لماذا يجب أن تُوضع المصالحة النفسية في الاعتبار عند البدء في الحديث عن إعادة الإعمار والفترات الانتقالية في البلدان المنكوبة؟

يحذر المختصون من حدوث أزمة صحة نفسية في ليبيا، بسبب ما عاناه الشعب الليبي، من جراء سنوات من الصراع السياسي والحرب الأهلية في هذا البلد، التي خلفت إرثا ثقيلًا من الصدمات النفسية على المدنيين.

وعلى غرار الفقر وانعدام الأمن، اللذين يعششان في جل أفريقيا، يعتقد الباحثون أن هناك معضلة أخرى منسية تعانيها البلدان الأفريقية التي تشهد نزاعات مسلحة، وهي الصدمات النفسية الجماعية التي تصيبهم نتيجة الإجهاد النفسي من فرط الظروف المؤلمة، ويحثون المجتمع الدولي على إيلاء مزيد من الاهتمام بالصحة النفسية للمجتمعات المنكوبة بالحروب، لما لها من دور في الاستقرار والتنمية.

الحرب ومن ثم كورونا.. صحة الليبيين النفسية في خطر

تعاني ليبيا منذ سنة 2011، اضطرابات سياسية واشتباكات مسلحة وأعمال خطف واغتيال واغتصابات تقوم بها الميليشيات، وسط غياب حكومة مركزية وخدمات عمومية يُعول عليها، مما نتج منه آلاف القتلى والجرحى، ونزوح 370 ألف ليبي داخليًّا وفق إحصاءات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ونتيجة لكل تلك الأهوال التي عاشها الليبيون، باتت تطفو مشكلة أخرى في ليبيا، لا تقل ضراوة عن معضلة الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وهي تتعلق بالصحة النفسية.

ليبيا داعش

فقد كشفت منظمة الصحة العالمية (WHO) عن أن واحدًا من كل سبعة ليبيين، (أي ما يقرب مليون شخص)، بحاجة إلى خدمات الصحة العقلية لمعالجة حالات مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، بفعل الأزمات السياسية والأمنية المتواصلة، والتي عززها ظهور وباء كوفيد-19 أيضًا، مشيرة إلى أن حالات الصحة العقلية بين السكان تزيد إلى الضعف عندما يحدث نزاع مسلح.

وبالرغم من نقص البيانات المدققة لأوضاع الصحة النفسية في ليبيا، بسبب الافتقار إلى البحوث الممولة وغياب الظروف المواتية للبحث في ظل الحرب؛ فإن الخبراء يعتقدون، بناء على المؤشرات الأولية، أن الصراع المسلح بعد عقود من الديكتاتورية الفوضوية كان مدمرًا للصحة العقلية المدنية في ليبيا.

فقد أظهرت نتائج دراسة أُجريت منتصف هذا العام على طلاب كليات الطب من 15 كلية في ليبيا، أن قرابة 64.5% من الطلاب لديهم درجات مختلفة من القلق، وأن 21.6% منهم لديه أعراض اكتئاب معتدلة إلى شديدة، فيما كان التفكير الانتحاري حاضرًا لدى 22.7% من العينة المدروسة. لتسلط هذه النتائج الضوء على الظروف النفسية للطلاب الليبيين، خاصة في ظل البيئة المجهدة الحالية للحرب الأهلية وتفشي جائحة كورونا.

وكانت دراسة في 2017، قد وجدت حوالي  12.4% من الانتشار الحاد لاضطراب ما بعد الصدمة وسط الليبيين، أي ما يقدر بـ123 ألف حالة، وقرابة 20% من الانتشار للاكتئاب الشديد أي حوالي 228 ألف شخص.

الحرب المزمنة و«إرث» الصدمات النفسية

حصدت الحرب الدائرة في ليبيا آلاف الأرواح، وتسببت في تفكك المجتمع وتشتت اللحمة الوطنية لليبيا، وعلى إثر كل الخراب الذي خلفه الصراع، لم تسلم مختلف فئات المجتمع الليبي من عواقبه النفسية الوخيمة، والتي لم تتبين آثارها النهائية بعد، وبشكل خاص الأطفال، الذين هم عرضة للصدمات النفسية والكوابيس وسط دوامة الأحداث الدموية، كما يُظهر تقرير لجنة الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان.

علوم

منذ 11 شهر
متى بدأت الحرب؟ هذا ما يقوله العلم عن بدايتها وأسبابها الأولى

وتحدث الصدمة النفسية عندما يتعرض الفرد لحدث ساحق يحطمه عاطفيًّا ونفسيًّا، ويشعره بالعجز التام في مواجهة الخطر الذي لا يطاق، مما يجعل الفرد يبلور سلوكًا نفسيًّا متسمًا بالعدوانية الغريزية أو الانسحاب الاكتئابي، بوصفه ميكانيزم من أجل التكيف مع الواقع المرعب، وعندما تصبح الصدمة جماعية قد تتحول إلى نمط نفسي ثقافي شائع بين أفراد المجتمع ما لم تُعالَج.

لكن هناك مطبات ثقافية ولوجستية تصعب عملية الشفاء في ليبيا؛ إذ غالبًا ما يُنظر إلى مشكلات الصحة العقلية الناتجة من الحروب في القارة الأفريقية عمومًا، على أنها «قلق أو سحر مزعج» غير مناسب للعلاج بالطب الغربي، وفي معظم الأحيان يتوجه الناس إلى المعالجين التقليديين والدينيين. فضلًا عن غياب البنية التحتية للصحة النفسية من أطر مختصة ومصحات؛ إذ لا يوجد سوى متخصص صحة نفسية واحد لكل 300 ألف شخص في ليبيا.

أما من الناحية السياسية، فلا يلتفت الساسة في صراعهم على السلطة، إلى الصحة النفسية للمواطنين؛ لذلك لا نراها قضية مطروحة في مفاوضاتهم الماراثونية وأجنداتهم السياسية؛ مما يقلل فرص الشفاء للمجتمع.

وبينما كان الاهتمام العالمي في العقود القليلة الماضية يركز فيما يخص أفريقيا على الأمراض الوبائية، أصبح الوعي الدولي يتزايد حول عواقب الصحة العقلية للحرب والنزوح في أفريقيا عمومًا، ومساهمة ذلك بشكل كبير في إبعاد القارة عن تحقيق أهداف التنمية الألفية.

وفي هذا الاتجاه، تسير منظمة الصحة العالمية؛ إذ تعهدت بإطلاق مشروع على مدار عامين لتعزيز الصحة النفسية في ليبيا، كما فعلت في عدة بلدان أفريقية شهدت حروبًا أهلية.

أهمية برامج المصالحة النفسية.. رواندا نموذجًا

تؤدي الحروب المزمنة إلى صدمات جماعية في نفسية المجتمعات التي تعايشها، تتسبب في معدلات عالية من اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب بين البالغين والأطفال، واعتلال شامل للصحة العامة، وما يترتب على ذلك من نقص الإنتاجية، وتزايد مخاطر اندلاع العنف في المجتمع. مما يجعل برامج «المصالحة النفسية» لبنة جوهرية في بناء مستقبل المجتمعات التي عانت حروبًا أهلية.

وتبرز أهمية برامج «المصالحة النفسية» للمجتمعات التي عانت حروبًا أهلية، ليس فقط في شفاء ذوي الاضطرابات العقلية، بل تكمن أهميتها أيضًا للمجتمع في العبور إلى السلام، إذ إن برامج معالجة الصدمات والأزمات العنيفة قد تعيد الثقة إلى المجتمع، وتقلل الميول إلى العنف، وتعزز التماسك الاجتماعي، وهو ما يصب في بناء استقرار البلد.

وفي هذا الشأن، تُعد رواندا التي عانت حربًا أهلية نموذجًا لدور مشروعات الصحة النفسية العامة في بناء مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، التي حصدت مليون إنسان. إذ أطلقت المنظمات الدولية برامج مكثفة لمعالجة الجراح العميقة بين الروانديين، وكان لذلك نتائج إيجابية في إرجاع الثقة للروانديين بأنفسهم وإشاعة الصلح والسلم المجتمعي.

فعلى سبيل المثال، ساعدت هذه البرامج في انخفاض بنسبة 66% في عدد الأشخاص الذين يفكرون في الانتحار، وتراجع عدد المكتئبين بمقدار النصف، فيما البقية التي لم تتماثل للشفاء بشكل تام عرف نصفها تحسنًا واضحًا.

وبفعل ذلك بدت مستويات الثقة بين المشاركين والمجتمع في تحسن كبير، وأصبح المعنيون أكثر جاهزية للمشاركة الاجتماعية والتفاعل والانخراط في الحياة اليومية بشكل إيجابي، ما يخدم مصلحة المجتمع. وحاليًا تعيش رواندا نهضة تنموية وديمقراطية واعدة في القارة الأفريقية، من شأنها أن تمثل تجربة عملية لليبيا من أجل الانتقال من الفوضى إلى الحرية والسلام.

ومن ثم باتت برامج شفاء الصدمات النفسية جزءًا حيويًّا من صندوق «أدوات بناء السلام المدني لدعم المصالحة» للدول التي شهدت نزاعات مسلحة؛ إذ تساهم بشكل غير مباشر في التماسك الاجتماعي وتقليل احتمالية اللجوء للعنف، وذلك عن طريق شفاء الأفراد من صدماتهم وزيادة مرونتهم النفسية، من خلال معالجة الجروح وزرع الأمل والتسامح الاجتماعي.

غير أنها وحدها لن تكون حلًّا لبناء السلام، في غياب العدالة الاجتماعية والكرامة، إذ عاجلًا أم آجلًا ستكبر مظالم الإقصاء والتهميش والظلم، مما يولد العنف في نهاية المطاف. لذلك يوصي المراقبون بمشروعات الصحة النفسية في الفترة الانتقالية، لكن إلى جانب العدالة الاجتماعية مع مراعاة حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي الرشيد.

عربي

منذ سنة واحدة
مترجم: كيف ستبدو الحروب في المستقبل؟ انظر إلى ليبيا

المصادر

تحميل المزيد