اللواء خليفة حفتر، القائد السابق للقوات البرية في الجيش الليبي وقائد “معركة الكرامة” – كما يقول والتي بدأها من مهد الثورة الليبية بنغازي – يتحدث إلى قناة العربية السعودية ويتمنى لقاء المشير عبد الفتاح السيسي المرشح فوق العادة لرئاسة مصر، باعتباره “رجلاً عسكريًّا ذا كفاءة عالية، وسيقود مصر إلى الاستقرار”، والسعودية معروف عنها أنها أيّدت بشكل كبير الإطاحة بالرئيس المصري المنتخب، وكانت أول المهنئين للسيسي قائد “الإطاحة” (حتى لا نقول الانقلاب)، كما هو معروف أيضًا أن حفتر هو واحد من “الليبيراليين” الذين لم يخفوا امتعاضهم وتذمرهم من سيطرة “الإسلاميين” على مقاليد الحكم في ليبيا ما بعد ثورة 17 فبراير، وقد حاول القيام بانقلاب في فبراير الماضي لكنه فشل، ويعيدها اليوم بالقيام بتمرد تنعته طرابلس بالانقلاب على الشرعية.

أجندة حفتر تتسع..

خليفة حفتر

حفتر، في مداخلة هاتفية له ببرنامج “الحدث المصري” على قناة “العربية الحدث”، أول أمس الأربعاء، أكد أن “عملية الكرامة” التي تشنها قوات عسكرية موالية له تهدف إلى تطهير ليبيا من “المتطرفين وجماعة الإخوان المسلمين”، وأوضح أن “الإخوان المسلمين” في ليبيا شكلوا جماعات كبيرة جدًّا من الإسلاميين المتطرفين، ومنحوهم جوازات سفر ليبية، لافتًا إلى أن مصر كثيرًا ما شكت من هذا الوضع، وفق ما ذكره موقع العربية الإخباري، وذهب إلى أن هذه المجموعات كانت تشكل خطرًا كبيرًا جدًّا، وأنه عندما انفجرت هذه القضية في مصر، “تفتحت عيون الليبيين، وعرفوا حقيقة الإخوان المسلمين”.

قائد مجموعة الصاعقة المنضم إلى حفتر العقيد ونيس بوخمادة

بعد هذه التصريحات المنسوبة إلى حفتر – الذي قاد إلى جانب الراحل القذافي انقلابًا عسكريًّا، قبل أكثر من أربعة عقود، على ملك ليبيا السابق(إدريس السنوسي) – لم يعد من باب المجازفة الآن توصيفه بأنه يقود انقلابًا في ليبيا، وهو ما نفاه عنه بادئ الأمر واعتبر عمله موجهًا إلى الجماعات “الإرهابية”، ما دام أن الأمر يتعلق، بحسبه، بعملية تهدف إلى تطهير ليبيا من جماعة “الإخوان المسلمين”، وهؤلاء لمن يحتاج إلى تذكير هم حزب “العدالة والبناء” الليبي الذي سيطر منذ أشهر على مقاليد المؤتمر الوطني العام (البرلمان) الذي اعتُبِر الحاكم الفعلي في ليبيا بعد الانتهاء بالعمل بـ”المجلس الانتقالي” الذي جاء مع الثورة؛ حيث شكل الإسلاميون، وغالبيتهم من الحزب المذكور، كتلة نيابية هي الأقوى والأكثر حضورًا.

بذور التفرقة..

مقر المؤتمر الوطني العام استُهدِف دائمًا من قبل العناصر المسلحة

طريقة تشكيل المؤتمر الوطني العام ظلت محل انتقاد من عدد من الليبيين منذ انتخابه في سنة 2012؛ حيث تحكمت فيه عناصر قبلية وأيديولوجية وفق عدد من الأصوات التي ظلت ترفضه وتعتبره غير شرعي؛ حيث جاء المؤتمر مقسمًا كالآتي: 100 مقعد مخصصة للجهة الغربية من ليبيا، و60 مقعدًا للشرق و40 مقعدًا للجنوب، وهؤلاء الأعضاء انتخبهم مليونين و865 ألفًا و937 ناخبًا وناخبة، هم من سجلوا في لوائح أول انتخابات تجري بعد أربعة عقود من حكم العقيد معمر القذافي، وكانت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا، قد حددت عدد المرشحين لخوض تلك الانتخابات الأولى من نوعها بـ2639 مرشحا في القوائم الفردية ويتنافسون على 120 مقعدًا، وباقي المقاعد وعددها 80 مقعدًا يتنافس عليها أكثر من 500 مرشح من 374 كيانًا سياسيًّا من خلال القوائم الحزبية، هذه الانتخابات كانت ممنوعة على أعضاء الحكومة الانتقالية التي جاءت بعد الثورة مباشرة وأعضاء المجلس الانتقالي الليبي، وعددهم 85 شخصًا، كما مُنِع من خوضها رموز النظام السابق.

ثوار ليبيون (أرشيفية)

ولعل بذور المشاكل الحالية لليبيا كانت مصاحبة لأول انتخابات حيث ما لبثت أن ازدادت وترعرعت مباشرة بعد تشكيل أول برلمان ليبي (المؤتمر الوطني العام)، فبالرغم من أن حزب “العدالة والبناء” لم يفز إلا بـ 17 مقعدًا بينما فاز تحالف القوى الوطنية، ‫‫بقيادة رئيس الوزراء المؤقت السابق محمود جبريل،‬ والذي يتكون مما لا يقل عن 58 حزبًا، بـ39 مقعدًا من أصل 80 مقعدًا مخصصًا للتكتلات السياسية، فإن “العدالة والبناء” استطاع استقطاب عدد من الأعضاء المستقلين من ذوي التوجهات الإسلامية، وهو ما جعله يشكل “كتلة الوفاء للشهداء” التي انضم إليها عدد من ذوي التوجهات الإسلامية، حتى باتت الكتلة تتحكم بشكل كبير في تعيين وإقالة رؤساء الوزراء في هذه المرحلة الانتقالية التي أعقبت انتخاب أول “برلمان”.

طموح حفتر

حفتر يتحدث إلى مقربين منه

اليوم يزداد “طموح” خليفة حفتر بالرغم من كل المبادرات التي طُرحت لنزع فتيل الحرب بين مختلف المجموعات المسلحة، ومن تلك المبادرات تجميد عمل المؤتمر الوطني العام الذي انتهت صلاحيته في 17 فبراير الماضي لكنه واصل عمله بضغط من “كتلة الوفاء”؛ ولا شك أن إقدام حفتر على توسيع أجندته لتشمل بالإضافة إلى “المجموعات الإرهابية” جماعة “الإخوان المسلمين”، الممثلين في التراب الليبي بحزب “العدالة والبناء”، يعتبر مؤشرًا على أن “عملية الكرامة” التي يقودها لقيت صدى إيجابيًّا لدى شرائح من المجتمع خرجت أكثر من مرة إلى الشارع للتنديد باستمرار العنف وانتشار السلاح غير المُتحكَّم فيه، بل إن مثل هذا “الصدى” الإيجابي الذي لقيته دعوة حفتر تجلت بالخصوص في انضمام واحدة من أشد وأشرس الوحدات العسكرية الليبية والأكثر تمرسًا وهي “قوات الصاعقة”، إلى قوات خليفة حفتر في المعركة التي يقودها، كما أن قائد قاعدة طبرق الجوية الليبية، العقيد إبراهيم عبد ربه، أعلن في وقت سابق عن أن القاعدة بصدد إصدار بيان تعلن فيه الانضمام إلى الجيش الوطني الليبي التابع للواء حفتر.

عناصر من مجموعة متشددة

هذا في وقت تدخل قائد الشرطة العسكرية العقيد مختار فرنانة وأعلن قبل يومين، باسم الجيش الليبي، تجميد عمل المؤتمر الوطني العام وتكليف حكومة الطوارئ مواصلة تسيير الأعمال إلى حين إجراء الانتخابات، مؤكدًا أن الشعب الليبي “لن يقبل أن تكون بلاده مهدًا للإرهاب والمتطرفين، وأنهم استعادوا السلطة من يد من فرط في الأمانة”، فيما يبدو أنه إشارة إلى مقاسمة حفتر وجهة نظره.

في ظل هذه التطورات، ومع الأخذ بعين الاعتبار تكالب بعض القوى الإقليمية والدولية على ليبيا ما بعد ثورة 17 فبراير، لا يبدو أن الأوضاع في بلد عمر المختار تنحى منحى التهدئة، هذا على الأقل في الأفق القريب، فهل كُتب على طرابلس الغرب إما العيشُ تحت وطأة الدكتاتورية المقيتة أو الفوضى اللعينة التي تهدم وتقتل ولا تبني؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد