في وقت تنحو فيه الأوضاع الأمنية بليبيا نحو مزيد من التعقيد والتأجيج، بانضمام فرق جديدة إلى عملية “معركة الكرامة” التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، يبرز وسط دخان الأزمة الليبية وميضٌ من أمل حول إمكانية إجراء حوار يُجنب البلاد مخاطر الانجرار إلى حرب أهلية بالرغم من أن الأمل في الوصول إلى ذاك الوميض يبقى ضعيفًا بعد فتح فوهات البنادق والمدافع.

حفتر يتقدم !

اللواء المتقاعد خليفة حفتر قائد التمرد

ميدانيًا أعلنت قوات الصاعقة في بنغازي والوحدات العسكرية في “طبرق” انضمامها للعملية العسكرية المسماة “معركة الكرامة” التي يقودها اللواء خليفة حفتر، الذي يتهمه ساسة طرابلس بعمل انقلاب على “الشرعية” وتزامن ذلك مع صدور أوامر إلى قوات من مصراتة بدخول طرابلس.

في بنغازي، أعلن آمر القوات الخاصة، العقيد ونيس بوخمادة، في تصريحات صحافية، أن قوات “الصاعقة” هي مع “إرادة الشعب و”معركة الكرامة” التي يقوم بها الجيش الوطني ضد “الإرهاب” في موقف مؤيد للواء خليفة حفتر، وأكد أن قواته “في قتال مستمر منذ سنة ونصف في ضرب أوكار الإرهاب بكافة أنواعه”، وتعهد بمواصلة قتال من وصفهم بـ”الخوارج والتكفيريين”.

التقارير أوردت أيضًا إعلان عناصر القواعد العسكرية والجوية والبحرية والمخابرات والشرطة العسكرية وكتيبة “عمر المختار” ومديرية الأمن الوطني بطبرق انضمامهم لـ”معركة الكرامة ضد الإرهاب”، وذلك في بيانات متلاحقة.

تنديد..

مقر المؤتمر الوطني العام أصبح مباحًا من طرف المسلحين

بالمقابل ندّدت “غرفة عمليات ثوار ليبيا” بما وصفتها بـ”العمليات العسكرية المتكررة على الشرعية التي ارتضاها الليبيون عبر صناديق الاقتراع، وضحوا بالدماء لأجلها”، مضيفة أن “زمن الانقلابات” قد انتهى، وتعهدت بالتصدي “بكل حزم لمحاولات الحالمين للوصول لسدة الحكم فيها على ظهور الدبابات”، قبل أن تؤكد أن الأحداث في طرابلس وبنغازي “انقلاب عسكري صريح ومكتمل الفصول على شرعية الدولة”.

عناصر ليبية مسلحة

هذه الاتهامات هي نفسها التي سارع ثوار بنغازي إلى إلصاقها بأتباع حفتر، وأعلنوا في تصريحات صحافية أن “قوى فقدت السلطة والمصالح الشخصية استعانت بقوى إقليمية من أجل الإطاحة بالثورة الليبية وإسقاط شرعية المؤتمر الوطني”.

وأدان الثوار الاعتداء الذي استهدف المؤتمر الوطني العام واتهموا عناصر من كتائب العقيد الراحل معمر القذافي بتنفيذه، وعبروا عن رفضهم لكل أعمال العنف والاغتيالات التي تستهدف الضباط الليبيين الذي شاركوا في ثورة 17 فبراير.

على المستوى الحكومي أمر رئيس المؤتمر الوطني العام (برلمان)، نوري أبوسهمين، بتكليف ما يعرف بـ”قوات درع المنطقة الوسطى” بتأمين وحماية المراكز الحيوية في العاصمة طرابلس، على أن تبدأ تلك القوات بدخول العاصمة خلال ساعات، وهو ما يعتبر برأي متبعين منعطفًا جديدًا على اعتبار أن تلك القوات ذات الغالبية المنتمية إلى مدينة مصراتة هي أقوى الجماعات المقربة من الحركات الإسلامية. وهو ما قد يؤجج الأوضاع في حالة تم احتكاك مع قوات موالية للواء حفتر الذي يرفع شعار محاربة “الجماعات المتشددة” أو الإرهابية، بحسبه.

مبادرات

عناصر تابعة للجيش الليبي في مدينة بنغازي

في ظل هذه التطورات المتلاحقة تُقدم الحكومة الليبية المؤقتة ما وصفتها بمبادرة وطنية إلى المؤتمر الوطني العام، وتقضي بأن يدخل الأخير في “إجازة برلمانية” حتى انتخاب برلمان جديد. وتفيد آخر التقارير أن المؤتمر الوطني العام سيجتمع في مكان غير معروف لإصدار بعض القرارات التي تهم الأزمة الحالية، وقد تخص التصويت على قرار يقضي بالتمديد لرئيس الوزراء الحالي إلى حين انتخاب مؤتمر وطني عام جديد.

وبالموازاة مع هذه المبادرة كثف ساسة طرابلس بدعم ومساعدة من طرف شيوخ وأعيان قبائل الاتصالات مع “المتمردين” وممثلين عنهم، لأجل “حقن” الدماء الليبية، والجلوس إلى طاولة الحوار؛ لكن يبدو أن إصرار أتباع حفتر على مواصلة “حربهم” ضد من يسمونهم “الإرهابيين”، لا يوازيه إلا إصرار حزب “العدالة والبناء”، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، على استمرار قيام المؤتمر الوطني العام الذي يتوفر فيه الحزب على أغلبية، والذي يعتبر أحد أكبر نقاط الخلاف بين التيار الإسلامي وباقي ألوان الطيف السياسي الليبي الأخرى ومنها حفتر الذي سبق أن أكد عدم شرعيته وجدد هذا التأكيد في خروجه المسلح الحالي.

مؤامرات..

المسلحون انتشروا في العديد من الأماكن الحيوية

“العدالة والبناء” رفض مقترح الحكومة بتعليق عمل المؤتمر داعيًا إياها إلى احترام هذه المؤسسة، وندد بالمقابل، في بيان له، باستخدام السلاح خارج إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية، داعيًا كل الأطراف “للجلوس إلى طاولة الحوار حقنًا للدماء ومنعًا للاقتتال”، كما طالب ضباط القوات المسلحة بالالتزام بتعليمات رئاسة الأركان وعدم الانجرار وراء نداءات من سماهم “الخارجين عن سلطة الدولة”.

ماذا يجري بليبيا؟ سؤال يتردد كثيرًا في الشارع الليبي كما في الخارج، في ظل تداول وتناقل “جواب جاهز”، هو “المؤامرة الخارجية” لضرب ثورة 17 فبراير! وليس هناك من مثالٍ حي على كلام مَن ذهب مثل هذا المذهب مِن أن إعلام وحُكام البلد الجار الشرقي (مصر) عمِلا مُنذ مدة على تأجيج الأوضاع بل والتحريض على “تدخل عسكري أجنبي” في ليبيا، لضرب “الإرهاب”، وغني عن التذكير أن حكام القاهرة الجدد بات عندهم “الإرهاب” مصطلح يطلقونه على من جاؤوا من قبلهم إلى السلطة بطريقة ديمقراطية.

لكن المؤكد والثابت هو أن قادة ثوار 17 فبراير الذين كانت لهم العزيمة على إسقاط نظام ديكتاتوري عمّر أربعة عقود افتقدوا، للأسف، إلى عزيمة مثلها تسقط الأنانية عندهم، مهما كانت عقدية أم قبلية، ويؤسسوا لدولة مؤسسات تجنبهم ويلات حرب أهلية باتت رائحتها تشتم مما يجري حاليًا!

عرض التعليقات
تحميل المزيد