2,604

انتزع العسكري الليبي «خليفة حفتر» منطقة الهلال النفطي الواقعة شرقي ليبيا، بعد معركة قصيرة جرت في 12 سبتمبر (أيلول) الجاري، دُعمت بشكل سري، بالأسلحة الإماراتية والروسية والمصرية المُهربة إلى ليبيا خلال الشهور الماضية.

وبالرغم من أن المعركة لم تكن حامية الوطيس عسكريًا، إلا أن تداعياتها السياسة والاقتصادية قد تكون كبيرة على ليبيا؛ فربما يتمخض عنها تغيّر في الخارطة السياسية للبلد، خاصة وأن حكومة الوفاق الوطني التي تحاول أن تلتقط أنفاسها بعد معركتها الأخيرة في مجابهة «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، تواجه قوى دولية تدعم حفتر؛ بهدف تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية على الساحة الليبية.

السيطرة على الهلال النفطي

بسطت قوات خليفة حفتر، سيطرتها الكاملة على أهم موانئ النفط الواقعة شرقي ليبيا، والتي تعرف باسم منطقة الهلال النفطي.وتمكن من ذلك بعد خوض قواته معارك محدودة، مع جهاز حرس المنشآت النفطية التابع لحكومة الوفاق الليبية.

تقع الموانئ الأربع النفطية وهي «الزويتينة، والبريقة، وراس لانوف، والسدرة» بين مدينتي «بنغازي وسرت»، ويُشكل الإنتاج النفطي لهذه الموانئ، نحو 60% من صادرات ليبيا إلى الخارج، وبذلك يصبح حفتر المسيطر على أغلب النفط الليبي في واقع جديد فرض على ليبيا.

وانتزع حفتر – الذي يسيطر على أجزاء من مدينة بنغازي – هذه المدن من قائد حرس المنشآت النفطية «إبراهيم الجضران»، الذي مولته حكومة الوفاق لإعادة فتح الموانئ النفطية.

ويُعرف الجضران كشخص مبتز، لم يعترف بحكومة الوفاق الوطني الليبية، إلا بعد حصوله على مقابل مالي كبير، واستمر بالسماح للمليشيات المسلحة بابتزاز الحكومة، كما أنه جاءت سيطرة حفتر على هذه المواني في وقت كان يبدو أنه يعيق توسع حفتر نحو الشرق في خليج السدرة.

يذكر أن معدلات الإنتاج النفطي  وصلت قبل ثورة 2011 والإطاحة بالقذافي إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، إذ تعتبر ليبيا منطقة نفطية لها خصوصيتها بسبب انخفاض تكاليف إنتاج النفط التي قد تصل حتى دولار للبرميل في بعض الحقول، وأيضًا لقربها من الأسواق الأوروبية التي يصدر لها  85% من النفط الليبي، وتمتلك ليبيا  أكبر مخزون للنفط في إفريقيا، وتعتمد على إيراداته في تمويل أكثر من 95% من خزانة الدولة، وتمول منها بشكل رئيس «رواتب الموظفين الحكوميين، ونفقات دعم السلع الأساسية والوقود، وكذلك عدد من الخدمات الرئيسة مثل العلاج المجاني في المستشفيات».

ويعاني قطاع النفط في ليبيا بسبب النزاعات المستمرة، مع وجود حكومتين وبرلمانيين وجيشين متنافسين في طرابلس غربا، ومدينتي طبرق والبيضاء شرقًا، يتولى فيها الآن حكومة الوفاق الوطني، التي كانت نتاج اتفاق ليبي وقع في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2015، انبثقت، إلا أنها لا تزال تواجه رفضًا من الحكومة والبرلمان اللذين يعملان شرقي البلاد.

ودعت هذه الحكومة، في بيان لها، بعد سيطرة حفتر على الهلال النفطي، «الدول الصديقة والشقيقة للتدخل للمساعدة لحل الخلاف بالطرق السلمية تحقيقًا لروح الوفاق»، حسبما قال، وبالرغم من ذلك تمثلت ردة فعل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا إلى إدانة ما اعتبرته «هجمات»على الموانئ، وجاء في بيان مشترك، جاء فيه «ندعو كل القوات العسكرية التي دخلت الهلال النفطي إلى الانسحاب على الفور ودون شروط مسبقة«، مؤكدة عزمها على تنفيذ قرار سابق لمجلس الأمن الدولي يهدف إلى منع ما وصفتها بأنها صادرات نفط «غير مشروعة».

تداعيات سيطرة حفتر على مدن النفط

اكتسبت حكومة الوفاق الليبية، برئاسة فائز السراج، شرعية شعبية ودعم دُولي، بعد أن استطاعت دحر تنظيم الدولة الإسلاميةفي مدينة سرت، وبينما كانت قوات هذه الحكومة تحسم معركتها تلك كانت قوات حفتر تراقب المشهد دون أي تدخل، إذ آثرت التوجه إلى معركة أخرى، هناك عند «الهلال النفطي» الذي يضم جل المدن النفطية الليبية، وبالفعل تمكنت من السيطرة على هذه المنطقة كما أسلفنا.

سياسيًا، قد تحطم هذه السيطرة، الحلم الليبي بتأسيس دولة موحدة ومستقرة، فرغم تأكيد السراج في بيان رسمي، على أنه يرفض الدخول في قتال مع قوات حفتر شرقي ليبيا، إلا أن هذا الواقع جعل حفتر في موقف إملاء الشروط فيما يخص مستقبل ليبياعند التفاوض مع حكومة الوفاق الليبية وحلفائها، بعد أن فرض حضوره السياسي، هذا الحضور الذي سبقه ترقيته من قبل رئيس البرلمان الليبي «عقيلة صالح» إلى رتبة مشير غداة سيطرته على موانئ تصدير النفط.

ويرى المراقبون أن ليبيا قد تشهد ولادة خارطة سياسية جديدة للتمثيل السياسي، يكون فيها حفتر قوى رئيسة، ومع صعوبة التعايش بين الغرب والشرق الليبي تسير الأمور نحو ترجيح سيناريو العودة إلى المربع الأول، وهو التفاوض على تقاسم السلطة بين الشرق والغرب، وهنا سيكون لحفتر مطالبه الخاصة بتولي سلطة سياسية وعسكرية ومالية مهمة في الساحة الليبية، أما الخيار الآخر فهو استمرار الصراع من دون نجاح أي طرف في إنهائه لصالحه.

اقتصاديًا، تعني سيطرة حفتر على الهلال النفطي حرمان حكومة الوفاق الوطني من أهم مواردها المالية، وإفشال مخططها في إعادة إطلاق قطاع النفط عبر استئناف التصدير من الموانئ، فقبل أن تتمكن هذه الحكومة من  تصدير أول شحنة نفط خام لها منذ ديسمبر 2014 بعد إصلاح المواني وتعويض  معدلات الإنتاج النفطي التي تراجع إلى 200 ألف برميل يوميا بسبب النزاعات سيطر حفتر على هذه المواني، كما أن المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا التي من المفترض أنتعمل وفق قرارات الأمم المتحدة التي تمنع بيع أي حمولة نفطية لا تحمل تأشيرة حكومة الوفاق، أعربت عن مساندتها لقوات حفتر التي يطلق عليها مجلس النواب اسم «الجيش الوطني الليبي».

يقول الخبير في الشؤون الليبية رياض الصيداوي «بسيطرتها على عدد مهم من الموانئ النفطية سيكون لديهم مصدر مهم للموارد المالية، وبالتالي ستتم عملية توزيع جديدة للسلطة في البلاد، وهذه المرة ليس بمعزل عن حكومة طبرق التي تقول إنها موجودة في المنطقة الشرقية النفطية »، ويضيف «حكومة الوفاق الوطني، التي تسلمت رسميًا مقاليد السلطة في مارس(آذار) الماضي، لا تمثل ميدانيًا جميع الليبيين، وهذه الرسالة تريد الحكومة الموازية والقوات الموالية لها بقيادة خليفة حفتر إيصالها حتى يتم إطلاق مفاوضات جديدة تفضي إلى توازنات جديدة تأخذ بعين الاعتبار كافة القوى المشكلة للمشهد السياسي الليبي الشديد التعقيد».

الإمارات ومصر..دعم عسكري وسياسي لحفتر

»إن مصر والإمارات تعملان على اقتطاع دويلة تابعة لهم في المناطق النفطية في شرق ليبيا، بينما ينهمك باقي الليبيين في قتال تنظيم الدولة»، هكذا علق الكاتب البريطاني «ديفيد هيرست» في مقاله على موقع «ميدل إيست آي».

فنظرًا للتقارب السابق بين حفتر والنظامين المصري والإماراتي لم يُستبعد أن يكون لهما دور في التحركات الأخيرة التي قامت بها قوات حفتر ضمن ما يسمى عملية «البرق الخاطف»، وسيطرت خلالها على منطقة الهلال النفطي، إذ تمت العملية بـ«غطاء سياسي من النظام المصري وبضوء أخضر إماراتي».

القاهرة وأبو ظبي اللتان يخشيان من نفوذ أوسع لدول إقليمية وقوى أسلامية في حال سيطرت حكومة الوفاق على الأوضاع في ليبيا، عقدتا لقاءات عدة بالقاهرة حضرها مسؤولون من الطرفين مع  معسكر طبرق، وذلك بهدف الترتيب لتحركات حفتر الأخيرة.

ويطمع النظام المصري ـ على وجه التحديد ـ بالحصول على حصة من الموارد النفطية الليبية في ظل أزمته الخاصة بقطاع الطاقة، لذلك لم يكن موقف مصر  مستغربًا عندما عجل وزير خارجية مصر «سامح شكري» بإعلان تأييد بلاده التام لتحرك قوات حفتر نحو الهلال النفطي، معتبرًا أن ذلك جاء لـ «للحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد، وتأمين الثروات البترولية«. وعقب على بيان أمريكا والدول الغربية الذي أدان سيطرة حفتر بأنه «متسرع ولم يراع الاعتبارات الخاصة بالأوضاع الداخلية في ليبيا». فالرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» الذي دعا في فبراير (شباط) 2015 الأمم المتحدة للتدخل عسكريًّا في ليبيا لمحاربة مناوئي حفتر، كان تأييده لحكومة الوفاق ورعايته لسلسلة لقاءات ليبية ليبية، مجرد مناورة سياسية يكشف حقيقتها الكثير من المواقف المؤيدة لحفتر.

أما الإمارات، فقد تحركت بشكل عملي أكثر في دعم حفتر، فتحملت كافة تكاليف تمويل القوات الأجنبية الفرنسية والبريطانية المتواجدة في شرق ليبيا وجنوبها، فالتواجد الفرنسي القائم في شرق ليبيا بحجة مكافحة الإرهاب، و بدعم لوجستي مصري هربت له أسلحة بجهود إماراتية، ويكشف تقرير للأمم المتحدة أن عمليات تهريب السلاح الإماراتية لا تقتصر على نقل الذخائر والسلاح فقط، بل حولت طائرات مقاتلة مصرية وعتاد عسكري إلى مدينة طبرق أيضًا.

وعملت الإمارات أيضًا مع الأردن في غرفة عمليات عسكرية مشتركة تحت قيادة فرنسية لدعم حفتر، وينقل موقع صحيفة «هافينغتون بوست» أنه «غرفة القيادة والتحكم هذه توجد داخل قاعدة بنينا الجوية في مدينة بنغازي والتي تعتبر أهم تمركز عسكري للقوات الموالية لحفتر». وقبل يومين سربت محادثات مسجلة لطيارين إماراتيين شاركوا في مهمات قصف جوي لمواقع حول مدينة بنغازي، وتحديدًا لحي اسمه سوق الحوت، أو سوق السمك، التسجيلات تظهر تواصل الطيارين مع برج المراقبة في مطار بنينا – المقر الرئيس لحفتر- لقصف هذا الموقع الذي يدور فيه قتال بين حفتر والقوات الإسلامية «البنيان الرصوص» منذ عام 2014.

ولم يخف حفتر الدعم الإماراتي له؛ ففي السادس من الشهر الجاري وخلال حواره مع وكالة «سبوتنيك» الروسية لم ينف حفتر دور الإمارات في كسر حظر تسليح الجيش الليبي، وقال «دولة الإمارات العربية هي إحدى أهم الدول الشقيقة التي تقف إلى جانب الشعب الليبي وتعمل ما بوسعها من أجل استقرار ليبيا وأمنها، ولكنها حريصة على عدم تجاوز القرارات الدولية«.

الدعم الروسي بالسلاح والخبرة العسكرية

فيما يتعلق بالحليف الروسي، فقد جاءت تحركات حفتر بعد أقل من أسبوع على زيارته لروسيا، قال عقب هذه الزيارة التي تمت مع حظر لطيران بين ليبيا ودول أخرى مفروضمن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أنه لمس تفهمًا كبيرًا من الجانب الروسي لما يدور في ليبيا، واعتبر روسيا «أبرز الدول المناهضة للإرهاب».

الموقف الذي اعتبر غير مناسب مع ولائه المعتاد للولايات المتحدة الأمريكية، التي قضى فيها عامين، يأتي في ظل سعي روسيا للعب دور أوسع في المنطقة العربية؛ لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.

وفيما يبدو، فقد قدمت روسيا من أجل ذلك، السلاح للجيش الليبي، كما قدمت الخبرات العسكرية، وهو ما لم يخفه السفير الروسي في ليبيا «إيفان مولوتكوف».

وصرّح مولوتكوف، في 28 يونيو (حزيران) الماضي أن اجتماع نوقش فيه مسألة توريد الأسلحة الروسية إلى ليبيا، لكن استدرك بالقول «أن بلاده لن تورد أي أسلحة إلى ليبيا، قبل رفع حظر توريد الأسلحة المفروض من قبل مجلس الأمن الدولي أو تخفيفه على الأقل».

تعليقات الفيسبوك