبيرًا عن العراق الذي حلّ في المركز قبل الأخير بدرجة إجمالية بلغت 14.4.

وتضمن المؤشر خمس بلدان عربية أخرى، فقد احتلت السعودية المركز 50 بدرجة إجمالية بلغت 58.5، تلتها عربيًا تونس في المركز 53، بدرجة إجمالية بلغت 56، ثم الجزائر في المركز 58، بدرجة إجمالية بلغت 51.5، ثم المغرب في المركز 65، بدرجة إجمالية بلغت 48، فيما حلّقت الإمارات بعيدًا عن السرب العربي، بحلولها في المركز 34، بدرجة إجمالية 67.8.

ليبيا تتذيل الترتيب

«أرقام المؤشر تُظهر سبب تذيّل ليبيا له»، ليس غريبًا أن تحل كل من ليبيا والعراق في أسفل الترتيب هكذا أفاد تقرير «الإيكونوميست» مُرجِعًا سبب ذلك إلى التهديدات العالية التي تسببها التجارة غير المشروعة في البلدين، وبلغة الأرقام التي أوردها المؤشر، فقد تذيّلت ليبيا الترتيب بعد حصولها على درجات هزيلة وترتيب سيء في المعايير الأربعة المختلفة التي تضمنها المؤشر.

ففي معيار سياسة الحكومة الذي يتضمن الفساد من بين الجوانب التي يغطيها، حلّت ليبيا في المركز قبل الأخير بدرجة بلغت 10.9، ذلك الترتيب المتدني الذي حصلت عليه ليبيا في معيار سياسة الحكومة كان الأعلى لها من بين المعايير الثلاثة الأخرى، تلك المعايير التي حافظت فيها ليبيا على مركزها في ذيل الترتيب.

ففي معيار العرض والطلب الذي يتضمن من بين الجوانب التي يغطيها: كفاءة مؤسسات الدولية، والتوجهات نحو الجريمة المنظمة، والضرائب احتفظت ليبيا بمركزها في ذيل الترتيب بدرجة بلغت 6.3، في الوقت الذي حلت فيه دولة عربية أخرى هي الإمارات ثالثًا بدرجة 82.

أما معيار الشفافية والتجارة، الذي يتضمن التقارير الدولية بشأن التجارة غير المشروعة للبشر والمخدرات، فقد جاءت ليبيا أخيرًا، بأدنى درجة لها بلغت 1.2، أما معيار البيئة الجمركية، فقد تذيّلت ليبيا الترتيب أيضًا بدرجة بلغت 13.1.

وقود وسلاح ومخدرات وبشر

منذ نجاح الثورة الليبية، في إسقاط معمر القذافي، شهدت ليبيا حالة من عدم الاستقرار، وبالأخص بعد «عملية الكرامة» التي أطلقها خليفة حفتر، في مايو (أيار) 2014، لمواجهة قوات وفصائل داعمة للثورة الليبية. وقد أدت حالة الصراع على الحكم وعدم الاستقرار، إلى ما يمكن تسميته «اقتصاد الحرب».

ذلك الاقتصاد الجديد الذي وجد التربة الخصبة في ليبيا مع ضعف مؤسسات الدولة والصراع العسكري على الحكم، لتشتهر البلاد برواج التجارة غير المشروعة، التي لا تتوقف على السلع المادية فقط من مواد غذائية وسلاح ووقود ومخدرات، وإنما امتدت للاتجار في البشر أنفسهم، وقد عدّد معهد «شاتام هاوس» البريطاني صورًا مختلفة للتجارة غير المشروعة التي نشطت في ليبيا والتي أضعفت البلاد وكلفتها مليارات الدولارات.

ونبدأ بالوقود الذي تتميز فيه ليبيا، وأصبح مستودعًا للتهريب والتجارة غير المشروعة، فبحسب تقارير رسمية ليبية، قد تسلّمت الدولة الليبيية 15% فقط من ضرائب الوقود في الفترة من يناير (كانون الثاني) وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2017. ومع مطلع 2017 أفاد مكتب التحقيقات الخاص بالمدعي العام الليبي، بأن تهريب الوقود كلّف البلاد 5 مليار دينار ليبي (نحو 3.6 مليار دولار)، وعلى مدى خمس سنوات مضت، جرى تهريب نحو 30% من الوقود المدعم، مُكلفًا الدولة الليبية نحو 1.8 مليار دولار سنويًا.

المخدرات التي نضبطها، لا تمثل في أفضل الأحوال إلا 5% من جملة المخدرات التي تُجلب للبلد سواء لتهريبه إلى بلد آخر أو لبيعه أو تعاطيه.

يُلخص هذا الاعتراف من العقيد أبو بكر عطية، مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، الكثير من الحديث عن انتشار تهريب المخدرات في ليبيا، فخبر مثل ضبط أكثر من 18 مليون حبة أفيون، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قد يكون خبرًا جيدًا، ولكن تلك الكمية المضبوطة قد لا تمثل سوى «نقطة في بحر» تهريب المخدرات في ليبيا، من: حشيش، وأفيون، وهيروين، وترامادول.

ونشطت أيضًا تجارة السلاح من ليبيا وإليها، لتصبح ليبيا مركز عبور الأسلحة وتهريبها في المنطقة ومناطق الصراع فيها، من سوريا إلى جنوب السودان مرورًا بمصر، التي تحاول وقف عملية تهريب الأسلحة داخلها، وتدعم مع الإمارات التحركات العسكرية لحفتر.

وانتشرت في ليبيا أيضًا عمليات الخطف مقابل الفدية، تلك العمليات التي اختطف فيها مسلحون مئات الأشخاص، ليطلبوا فدية منهم، وخلال الفترة مثلًا من فبراير (شباط) 2014، وحتى أبريل (نيسان) 2015، أُبلغ عن فقدان أكثر من 600 شخص، وفي عام 2017 اختفى 676 شخص في طرابلس وحدها عاد منهم 100 فقط مع نهاية العام، وتبدو تلك العملية الإجرامية مربحة؛ فقد تلقى مسلحون في عملية خطف؛ فدية قدرها مليوني دينار (نحو 1.4 مليون دولار).

مهاجرون غير شرعيين في ليبيا

وتُعد تجارة الخطف مقابل الفدية، جزءًا من عمليات أضخم من الاتجار بالبشر في ليبيا «الآخذ في الازدياد وسط تواطؤ محتمل لقوات الأمن» وفقًا لتقرير أممي يعود لفبراير (شباط) الماضي، فموقع ليبيا الذي يفصلها عن أوروبا البحر المتوسط، وعدم استقرار الأوضاع هناك جعل منها قبلة للمهاجرين غير الشرعيين الذين تقدر المنظمة الدولية للهجرة أعدادهم في ليبيا بين 700 ألف إلى مليون شخص.

وأصبحت ليبيا نقطة انطلاق للمهاجرين إلى أوروبا، ففي 2012، سلك الطريق الليبي إلى أوروبا نحو 15 ألف مهاجر، ليتضاعف هذا العدد لأكثر من 10 أضعافه في عام 2016، بوصوله إلى أكثر من 163 ألفًا، وهو العام نفسه الذي جلب فيه مهربو البشر نحو 987 مليون دولار، وهو ما يوازي 3.4% من الناتج الإجمالي المحلي في ليبيا لعام 2015، وقد امتد الاتجار بالبشر في ليبيا إلى تجارة العبيد، وبيع الشخص بـسعر يصل لـ200  دولار!

تحسن نسبي للعراق في أرقام المؤشر

أما عن العراق الذي حلّ قبل الأخير، فيعاني أيضًا من انتشار التجارة غير المشروعة، ولكن ليس بنفس الصورة الذي تعاني منها ليبيا، فبلغة الأرقام التي أوردها المؤشر، حصلت العراق على درجات متدنية في المعايير الأربعة المختلفة التي تضمنها المؤشر.

ففي معيار سياسة الحكومة الذي يتضمن الفساد من بين الجوانب التي يغطيها، تذيّل العراق الترتيب بدرجة بلغت 7.5، وهو الترتيب الأدنى الذي حصل عليه العراق بين كافة معايير المؤشر .

ففي معيار العرض والطلب الذي يتضمن من بين الجوانب التي يغطيها: كفاءة مؤسسات الدولية، والتوجهات نحو الجريمة المنظمة، والضرائب فقد حلّ العراق في المركز 82 بدرجة بلغت 8.8.

أما معيار الشفافية والتجارة، الذي يتضمن التقارير الدولية بشأن التجارة غير المشروعة للبشر والمخدرات، من بين الجوانب الذي يغطيها، فقد حلّ العراق في المركز 73، بأعلى درجة له بلغت 30.4، أما معيار البيئة الجمركية، فقد جاءت العراق في المركز قبل الأخير، بدرجة بلغت 15.8.

وتظهر الأرقام سالفة الذكر اختلافًا ملحوظًا بين وضع التجارة غير المشروعة في ليبيا ونظيره في العراق، فالعراق أفضل نسبيًّا في مواجهة التجارة غير المشروعة، وبالأخص في معيار الشفافية والتجارة، وقد أدى عدم استقرار الوضع في العراق والحرب ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وما صاحبه من نزاعات طائفية وانتهاكات ضد المدنيين إلى رواج التجارة غير المشروعة، وبالأخص في السلعة الأكثر خطورة على الحجر وحياة البشر المتمثلة في السلاح، والتي أدت -بشكل مباشر وغير مباشر- إلى فقدان الكثير من الأرواح، والحاجة إلى ما يقرب من 100 مليار دولار، لإعادة إعمار البلاد بعد الحرب التي أججتها التجارة غير المشروعة للسلاح.

تعتبر التشكيلة الواسعة والمتنوعة للأسلحة التي يستخدمها تنظيم «داعش» حالة نموذجية تترجم تبعات الاستهتار في تجارة السلاح بشكلٍ يؤجج ارتكاب الفظائع على نطاق واسع جدًا.

هكذا يقول باتريك ويلكن، الباحث في شؤون مراقبة تجارة الأسلحة والأمن وحقوق الإنسان بمنظمة «العفو الدولية»، موضحًا: «أدى التنظيم السيء وغياب الرقابة على تدفق شحنات السلاح الضخمة إلى العراق على مدار عقود من الزمن إلى منح تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات المسلحة فرصة غير مسبوقة في الدخول إلى كنزٍ من قوة السلاح»، جاءت تصريحات ويلكن في تقرير لـ«منظمة العفو الدولية» يعود لنهاية عام 2015، ذلك العام الذي نشط فيه داعش في العراق بقوة؛ وحصل بحسب توثيق التقرير، على أسلحة وذخائر من ما لا يقل عن 25 بلدًا في العالم!

الأسلحة التي حصل عليها داعش قوّته، وأطالت من أمد الحرب ضده، لنحو ثلاث سنوات ونصف، قبل أن تعلن حكومة العراق انتهائها في نهاية 2017، بعدما بدأت في منتصف 2014، ليدفع العراق ثمنًا باهظًا، ليس فقط من حيث الخسائر البشرية بمقتل وإصابة عشرات الآلاف، ونزوح ما لا يقل عن 3.2 مليون نسمة، وإنما أيضًا في حجم الخسائر المادية؛ إذ أفاد رئيس الوزراء العراقي حينها حيدر العبادي، بأن كلفة التدمير الاقتصادي والبنى التحتية التي سببها احتلال داعش لعدد من المدن العراقية، قد تضاعفت إلى أكثر من 100 مليار دولار، وبذلك تتعقد جهود إعادة الإعمار.

رئيس وزراء العراق السابق حيدر العبادي

وبعد سقوط داعش في العراق، استمرت التجارة غير المشروعة للأسلحة داخليًا وعبر الحدود، واستفادت قوات «الحشد الشعبي» الشيعية من تلك التجارة، بشكل أدى لتقوية تلك المليشيات وتسليحها، مما دفع بحسب تقرير «منظمة العفو الدولية» عن العراق لعام 2017-2018، إلى المزيد من تقويض الأمن، مع الانتهاكات التي اعتادت أن تمارسها تلك المليشيات المُسلحة ضد المدنيين وبالأخص السُنة منهم، في المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة تنظيم «داعش»، ولا تزال مافيا تجارة السلاح قائمة في العراق خلال العام الحالي، لتتاجر بالأسلحة التي كان يمتلكها «داعش».

ويُعزز وضع التجارة غير المشروعة في ليبيا والعراق، خطورة ظاهرة التجارة غير المشروعة، الذي أكدها جيفري هاردي المدير العام للوحدة البحثية التي أصدرت المؤشر، عندما قال إن « التجارة غير المشروعة لا تؤذي المستهلكين فقط وتُضيع على الدولة مصاريف الضرائب، بل إنها تهدد أمن الدولة من خلال دعم التنظيمات والمجموعات الإرهابية؛ لذلك يجب على الحكومات والقطاع الخاص العمل معًا من أجل محاربة الظاهرة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد