لا يختلف الليبيون على أن «حقول النفط» صنعت ثروتهم الاقتصادية في العقود الماضية، حينما كانت البلاد من أكبر الدول النفطية في القارة الإفريقية، لكن ما إن عصفت رياح ثورة 15 فبراير (شباط) عام 2011، للمطالبة بإسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، دخلت الأراضي موجة غير مسبوقة من الكساد الاقتصادي، وتراجع في الإنتاج النفطي.

خمسة حقول ضخمة تتركز في الشرق والجنوب من ليبيا، وهي العضو في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، كان قد بلغ قيمة صادراتها للدول الأوروبية القريبة من الساحل الليبي، على البحر المتوسط، مئات المليارات من الدولارات، إلا أنه وبعد الإطاحة بنظام القذافي، بدأ التنافس بين العديد من المناطق الليبية على الاستفادة من هذه الثروة مع غياب السلطة السياسية والرقابة العامة في البلاد.

ومع دخول البلاد موجات واسعة من الفلتان الأمني، وتسلسل الجماعات المسلحة، اعتُمد على العديد من عناصرها في حراسة آبار ومصاف تخص دولًا أجنبية متعاقدة مع الشركة الوطنية للنفط، وتتركز في الجنوب والغرب، بينما لجأ المسلحون في الشرق الأكثر غنى بالنفط، إلى الهيمنة على موانئ التصدير هناك.

اتساع رقعة العمليات العسكرية في الآونة الأخيرة، وانقسام دول المنطقة في تعاطيها مع الأوضاع الجارية، فتح المجال واسعًا أمام الجماعات التي تسللت إلى ليبيا لاستثمار حقول النفط، دون مراقبة الجهات المعنية، الأمر الذي أسفر عن بروز أزمة سياسية بين تيار محسوب على الليبراليين وآخر محسوب على الإسلام السياسي.

إلى جانب خروج جناحين للسلطة في البلاد لكل منه مؤسساته، الأول هو البرلمان المنعقد في مدينة طبرق (شرق) وحكومة عبد الله الثني، فيما يضم الثاني المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق الذي استأنف جلساته) ومعه رئيس الحكومة عمر الحاسي.

كل ذلك، دفع الأوساط الليبية، إلى وضع خطة لإنقاذ المورث النفطي الليبي، من الفقد والتراجع، وإعادة إنتاجه من جديد، خاصة حينما كثف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، من هجماته الأخيرة بالقرب من حقول النفط.

خاصة بعدما استخدمت حكومة طبرق (شرقي البلاد) ناقلة لتصدير النفط، في تحد لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، والتي عادت إلى البلاد بعدما وضعتها الأمم المتحدة على القائمة السوداء خلال الأسبوع الماضي، وهو ما اعتبرته المؤسسة النفطية عملًا غير قانوني يسعى إلى تقسيم النفط الليبي بين شركات الاستثمار الخارجية.

ثلاث مراحل لإعادة إنتاج النفط

الخطة التي تشرف عليها المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، تعتمد بشكل أساسي على إعادة الإنتاج إلى مستويات ما قبل 2011، أي وقت دخول الفوضى وسنوات العنف وتدهور الإنتاج إلى الأراضي الليبية.

لذلك، لن يكون من السهل عودة وتيرة إنتاج النفط من الحقول الليبية خلال المرحلة المقبلة بالتزامن مع سوء الأوضاع الأمنية والسياسية، حيث قد تستغرق العودة الكاملة بضع سنوات نتيجة لتعطل الإنتاج، وتفاقم هجمات الجماعات المسلحة.

حقول النفط

خارطة توضح أبرز حقول وموانئ النفط الخام في ليبيا

في حين قدر القائمون على الخطة، أن عودة حقول النفط الليبية للعمل بطاقتها الكاملة، سيتم مع جملة الإصلاحات ودعم حكومة الوفاق الوطني الأخيرة، بعد توقف الإنتاج منذ ثلاثة أعوام، أواخر 2017 أو 2018 القادمين، إلى جانب مضاعفة الإنتاج سريعًا إلى أكثر من 700 ألف برميل يوميًا إذا استقرت الأوضاع السياسية والأمنية.

وفقًا للخطة التي وضعتها المؤسسة، فإن عملية إعادة الإنتاج، ستشمل ثلاث مراحل، الأولى يمكن تنفيذها في غضون ثلاثة أشهر، وتهدف لإعادة تشغيل حقول نفطية مثل الشرارة والفيل اللذين تبلغ طاقتهما معًا نحو 430 ألف برميل يوميًا.

لكن حقولًا أخرى، مثل التي تعرضت لهجمات مباشرة وغيرها في السنوات القليلة الماضية، والتي تضخ إنتاجها عبر خط أنابيب إلى رأس لانوف والسدرة – أكبر مرفأين لتصدير النفط في ليبيا – قد تستغرق إعادة تشغيلها فترة أطول.

بينما المرحلة الثانية من الخطة تبلغ من ستة إلى ثمانية أشهر، وستغطي الحقول التي ستستغرق عودتها للعمل بكامل طاقتها، ما بين ثمانية أشهر وعدة سنوات؛ لأن عملية إصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لمرافئ التصدير تحتاج عدة سنوات.

الهجمات الأخيرة من قبل التنظيمات المسلحة داخل ليبيا، ألحقت أضرارًا بالبنية التحتية، وهذا ما يؤخر إعادة تشغيل الحقول التي تغذي تلك المرافئ، فضلًا عن تكلفة الإصلاحات، واستتباب الأمن والحالة السياسية.

أبرز حقول ومرافئ النفط الليبية

تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط الحكومية، والتي تشرف على حقول النفط الخام في ليبيا، قد حذرت مؤخرًا من إغلاق جميع حقول النفط في حال تفاقم الأوضاع الأمنية، واستمرار العجز التام في الإيرادات المالية للدولة، وتعرض الحقول والمرافئ إلى هجمات من قبل مسلحين مجهولين، إلى جانب الانهيار في البنية الاقتصادية الذي لحق بليبيا مؤخرًا، بعد أن أصبحت حقول وموانئ النفط، والتي تسودها الفوضى، أهدافًا رئيسية للصراع بين قوات الحكومة المعترف بها دوليًا، وعدد من المجموعات المسلحة الساعية لفرض نفوذها بالقوة.

وتتعدد حقول النفط الخام ومرافئه في ليبيا، مع تعدد الأسباب الكامنة وراء الأطماع الداخلية والخارجية له، حتى باتت مناطق حيوية لحسم الصراع بين الجماعات المسلحة، ومن أبرزها حقل السرير والواحة شرارة، بالإضافة إلى حقل الفيل وآمال الظهرة فارغ.

في المقابل تعمل عشرات الشركات الآسيوية والروسية والأوروبية والأمريكية في ليبيا منذ عقود، لكن عملها تراجع خلال التسعينيات، حيث بلغ عدد الشركات التي حصلت على امتيازات بترولية حتى أول مايو (أيار) 1960، 18 شركة تمثل مصالح أمريكية وفرنسية وبريطانية وألمانية وإيطالية، إلى أن ارتفعت إلى نحو 70 شركة في 2010.

وفي الوقت الحالي، تجتهد ليبيا من أجل العودة إلى إنتاجها السابق خلال فترة الثمانينيات، وهو ثلاثة ملايين برميل يوميًا، بخاصة وأن مليون برميل يوميًا من إنتاج ليبيا من النفط قد تعطل، منذ عام 2011. ومن بين المرافئ التي تشكل بؤرة صراع داخل ليبيا بين ثوار ليبيا والجماعات المسلحة وقوات القذافي، رغبةً في السيطرة عليها، هو مرفأ البريقة، الواقع غرب بنغازي، إضافة إلى منشآت ومرافئ أخرى في الزاوية ومصراتة.

النفط الليبي في أرقام

اكتشف النفط لأول مرة في ليبيا عام 1958، وبدأ الإنتاج عام 1961. ويشكل نحو 94% من موارد البلاد. وأهم ما يميزه غزارة الآبار المستخرج منها، وقربه من موانئ التصدير. ووفقًا لأحدث تقديرات (2010)، فإن الاحتياطات المؤكدة من النفط الخام في ليبيا تقدر بنحو 46.42 مليار برميل، أي نحو 3.94% من احتياطي العالم، و6.36% مما تنتجه المنظمة العربية المصدرة للبترول (أوابك)، و4.87% مما تنتجه أوبك (الدول المصدرة للنفط).

حقول النفط

إحدى مصافي النفط في ليبيا

بينما الإنتاج اليومي منه، يقدر بنحو 1.474 مليون برميل في اليوم، وهو ما يشكل 2.09% من إنتاج العالم، و5.1% مما تنتجه الدول الأعضاء في أوبك، بينما الاحتياطات المؤكدة من الغاز الطبيعي فتقدر بنحو 1549 مليار متر مكعب، أي نحو 0.83% من احتياطي العالم، في حين بلغ حجم المسوّق منه 15.9 مليار متر مكعب، أي 0.53% من إجمال الغاز المسوق في العالم.

وبالتالي، تنتج ليبيا 14.2 ألف برميل يوميًا من الغازولين، و39.7 ألف برميل من الكيروسين ووقود الطائرات، و80.7 ألف برميل من زيت الغاز والديزل، و124.9 ألفا من زيت الوقود، و59.8 ألفا من المشتقات النفطية الأخرى.

فضلًا عن أنها تستهلك نحو 236.7 ألف برميل نفط يوميًا، و260 ألف برميل من الغاز الطبيعي، وتصدر 1.170 مليون برميل نفط يوميًا إلى أوروبا، و136 ألف برميل من المشتقات النفطية، و9.89 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي، معظمها ينقل بواسطة الناقلات (8 ناقلات لدى ليبيا) والقليل منها بواسطة الأنابيب.

ويشكل قطاع النفط والغاز؛ المصدر الأساسي لإيرادات الخزينة الليبية، وكانت ليبيا تنتج قرابة 1.4 مليون برميل نفط يوميًا حتى منتصف العام 2013، حتى وصلت إلى ما يقارب 350 ألف برميل يوميًا؛ بسبب الصراعات المُسلحة.

فيما يدرّ النفط الليبي نحو 94% من عائدات البلاد من النقد الأجنبي، و60% من العائدات الحكومية، لكن هذه النسب اختلفت كثيرًا في الأعوام الماضية مع تفاقم الأوضاع السياسية والأمنية.

المؤشرات السابقة توحي بأن الاقتصاد الليبي يتميز بالازدواجية، أي وجود قطاعات متطورة وبالتحديد قطاع النفط والغاز، وقطاعات أخرى مختلفة وما يتبع ذلك من وجود خلل هيكلي كبير داخل منظومة الاقتصاد.

وفي السنوات القليلة الماضية بات يعانَى من ضعف وتدني الإنتاجية في القطاعات غير النفطية وأهمها قطاعا الزراعة والصناعة اللذان يساهمان مع قطاع الخدمات بنسبة أقل بكثير من مساهمة قطاع النفط والغاز في الناتج المحلي الإجمالي.

بالإضافة إلى ضعف الطاقة الاستيعابية للاستثمارات الأجنبية وتركزها بشكل رئيسي في قطاع النفط وهو ما أشرنا إليه مسبقًا من تواجد شركات دولية تعمل بالشراكة والاستثمار مع الاقتصاد الليبي.

صراع الغرب والجماعات المسلحة

يشير الواقع الحالي في ليبيا، إلى ضعف الحكومة بشكل لا يسمح لها ببسط سيطرتها، وتتفاوض السلطات بشكل مستمر من أجل البقاء، فهي مهددة من (المليشيات)، التي تتحكم في البلاد عوضًا عن الحكومة وأجهزتها الأمنية.

بيد أن الأولوية الأولى لدى الثوار الليبيين في ظل هيمنة العديد من الجماعات المسلحة داخل الأراضي الليبية هو المحافظة على الإرث الاقتصادي وذلك عبر إعادة إطلاق الصناعة النفطية المتوقفة ومكافأة حلفائهم الغربيين عبر توزيع العقود على شركات بلدانهم، كما وعد بذلك مصطفى عبدالجليل، رئيس المجلس الانتقالي سابقًا.

وهذا يعني أن حقول النفط لم تعد محط أنظار الجماعات المسلحة المتواجدة حاليًا في ليبيا، بل تتشاركها في ذلك الدول الغربية للحصول على عقود للاستثمار في النفط الليبي، وخصوصًا دول حلف شمال الأطلسي التي قدمت الدعم للثوار.

خاصة وأن ليبيا تعتمد بشكل كبير على الخبرات الأجنبية في قطاع النفط، كما أن اليد العاملة التي تشكل عصب الصناعة النفطية الليبية معظمها مستوردة، لكن ومع استمرار موجات العنف والاقتتال عاد الكثير من العمال الأجانب إلى بلدانهم خشية على أنفسهم، أو حتى أن تطالهم عمليات الخطف كما هو متعارف داخل الأراضي الليبية منذ بضع سنوات.

«تنظيم الدولة» الذي صعد مؤخرًا في الأراضي الليبية، بات اسمه يرتبط بأي عمليات تستهدف البلاد، خاصة حينما أخذ يكثف من عملياته ضد منشآت نفطية، الأمر الذي اعتبره مراقبون تطلعًا للسيطرة على حقول النفط الليبي، أسوة بما جرى في العراق وسوريا مؤخرًا.

والجدير ذكره أن أولى هجمات التنظيم، كانت على ميناء مرسى الحريقة البحري النفطي، وكان فيما الثاني على حقل المبروك الواقع على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب مدينة سرت، شمال وسط البلاد، والذي تشغله شركة توتال الفرنسية.

ومطلع العام الجاري حبس التنظيم كميات هائلة من النفط الليبي، للخروج إلى الأسواق الخارجية، عبر تهديده لأكبر ميناءين نفطيين في ليبيا، مما أدى إلى تراجع إنتاج ليبيا العضو في «أوبك»، إلى ما دون مستوى 350 ألف برميل يوميًا.

أسفر ذلك أيضًا عن إغلاق بعض الموانئ، لاستمرار القتال بين الأطراف المتصارعة، وسط خشية من بسط التنظيم سيطرته على ليبيا، وفقًا للعديد من التقارير التي خرجت في الأشهر القليلة الماضية.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد