«من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس؛ 

خضنا معارك بلادنا في الجو والبحر والبر»

هذا هو مطلع النشيد الرسميّ لقوات مشاة بحرية الولايات المتحدة، وأقدم أغنية رسمية في تاريخ القوات المسلحة الأمريكية؛ بحسب الموقع الرسمي لقوات مشاة البحرية الأمريكية.

فما هي المناسبة التاريخية التي جعلت جنود المارينز الأمريكيين يتغنون حتى اليوم بـ«شواطئ طرابلس»؟

هذا الشطر تحديدًا، «إلى شواطئ طرابلس»، هو رَجْعُ صَدَى «حرب طرابلس الأولى» التي استمرت ما بين عامَي 1801 و1805، وخاصةً «معركة درنة» في عام 1805، تلك المواجهات البحرية التي وقعت قبل ثلاثة أرباع قرن من اعتماد النشيد رسميًا عام 1929.

«حرب طرابلس».. أول حرب أمريكية ضد دول شمال أفريقيا

تشتهر «حرب طرابلس» بعدة أسماء أخرى، أبرزها: «الحرب البربرية الأولى» – وهما الاسمان المعتمدان في مكتبة الكونجرس وإدارة الأرشيف والوثائق الوطنية – و«حرب الساحل البربري» (اسم ساحل شمال أفريقيا الغربي في الخرائط القديمة)، و«الحرب الأمازيغية / البربرية – الأمريكية الأولى» (نسبة إلى السكان الأصليين من الأمازيغ / البربر).

حرب طرابلس الأولى، المصدر: كتاب «المعارك والحملات الأمريكية».

وهي أولى حربين خاضتهما الولايات المتحدة – بعد استقلالها – ضد دول شمال أفريقيا التي كانت معروفة آنذاك باسم «الدول البربرية» في الثقافة الغربية، المكونة من: سلطنة المغرب المستقلة، وثلاث ولايات مستقلة اسميًا، لكنها كانت تابعة فعليًا للخلافة العثمانية، هي الجزائر، وتونس، وطرابلس. 

لكن قبل أن نروي حكاية الحرب، ونعرف ماذا أشعل فتيلها، وما هي وقائعها، وكيف وضعت أوزارها، نحتاج أولًا إلى التعرُّف على الأوضاع في المنطقة والعالم، خاصة ما كان يجري في عرض البحر الأبيض المتوسط.

يوم كانت أوروبا تدفع الأموال مقابل الحماية العثمانية

في تلك الآونة كانت الدول الأوروبية تدفع رسومًا للأساطيل العثمانية مقابل حماية سفنها التجارية من القراصنة الذين يجوبون البحر المتوسط؛ فكانت بريطانيا ترسل إلى العثمانيين أدوات حربية وآلات تبلغ قيمتها 600 جنيه إسترليني، وكذلك الدنمارك كانت ترسل أدوات حربية وآلات قيمتها 4 آلاف ريال سنويًا مصحوبة بالهدايا النفيسة، وكانت هولندا تدفع 600 جنيه، ومملكة صقلية 4 آلاف ريال، ومملكة سردينيا 6 آلاف جنيه. 

وللحصول على الحماية العثمانية نفسها، كانت مدينتا هانوفر وبرن الألمانيتان تدفعان 600 جنيه، فيما كانت فرنسا، وإسبانيا، والبرتغال، ترسل هدايا ثمينة إلى الخزانة العثمانية، وتبعث السويد والنرويج بآلات وذخائر بحرية بمبالغ كبيرة، أما الولايات المتحدة فكانت ترسل آلات ومهمات حربية تبلغ قيمتها 4 آلاف ريال مصحوبةً بـ10 آلاف ريال نقدًا إلى جانب هدايا قيّمة، وبحلول عام 1799 بلغت الرسوم السنوية التي تدفعها أمريكا 18 ألف دولار

الرسوم التي كانت الدول الغربية تدفعها للخزانة العثمانية مقابل حماية سفنها التجارية من القراصنة في البحر المتوسط 
بريطانيا  600 جنيه إسترليني
الدنمارك 4 آلاف ريال (آلات حربية) + هدايا 
هولندا 600 جنيه 
مملكة صقلية  4 آلاف ريال
مملكة سردينيا  6 آلاف جنيه 
هانوفر وبرن – ألمانيا 600 جنيه 
فرنسا – إسبانيا – البرتغال هدايا ثمينة
السويد والنرويج  آلات وذخائر بحرية بمبالغ كبيرة
الولايات المتحدة 18 ألف دولار 

 

بعد الاستقلال عن إنجلترا.. أمريكا تتطاول لترسيخ هيبتها في المتوسط

بعد الاستقلال عن إنجلترا عام 1776، بدأت السفن الأمريكية ترفع أعلامها أول مرة سنة 1783؛ ما أوقعها في مواجهةٍ مع البحارة الأتراك، ولأنها لم تكن تستطيع استرداد سفنها بالقوة؛ اضطرت إلى عقد صلح في عام 1795، ووقع الرئيس جورج واشنطن معاهدة مع باشا الجزائر بكلر حسن التركي. 

حين تولى توماس جيفرسون الرئاسة في عام 1801 ورث علاقة متوترة مع الدول شمال أفريقيا، فأرسل أفضل قواته إلى البحر الأبيض المتوسط بصحبة الفرقاطة فيلادلفيا، بقيادة الأميرال ريتشارد ديل، أحد أبطال حرب الاستقلال، ذي الخبرة الواسعة في فنون القتال البحري، في محاولة لتعزيز الهيبة الأمريكية. 

ويُذكَر أن جيفرسون قال في مكتبه الرئاسي: «سوف نلقن هذا التركي الأبله (يقصد يوسف باشا القرمانلي حاكم طرابلس) درسًا لن ينساه في فنون القتال، وسنجعله نصرًا مدويًا ندشن به حقبة جديدة لأسطولنا، وتواجدنا العسكري في أكثر مناطق العالم حيوية؛ وبذلك أيها السادة نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحن بناء الإمبراطورية الأمريكية».

وبدأت الحرب.. من كسر علم الأمريكي إلى أسر الفرقاطة فيلادلفيا

في ذلك العام طلب حاكم طرابلس من الرئيس الأمريكي زيادة الرسوم التي تدفعها الولايات المتحدة إلى 255 ألف دولار، لكن جيفرسون تجاهل هذا المطلب، فأمر يوسف باشا جنوده يوم 14 مايو (أيار) 1801 بتحطيم سارية العلم الأمريكي القائمة أمام القنصلية الأمريكية في طرابلس، ليقطع بذلك العلاقات الدبلوماسية، ويعلن الحرب على الولايات المتحدة في البحر المتوسط. 

في غضون شهر واحد كانت سفينتان حربيتان أمريكيتان، ترافقهما الفرقاطتان برزيدنت وفيلادلفيا، متجهتين إلى المتوسط، ثم انضمت إليهما سفن أخرى فيما بعد. 

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام التالي سن الكونجرس قانونًا يقضي بحماية التجارة الأمريكية وبحارة الولايات المتحدة، وبحلول عام 1903 أصدر الرئيس جيفرسون أوامره لأسطوله بقيادة إدوارد بريبل بفرض الحصار على ميناء طرابلس، وقصف المدينة بالمدافع.

في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام تمكنت البحرية الليبية من أسر الفرقاطة الأمريكية فيلادلفيا، وأبحر بها البحارة الليبيون وعلى متنها 308 من البحارة الأمريكيين الذين استسلموا جميعًا، وعلى رأسهم النقيب ويليام بينبريدج. 

صحيحٌ أن الفرقاطة كانت لا تستطيع الإبحار بعد اصطدامها بالشعاب المرجانية، لكنها رست في الميناء كبطارية عائمة، كما كانت قابلة للإصلاح، وحينها ستصبح أقوى قطعة بحرية في أسطول الليبيين، ولذلك كانت أولوية القائد بريبل تدميرها إن لم يتمكن من استردادها. 

لوحة تظهر ديكاتور على متن الفرقاطة فيلادلفيا. المصدر: موقع http://leadr.msu.edu 

وبالفعل حين عجز الأمريكيون عن استرداد فرقاطتهم طيلة أشهر، تسللت فرقة متخفية بقيادة الملازم ستيفن ديكاتور في 16 فبراير (شباط) 1804 ونسفوا الفرقاطة كيلا تبقى غنيمة في أيدي الليبيين. 

لوحة تظهر لحظة احتراق الفرقاطة فيلادلفيا. المصدر: موقع http://leadr.msu.edu

هذه العملية التي وصفها اللواء البحري البريطاني اللورد هوراشيو نيلسون الغارة بأنها «العمل الأكثر جرأة» في ذلك العصر، ظلت علامةً فارقة في تاريخ البحرية الأمريكية، كما يتضح من كلمات النشيد المشار إليه في بداية التقرير.

درنة.. أول مدينة تحتلها الولايات المتحدة بعد الاستقلال

حين فشلت أمريكا في الحرب البحرية، لم يبقَ أمامها سوى أحمد باشا القرمانلي شقيق حاكم طرابلس، والتي كانت تحاول استمالته منذ بداية الحصار عن طريق قنصلها في تونس. 

وكان أحمد باشا المقيم في مصر يعتقد أنه أحق بالعرش من أخيه الأصغر، وهو ما وافق مصالح الأمريكيين الذين أقنعوه بقدرتهم على تحقيق حلمه إن هو ساعدهم على التخلُّص من أخيه. 

كان أحمد باشا مترددًا، لكن سرعان ما جهزت أمريكا أول فرقة مشاة بحرية بقيادة ويليام إيتون لمهاجمة شرق ليبيا، واستطاع هلاء الجنود غزو مدينة درنة – بالرغم من مقاومة الليبيين وقوات الباشا من النكشارية – لتصبح أول قطعة أرض تحتلها الولايات المتحدة

هذه المعركة التي يتغَنَّى بها مشاة البحرية الأمريكية في نشيدهم الرسميّ، ومجَّدها المؤلف تشيب ريد في 376 صفحة هي عدد صفحات كتابه الذي يحمل عنوان: «إلى أسوار درنة.. ويليام إيتون وانقلاب طرابلس ونهاية الحرب البربرية الأولى». 

يركز المؤلف على السوابق التاريخية التي رسختها هذه المعركة؛ لكونها «أول حربٍ تخوضها أمريكا في الخارج»، توِّجَت برفع العلم الأمريكي «لأول مرة على الإطلاق» فوق أرضٍ أجنبية، وإن استعان والي طرابلس بقوات من المغرب، والجزائر، وتونس، وكبدوا أمريكا هزيمة ثانية برًا بعدما تكبدت هزيمتها الأولى بحرًا.

يلفت تشيب ريد إلى أن جيفرسون استعان في هذه الحرب بـ«أقوى سرب بحريّ أمريكي» لإسقاط حاكم طرابلس يوسف باشا القرمانلي، لتنصيب شقيقه «المؤيد لأمريكا» بدلًا عنه، وكانت هذه «المرة الأولى» التي حاولت فيها الولايات المتحدة «تغيير النظام» في بلد آخر. 

اللافت في هذا الكتاب أيضًا أنه يعتمد على مصادر ليبية لرسم صورة دقيقة ليوسف باشا القرمانلي، الذي يعترف المؤلف بأنه على الرغم من عيوبه من وجهة النظر الأمريكية كان «شخصية رائعة، ومقاتلًا شجاعًا» ويعدُّه «من بين أوائل القوميين العرب»، وهي الرواية التي تتناقض مع صورة الحاكم «الغاشم الطائش» التي رسمها المؤرخون الغربيون للباشا.

اتفاقية طرابلس.. أمريكا تدفع الثمن بملايين الدولارات الذهبية 

في هذه الأثناء كان الأسرى الأمريكيين لا يزالون في قبضة الليبيين، وضغوط الكونجرس بدأت تتزايد على جيفرسون لإنهاء الحرب، ومع تفاقم المشكلات السياسية والعسكرية واللوجستية، اضطرت الولايات المتحدة إلى التفاوض. 

في نهاية المطاف، وقعت الولايات المتحدة يوم 10 يونيو (حزيران) 1805، اتفاقية طرابلس التي اشترط فيها يوسف باشا أن تدفع أمريكا غرامات مالية تقدر بـ3 ملايين دولار ذهبًا (يصفها الموقع الرسمي للحكومة الأمريكية بأنها فدية مقابل إطلاق الأمريكيين المحتجزين في طرابلس) وضريبة سنوية تقدر بـ20 ألف دولار. 

عامًا بعد عام، ظلت أمريكا تدفع هذه الضريبة السنوية مقابل حماية الأسطول العثماني لسفنها في البحر المتوسط، حتى توقفت عن الدفع في 1812، وهو العام الذي نشبت فيه الحرب بين الولايات المتحدة من جهة، والمملكة المتحدة وأيرلندا ومستعمراتها في أمريكا الشمالية من جهة أخرى.

ومن المفارقات أن الأمريكيين يحتفون بهذه الحرب – أو ببعض محطاتها إن أردنا الدقة كعملية فيلادلفيا ومعركة درنة – على اعتبار أنها رسخت في الأذهان أن السفن الأمريكية التي تُبحِر في المتوسط لم تعد لقمة سائغة (كما ورد في معظم المصادر الأمريكية التي استند إليها هذا التقرير)، لكن في المقابل يحتفي بها الأتراك حتى اليوم باعتبارها شاهدة على هزيمة الخلافة العثمانية للأمريكيين وإذلالهم في أول حرب لهم خارج حدود بلادهم بعدما رفضوا دفع «الجزية» للحاكم العثماني في طرابلس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد