بحلول أغسطس (آب) 2015، انتقلت مدينة سرت الليبية، معقل الرئيس الراحل «مُعمر القذافي»، خلال سنوات حُكمه، إلى سيطرة كاملة من جانب «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، الذي نجح، عبر 1800 عنصر تابع له، في إخضاع المدينة لحُكمه.

السطور التالية محاكاة لواقع السكان المحليين في مدينة سرت، في ظل حُكم التنظيم، الذي بات الآمر الناهي في المدينة، التي كانت الحصن الأخير للقذافي.

سرت.. أكبر معقل لـ«تنظيم الدولة» خارج العراق وسوريا

على الساحل الشمالى لليبيا، تقع مدينة سرت، مُطلة على البحر الأبيض المتوسط، وتقع على بُعد 450 كيلومتر إلى الشرق من العاصمة طرابلس، وهي المدينة التي بقيت، معقلًا للرئيس الليبي الراحل، معمر القذافي، لأربعة عقود، كما كانت الملاذ الأخير له، ولأركان نظامه، بعد سقوط طرابلس في أيدي الثوار، نهاية أُغسطس (آب) من نفس العام.

وبات يضاهي شهرة المدينة الاستثنائية، زخمٌ آخر، بعد أن أصبحت الحاضنة لأكبر عدد من عناصر «تنظيم الدولة»، بعد معقله الأكبر في كل من سوريا والعراق، إذ بدأ عناصر التنظيم، منذ أواخر 2014، بالتسلل إلى المدينة، لتصبح بحلول أُغسطس (أب) 2015، ثالث أكبر مدينة يتواجد فيها عناصر تابعة للتنظيم، بعد العراق وسوريا.

سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة، حال دون الوصول إليها، أو الهروب منها، خاصة بعد أن صارت محاولة دخول المدينة تنطوي على خطر كبير، بجانب انقطاع خطوط الاتصال داخلها؛ بسبب الخوف من عقوبات مُسلحي التنظيم، ضد أي مواطن لديه تواصل تليفوني مع أحدٍ في الخارج.

تمتد عداوة التنظيم مع أي شخص كان يعمل مع الشرطة في مدينة سرت، أو تجمعه صلة قرابة بالعناصر التابعة للأجهزة الأمنية، إذ تتراوح عقوبات التنظيم ضد المجموعات الشرطية بالخطف أو القتل، إلا إذا نجا بنفسه، وانضم للتنظيم كمُحارب في حروبه.

وحسب التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة في ديسمبر (كانون الأول) 2015، فإن عدد مقاتلي «تنظيم الدولة» في ليبيا (درنة وسرت)، يتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف مقاتل، منهم 1800 في سرت، معظمهم أجانب انتقلوا للمدينة عبر دروب الصحراء من ناحية حدود ليبيا الجنوبية، في ظل الفراغ الأمني الذي تعيشه منذ الثورة، ليستولوا على مبان ومستودعات حكومية وقاعدة عسكرية ومحطة إذاعية ومحطة لتوليد الكهرباء.

سرت

تتراوح أعداد مقاتلي التنظيم في ليبيا ما بين ألفين وثلاثة آلاف

استيلاء«تنظيم الدولة» على المدينة كاملة، انتهى في 29 مايو (أيار) 2015، بعد سلسلة معارك مع القوات الموالية لحكومة طرابلس غير المعترف بها دوليًا، انتهت إلى سيطرة كاملة على كافة مؤسسات الدولة، ليُعلن فرع التنظيم في ليبيا، أن مسلحيه استولوا على المطار، بحسب بيان نشر عبر حساب تابع له على موقع «التدوينات» القصيرة «تويتر».

سروايل الرجال عباءات النساء .. شروط التنظيم للبقاء في سرت

سيطرة «تنظيم الدولة» على مدينة سرت الليبية امتدت إلى كافة مناحي الحياة بين سكان المدينة، الداعمين لبقاء القذافي في الحكم حتى أواخر أيامه؛ إذ حدد التنظيم مجموعة من الأوامر والنواهي؛ عممها في كافة أنحائها، شملت تحديد طول سراويل الرجال، واتساع ولون عباءات النساء، وطبيعة الدروس التي يتلقاھا الطالب في المدارس الحكومية.

كذلك شملت إجراءات «تنظيم الدولة» نھب وتدمير منازل العناصر الأمنية والشرطية، أو ممن لم يدينوا بالولاء المُطلق لهم، باعتبارهم «أعداء». كما أغلقت «تنظيم الدولة» محال الملابس الداخلية والغربية، التي تعرض آخر صيحات الملابس الغربية، على أساس أنها مُخالفة للشريعة الإسلامية التي تُطبقها «تنظيم الدولة».

الإجراءات المُجحفة التي فرضها التنظيم دفعت حوالي ثلثي سكان سرت المقدر عددھم بـ80 ألفًا من المدينة، منذ دخول «تنظيم الدولة»، إلى الفرار من المدينة، والذين انتقلوا إلى المدينة الليبية المجاورة لهم، «مصراتة»؛ لعدم وجود مُخيمات للفارين؛ لمغادرة أغلب منظمات الإغاثة الدولية ليبيا؛ في ظل انعدام الأمن.

شُرطة «الحسبة» .. قطع الرؤوس وخطف الرجال

أسس التنظيم ما يُعرف بشُرطة الحسبة، وهي كتيبة تتألف من عناصر من التنظيم، ذكورًا وإناثًا، تنحصر مهامها في فرض العقوبات على من يخالفون تعليمات التنظيم في المدينة.

على مدار الشهور الماضية، قامت شُرطة الحسبة، بمساعدة مُخبرين قامت بتجنيدهم لصالحها، بالتجوال في الشوارع، بحيث أصدرت غرامات على الرجال المُدخنين، وجلدهم في الشوارع، وكذلك من تكتشف أنه يستمع للموسيقى، واقتياد الرجال والأطفال إلى المساجد للصلاة، وتحديد مواد دينية تعليمية إجبارية في المدارس.

العقوبة الأكثر شيوعًا بين العناصر التابعة لـ«تنظيم الدولة»، في المدينة الليبية هي الإعدام؛ إذ أعدم التنظيم مُؤخرًا 49 مواطنًا ليبيًا، تراوحت تهمهم بين الكُفر والموالاة لكتائب أخرى، والتجسس.

العقوبة الأكثر شيوعًا التي تنفذها عناصر التنظيم، هي الإعدام

من العقوبات التي يُعممها التنظيم في المدينة خطف الرجال من منازلھم ليلًا على يد مقاتلين ملثمين، وقطع الرؤوس في الشارع، وتعليق الجثث في ملابس برتقالية تتدلى من السقالات. ويسعى التنظيم من وراء هذه الصور إلى  تحذير الآخرين من الخروج عن نظامها وسيطرتها.

السجون بدلًا عن المُؤن

تغيب المؤن الغذائية والحاجات الأساسية للحياة، بعد مصادرة عناصر التنظيم لهذه الاحتياجات. كذلك صارت المحاضرات بجامعة سرت الليبية، موقوفة، منذ أواخر 2015، بعد منع التنظيم مجموعة من الأستاذة والطلاب دخول الجامعة، وإصدار «فرمان» بالفصل بين الذكور والإناث.

نفوذ «تنظيم الدولة» تعاظم بعد تحقيقه السيطرة الكاملة على ميناء سرت، والقاعدة الجوية، وأھم محطة طاقة وإذاعة، وكذلك على جميع المكاتب والموارد المالية الحكومية، واستيلائه على كافة الأموال الموجودة في الخِزن الحكومية، خاصة مع ارتفاع نفقات العناصر التابعة للتنظيم، كما أغلق كافة المصارف المتواجدة في المدينة، عدا مصرف واحد؛ أبقاه مفتوحًا؛ لإنهاء التعاملات المالية للعناصر التابعة له، وأغلق كافة مراكز الاتصال بالخارج على المواطنين، سوى مراكز الاتصال التابعة له.

القبضة الأمنية للتنظيم داخل المدينة الساحلية، بما شملته من إجراءات القبض على آلاف السكان المحليين، جعلته يتوسع في بناء السجون، بعد ضيق السجون المتواجدة على أعداد المُعتقلين؛ إذ أنشأ ثلاثة سجون جديدة، إحداها كانت روضة أطفال سابقة!

سيطر التنظيم على الإذاعة المحلية لمدينة سرت

ويواجه كل من تربطهم علاقات بجماعات مقاتلة أخرى،مشاكل بخصوص حريتهم في الحركة؛ وذلك لكونهم مشتبهًا في كونهم جواسيس من وجهة نظر التنظيم.

وينطوي التنظيم في سرت، على أعضاء من جنسيات مُختلفة، فمن التونسيين والمصريين، وكذا عناصر غير عربية، بالإضافة إلى أعداد قليل من الليبيين، وكذا عناصر من «بوكو حرام»، انضمت لأعضاء التنظيم في سرت، دعمًا لها، وهو أمر دلل عليه الاستعراض الخاص للتنظيم في أبريل (نيسان) 2015، الذي رُجّح أنه كان ترحيبُا بمقاتلي جماعة بوكو حرام النيجيرية، التي بايعت زعيم تنظيم الدولة، «أبا بكر البغدادي».

عرض التعليقات
تحميل المزيد