في الرابع عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي، كانت قوات اللواء «خليفة حفتر»، المحسوبة على البرلمان الليبي في طبرق قد أكملت سيطرتها على الهلال النفطي الليبي بعد دخول ميناء البريقة.

وبحسب «الجزيرة» فإن العقيد «مفتاح المقريف» آمر جهاز حرس المنشآت النفطية التابع للقوات التي يقودها حفتر قال «إن قوات حفتر سيطرت على ميناء البريقة دون قتال، وذلك بواسطة أعيان وأهالي المنطقة».

كانت هذه السيطرة نهاية هجوم بدأته قوات حفتر في اليوم الـ11 من نفس الشهر على منطقة الهلال النفطي الواقعة بين مدينتي طرابلس وسرت، ونجح الهجوم في السيطرة مينائي راس لانوف وسدرة، أكبر موانئ تصدير النفط في ليبيا، ومن ثم ميناء الزويتية، لكنها سيطرة شكلت مشاكل من نوع آخر.

بمجرد الإعلان عن إتمام السيطرة على الهلال النفطي من قبل حفتر وقواته، سارع المبعوث الأمم لليبيا «مارتن كوبلر» بالقول بأن هذه الخطوة ستزيد الشقاق بين الكيانات الليبية المتصارعة وتؤثر على صادرات النفط.

2000px-Libya_location_map-oil_&_gas_2011-en.svgهذا التشاؤم من كوبلر لم يسر على رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، «مصطفى صنع الله»، والذي قال كتعليق على سيطرة «الجيش الوطني الليبي» ، تحت قيادة حفتر أن الإنتاج قد يزيد إلى 600 ألف برميل يوميًا، بدلًا من 290 ألف برميل، في غضون شهر.

بهذه الخطوة، يكون برلمان طبرق قد حاز النفط الليبي الشرقي في مواجهة حكومة الوفاق في طرابلس، طاردًا قوات حرس المنشآت النفطية فرع الوسطى بزعامة «إبراهيم الجضران»، وهي القوات الموالية لحكومة الوفاق التي تدعمها الدول الغربية والأمم المتحدة.

هذا وتركز القوى الغربية، والتي تدعم حكومة طرابلس، على أن النفط ملك للشعب الليبي، وأن تصديره يجب أن يتم عبر سلطة المجلس الرئاسي الليبي المعترف به من قبل المجتمع الدولي.

ومن هنا، فإنه منذ بدء هجوم قوات «الجيش الوطني الليبي» على منطقة الهلال النفطي، أصدرت حكومات الولايات المتحدة وخمسة دول أوروبية بيانًا تدين فيه الهجوم، وتحث قوات حفتر على الانسحاب غير المشروط والفوري من المنطقة.

أهمية الهلال النفطي

تعتبر منطقة الهلال النفطي أغنى موقع للبترول في ليبيا، فالمنطقة التي تقع بين سرت وبنغازي وتتوسط الطريق بين بنغازي وطرابلس، تضم المنطقة أكبر مخزون للنفط الليبي بالإضافة إلى مصافي النفط ومنشآت التكرير التي يتم نقل البترول منها للتصدير مباشرة عبر موانئ السدرة وراس لانوف والبريقة، وتحوي هذه المنطقة80 % من احتياطي النفط الليبي، ويقدر بنحو 45 مليار برميل بترول.

وتكمن حساسية هذه المنطقة، بالإضافة إلى أهميتها الاقتصادية الكبيرة للدولة صاحبة العضوية في منظمة الأوبك، وكونها الآن حاضن للمورد الوحيد لليبيا كدولة وهو النفط، في أنها تقع بين بنغازي، مقر قوات الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر وبين سرت، وهي المنطقة التي تقاتل فيها قوات الحكومة الليبية بالتعاون مع قوات حفتر لإخراج قوات «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش).

يضاف إلى هذا، قرب المنطقة من مصراتة، مركز مليشيات قوات فجر الإسلام التي تسيطر على معظم غرب ليبيا.

الهلال النفطي يعتبر منطقة ذات أهمية بالنسبة إلى دول مثل إيطاليا، والتي تدعم حكومة الوفاق في طربلس، حيث تعتبر إيطاليا أهم مستورد لنفط الهلال النفطي في ليبيا، فإيطاليا تعتمد على النفط الذي يأتيها عبر أنبوب تحت البحر بدل طرق الشحن التقليدية.

هذا الأمر جعل من إيطاليا تهتم بشكل خاص بالمنطقة، فقد فكرت إيطاليا جديًا عام 2015 في التدخل العسكري في ليبيا، خاصة وأن استثمارات عدد كبير من الشركات الإيطالية يتعلق بالمنطقة، فشركة إيني الإيطالية لها استثمارات في ليبيا بـ52 مليار دولار، بجانب شركات أخرى تعمل في ليبيا منذ عام 2008.

وبحسب «عبد اللطيف حجازي»، الباحث المتخصص في الشؤون الإقليمية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، في مقاله على «المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة»، فإن أهمية سيطرة قوات حفتر على الهلال النفطي الليبي لصالح حكومة طبرق تتلخص في أربع نقاط أهمها:

تتمثل أهم تلك النقاط في عوائد تصدير النفط بمنطقة الهلال النفطي، والتي تريد قوات الجيش الوطني الليبي وحكومة طبرق الاستفادة منها، خاصًة مع تردي الأوضاع المعيشية في المناطق تحت إدارة حكومة طبرق؛ وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تعزيز شرعية الحكومة في الشرق الليبي، ويسمح بتمويل مزيد من العمليات ضد الجماعات التي تعتبرها متطرفة في مناطق سيطرة حكومة طبرق، وهو ما يعزز قوة حكومة طبرق على المستوى الاقتصادي في مقابل حكومة الوفاق التي تجد دعمًا دوليًا.

وتمثل سيطرة قوات حفتر على الهلال النفطي ورقة ضغط يمكن استغلالها في المفاوضات بين الأطراف الليبية المتصارعة، خاصة بعد رفض مجلس النواب الليبي الاعتراف بحكومة فايز السراج، وهي الحكومة المدعومة دوليًا؛ وهو ما يعزز فرص الحكومة الشرقية في المفاوضات.

هذا، وبعد استطاعة المجلس الرئاسي الليبي الذي انبثق عن حكومة السراج المدعومة دوليًا توحيد مؤسستي النفط المتصارعتان في طرابلس وبنغازي في مؤسسة واحدة، فإن سيطرة حفتر على الهلال النفطي يحرم المجلس الرئاسي من جني ثمار جهده متمثلًا في عوائد تصدير النفط التي كانت من المنتظر أن تكون لصالح المجلس الرئاسي بعد استئناف الإنتاج.

كما أن توقيت حفتر في السيطرة على الهلال النفطي يستبق استكمال قوات البنيان المرصوص التابعة لحكومة طرابلس لعملياتها المتعلقة بإنهاء سيطرة داعش على مدينة سرت الليبية، وهو ما سيجعل نفوذ حكومة الوفاق أكبر في المنطقة، كما أن قوات حفتر تتخوف عقب نجاح هذه القوات في دحر داعش من أن تقوم بالتعاون مع قوات الجضران التي كانت تسيطر قبل حفتر على منطقة الهلال النفطي، وتشن من ثم عمليات ضد قوات حفتر وتقوض سيطرتها على المنطقة المهمة.

النفط مفتاح الشرعية

وبجسب تحليل نشرته وكالة «رويترز«، فإنه بعد أسبوعين فقط من سيطرة حفتر على الهلال النفطي ارتفعت معدّلات الإنتاج، وبدأت ناقلات النفط بتحميل براميل الذهب الأسود، وهو ما يجعل موازين القوى تتجه ناحية اللواء حفتر.

وعلى الرغم من أن دوافع حفتر في السيطرة على الهلال النفطي ليست واضحة، في إشارة إلى تعامله مع مصالح هذه الدول مع النفط الليبي، وكيفية استغلال حفتر لسيطرته على الهلال النفطي في مفاوضات الأمم المتحدة، إلا أن معطيات الواقع، بحسب رويترز، قد تجعل الغرب يقبل بخطوة حفتر، مجبرًا.

في الواقع، قال مسؤول غربي كبير لرويترز، لم يذكر اسمه »أعتقد أننا يجب أن ننظر إلى دوافع حفتر بكثير من الارتياب.. أعتقد أن هناك مخاطر جمة على حكومة الوفاق والاتفاق السياسي بشكل عام، إذا ما تم السماح لهذا الأمر بالانزلاق في الاتجاه الخاطئ«.

Portacontainer_MSC_in_navigazione_nello_stretto_di_Messinaدلالات هذا القبول تظهر في تغير موقف القوى الأوروبية، بجانب الولايات المتحدة من التنديد بهجوم قوات حفتر على الهلال النفطي في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي إلى الترحيب بـ«نقل إدارة المنشآت النفطية في الهلال النفطي إلى المؤسسة الوطنية للنفط، وبخطط زيادة الإنتاج والصادرات».

وقال حفتر في تصريحات نشرها «الجيش الوطني الليبي» على الإنترنت، بحسب رويترز، إن خطوة الاستيلاء على الموانئ تستهدف حماية الموارد الوطنية وإنهاء حصار أدى إلى حرمان ليبيا من العائدات وأدى لأزمة مالية.

وأضاف أن القوى الغربية يمكنها أن تطمئن تمامًا إلى أن تلك العملية ليست ضد المصالحة وليس لها أي أهداف سياسية.

وقبل أسبوعين من السيطرة على الموانئ أنهت حليفة حفتر ، وهي حكومة طبرق، مقاطعتها لقيادات حكومة الوفاق الوطني أو المجلس الرئاسي واقترحت تشكيل مجلس عسكري مشترك كوسيلة لإنهاء أزمة بشأن مستقبل قيادة القوات المسلحة.

معضلة النفط الليبي

وفي مقال لـ«كيفين كايسي»، الباحث في معهد القطب الشمالي، ويدوِّن عن النزاع والأمن في ليبيا، نشرته مجلة صدى، الصادرة عن معهد كارنيجي، يحلل الكاتب الصراع الدائر في ليبيا، وكون النفط ورقة أساسية فيه، بدلًا من أن يساعد النفط في انتقال ديموقراطي أسرع في الدولة الليبية.

الصراع الذي أشار إليه كايسي ليس فقط صراع القوى السياسية على نفوذها وسيطرتها على الدولة الليبية بعد القذافي، من خلال الصراع على النفط، لكنه يشير أيضًا، من خلال عدد من الحوادث في العام 2012، والعام 2013 كان أبطالها مجموعة من المواطنين الذي يعانون سياسات التهميش وعدم توزيع عوائد الثروة النفطية بتساوي منذ عهد القذافي، ولم تصحح بعد انتهاء عهده.

فقد رصد المقال محاولة في تموز (يوليو) 2012 لمجموعات تسعى إلى تعزيز الاستقلال الذاتي لإقليم برقة، وأغلقت المحطات الثلاث الأساسية لتصدير النفط في شرق ليبيا احتجاجاً على انتخابات المجلس الوطني التي اعتبروا أنه من شأنها أن تؤدّي إلى حرمان المنطقة الشرقية من حقوقها.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، فرض قدامى الحرب المصابون حصاراً على مصفاة الزاوية لتكرير النفط، للمطالبة بالحصول على الرعاية الطبية لمعالجتهم من الإصابات التي تعرّضوا لها خلال الثورة.

وفي2014 حاصر المعلّمون المصفاة نفسها بهدف لفت الانتباه إلى الإضراب الوطني الذي نفّذوه للمطالبة بتحسين رواتبهم.

ويرصد المقال العلاقة العكسية بين زيادة الاحتجاجات في ليبيا وازدياد معدلات الإنتاج للنفط خلال الفترة منذ سقوط نظام القذافي في سبتمبر (أيلول) 2011 حتى 2014، وقت كتابة المقال، من خلال رسم بياني يوضح الانخفاظ الكبير في إنتاج النفط مع زيادة كبيرة في الاحتجاجات منذ أغسطس (آب) 2013.

libyaoilويرى كيسي، بحسب مقاله، أن الأسباب الرئيسة لهذا، هو تعامل الحكومة الليبية مع هذه الاحتجاجات كل حالة على حدا، دول التعامل مع الأسباب الرئيسة لهذه الاحتجاجات، وهي التوزيع غير العادل لعوائد النفط، فيقتصر تعامل الحكومة الليبية مع هذه الحالات على التفاوض مع القبائل الليبية لتهدئة المحتجين من خلال إطلاق وعود بتحسين الأحوال.

لكن هذه الاستراتيجية هي ما قامت بإضعاف حكومة طرابلس، بحسب الكاتب، أولها هو إظهار أهمية حصار حقول النفط والغاز كوسيلة فعّالة للحصول على تنازلات من الحكومة الليبية، هذا بالإضافة إلى أن الموافقة على تأمين الوظائف وتحقيق التنمية بالاستناد إلى المطالب المحلية، بدلًا من احتياجات القطاع، إلى تفاقم مكامن الخلل والقصور وتعاظم الفساد في القطاع النفطي المضطرب. كما أن وضع حل هذه النزاعات في يد السلطات المحلية، أضعف الحكومة الفيدرالية الليبية، بحسب كايسي، وهو ما يمكن ربطه بالوضع الليبي الحالي، والذي يعج بالانقسامات والصراعات التي تسير في إطار صراع كبير بين حكومة الشرق الليبي وحكومة الغرب، والذي يشكّل النفط جزءًا أساسيًا منه.

وهكذا يمكن رؤية جذور الصراع بداية من عدم تحقيق المساواة بين مناطق الشرق والغرب في ليبيا فيما يخص توزيع عوائد النفط الذي يمثل موردًا أساسيًا للدولة الليبية والاستفادة منها في التنمية بهذه المناطق، ومن ثم استخدامه في يد فئات من المناطق الشرقية والغربية كورقة ضغط لتحقيق مطالب تنموية أو فئوية، في إطار يعزز ضعف الحكومة الفيدرالية.

في الواقع يشير كل ما سبق، إلى أنه بالتزامن مع وجود صراعات سياسية بين الشرق والغرب الليبي، يصير النفط ورقة أساسية في أية لعبة سياسية بين الكيانات المتصارعة على فرض السيطرة الكاملة على الدولة الليبية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد