ربما هي المرة التي “تتجرأ” فيها الحكومة الليبية المؤقتة على توجيه الاتهام إلى جماعة متشددة بالوقوف وراء اغتيال ما لا يقل عن تسعة جنود ليبيين في هجوم مسلح على مركز أمني بمدينة بنغازي شرقي البلاد.

اتّهام صريح..

عناصر من جماعة مسلحة ليبية متشددة

الحكومة الليبية وبكلام فصيح ومباشر وبدون أية إشارات مشفرة – كما اعتادت في أوقات سابقة – ألقت بمسؤولية الهجوم الذي استهدف مديرية أمن بنغازي أمس الجمعة على متشددين من جماعة “أنصار الشريعة” الموالية لتنظيم القاعدة، والتي تدرج في لائحة الولايات المتحدة الأمريكية للإرهاب ضمن الجماعات التي ينطبق عليها هذا الوصف، وكذا جماعة متشددة تطلق على نفسها اسم “درع ليبيا”، وهي ميليشيات مسلحة تنشط في بنغازي، مهد الثورة الليبية.

بحسب الحكومة التي ما تزال تبحث عن رئيس وزراء جديد يعوض رئيس الوزراء المستقيل، عبد الله الثني، فإن “كتائب مسلحة مما يسمى أنصار الشريعة ومجموعات إجرامية أخرى قامت بالاعتداء على مديرية أمن بنغازي بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة”.

وقتل هؤلاء الجنود التسعة عندما حاول مقاتلون متشددون اقتحام مبنى مديرية أمن بنغازي، دون أن تُعرف أسباب الهجوم، وإن كانت بعض التقارير تشير إلى أن الهجوم جاء بعد إقدام جهات أمنية على حجز سيارة مملوءة بالسلاح قد تكون مملوكة لجماعة “أنصار الشريعة”.

لقطة من الهجوم الأخير في بنغازي

وهؤلاء القتلى هم جنود في وحدة قوات خاصة تابعة لما يسمى بـ”وحدات الجيش الليبي” التي تضم معظم التشكيلات التي خاضت الثورة ضد نظام العقيد القذافي، مع العلم أن بعض الميليشيات رفضت الانخراط في وحدات الجيش الرسمية وفضلت الاحتفاظ بأسلحتها معلنة “العصيان” في وجه السلطة المركزية “الهشة”، وهو ما يشكل أكبر تحدٍّ لسلطات طرابلس، بل وجعل حتى القوى الدولية تعبر عن “القلق البالغ” من تزايد نفوذ وعمليات تلك الجماعات المتشددة ولاسيما منها التي لها علاقة بشبكات الإرهاب الدولي.

بنغازي الثائرة!

حادث مقتل هؤلاء الجنود يأتي في سياق دوامة عنف واسعة تشهدها العديد من المناطق والمدن الليبية، ولاسيما مدينة بنغازي التي تنشط فيها كثيرًا الميليشيات التابعة لـ”أنصار الشريعة”. وهو ما جعل العديد من البعثات الدبلوماسية والقنصلية الغربية بالخصوص تخفض من نسبة تمثيلياتها إلى الحدود الدنيا في الأيام الأخيرة.

صورة أرشيفية لثوار ليبيا

وبحسب متتبعين للوضع الليبي فإن مظاهر تفجير العبوات الناسفة والسيارات الملغومة، واغتيال واختطاف جنود الجيش والشرطة وأفراد من عائلاتهم بات أمرًا شائعًا في مدينة بنغازي، ثاني أهم مدينة في البلاد؛ حيث فجّر مهاجم انتحاري حافلة ملغومة خارج معسكر للقوات الخاصة يوم الثلاثاء الماضي، فقط، مما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة اثنين آخرين بجروح.

تواتر أعمال العنف في المدينة وانتشار السلاح غير المراقب في أيدي المتشددين، جعل أكثر من دولة تقدم على إغلاق بعثاتها القنصلية في المدينة، بينما أوقفت بعض شركات الطيران رحلاتها إلى هناك، وخاصة منذ مقتل السفير الأميركي وثلاثة أمريكيين آخرين في هجوم شنه متشددون في سبتمبر 2012 على القنصلية الأمريكية بالمدينة.

ووفق المعطيات الواردة من مدينة بنغازي، عن مصادر أمنية، فإنه في ديسمبر الماضي قَتل مهاجم انتحاري 13 شخصًا خارج معسكر للجيش على مشارف بنغازي، في أول هجوم انتحاري منذ الحرب الأهلية التي ساندها بعمليات جوية حلف شمال الأطلسي عام 2011 وأطاحت بنظام العقيد القذافي.

الوضع إلى تأزّم؟

عناصر من الجيش الليبي

ويبدو أن هذه التطورات ربما ستتخذ منحى أكثر خطورة في الأيام المقبلة، في ظل وجود تقارير استخباراتية رصدت دعوات لعناصر الجماعات المقاتلة في سوريا للعودة إلى ليبيا لأجل تعضيد جبهة “أنصار الشريعة” المتشددة التي ربما تستعد لتوسيع نشاطاتها؛ حيث كشفت مصادر استخباراتية ليبية لموقع “بوابة إفريقيا الإخبارية”، أن أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل ينتمون إلى التيارات المتشددة والتكفيرية، كونوا نحو 20 كتيبة متمركزة حاليًا على الحدود الليبية المصرية.

وبرأي المقدم خالد العرفي، وهو ضابط من الاستخبارات العسكرية في بنغازي، فإن الأسابيع القليلة الماضية شهدت عودة لبعض قيادات “القاعدة” من العراق وسوريا إلى ليبيا، وأن ليبيا سوف تشهد المرحلة الأصعب في الأيام القليلة القادمة بعد سيطرة المتشددين على أغلب المناطق وعلى رأسها المناطق الحدودية مع مصر.

ويضيف العرفي أن تعليمات قد صدرت من تنظيم “أنصار الشريعة” إلى أتباعه في سوريا والعراق بالعودة إلى ليبيا خلال الأسابيع القادمة، لخوض المعركة الفاصلة – كما سماها – على الحدود المصرية، بعد رصد تحركات تلك الجماعات من قبل الاستخبارات الروسية والمصرية.

وعلى الرغم من أن هناك وجود لخبراء عسكريين دوليين وعرب لتدريب القوات الليبية الحكومية، إلا أنها ما تزال عاجزة عن مجاراة الجماعات المتشددة، وهو ما جعل البعض لا يتردد في إطلاق الدعوات لتدخل عسكري أجنبي في ليبيا لأجل كسر شوكة هذه التنظيمات والمجموعات المتشددة؛ في المقابل يحذر البعض الآخر السياسيين في ليبيا من مغبة التقاعس في الخروج بالبلاد من هذا الوضع غير المستقر، كما يحذر من أن استمرار إعطاء تلك الجماعات المتشددة مجالات أوسع للتحرك بسلاحها قد يؤدي إلى “صوملة” البلاد، خاصة في ظل وجود حديث عن اضطرار السلطات إلى الاستعانة ببعض الميليشيات، من خارج الجيش النظامي، لمواجهة ميليشيات أخرى “متمردة”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد